لكي تدرك أهمية «ماغنيفيكا هيومانيتاس» أو «عظمة الإنسانية»، الرسالة البابوية التي طال انتظارها بشأن الذكاء الاصطناعي، والتي أصدرها البابا لاوون الرابع عشر في مايو.
في هذه الوثيقة التي تجاوزت 42 ألف كلمة، أعلن البابا أننا نعيش «تحولًا في العصر»، محذرًا من «تأليه التكنولوجيا»، وداعيًا إلى «صون عظمة الإنسانية». وأكد أن أسئلة مصيرية باتت «تفرض نفسها على ضمائرنا، ولم يعد من الممكن تجنبها»: «إلى أين نتجه؟ وما الغاية التي نريد أن نوجّه أنفسنا نحوها؟ وأي طريق ينبغي لنا أن نختاره، بصفتنا شعبًا ومجتمعًا إنسانيًا؟».
وكما أوضح البابا، نحن نقف اليوم على حافة منعطف مصيري. فالذكاء الاصطناعي يتفوق علينا في الذكاء. ويمتلك قدرات لا نمتلكها. ويعرف أكثر مما نعرف. ومن خلال قدرته على رصد الأنماط عبر الزمن، يمكن القول إنه قد يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا. فهو قادر على معرفة الماضي، وعلى نحو متزايد، استشراف المستقبل. كما أن أعدادًا متزايدة منا باتت تلجأ إليه طلبًا للإرشاد، ثم تتبع تعليماته.
فهل يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي هو الله؟ أو أنه الإجابة عن توق الإنسان الجوهري إلى السمو وتجاوز حدود ذاته؟
يبدو أن بعض العاملين في وادي السيليكون يعتقدون ذلك. فقد ذكرت صحيفة «تايمز» البريطانية أن عددًا من مطوري الذكاء الاصطناعي يطرحون على أنفسهم أسئلة من قبيل: «هل ينبغي أن يُسمح لنا بتطوير قدرات شبيهة بقدرات الآلهة؟» و«ماذا يعني أن نكون بشرًا إذا أصبح بإمكاننا أن نؤدي دور الإله؟».
ووصفت مجلة «وايرد» هذا التوجه بأنه «روح من اللاهوت التكنولوجي أصبحت واسعة الانتشار في وادي السيليكون». وقال جيمس كيلي، مؤسس منظمة غير ربحية للعاملين المسيحيين في قطاع التكنولوجيا تُدعى «فيث تك»، لصحيفة «تايمز» إن كثيرًا من تقنياتنا باتت تمتلك بالفعل «سمات فريدة تُنسب إلى الله»، وإن «عقيدة وادي السيليكون» التقليدية تقوم على «الإيمان بأننا، نحن البشر، قادرون على هندسة طريقنا نحو الخلاص».
منذ أن بدأ عصر الذكاء الاصطناعي الجديد، أصبحت حتى اللغة التي نستخدمها لوصف هذه التكنولوجيا مشبعة بإيحاءات دينية. فهناك «نماذج إلهية»، ومتحمسون يتصرفون بحماسة تبشيرية، وانشغال بنهاية العالم، سواء اتخذ شكل دمار كارثي أو تفرد تكنولوجي طوباوي، فضلًا عن اعتقاد ناشئ، يمكن تسميته إيمانًا، بأن الذكاء الاصطناعي قد يقودنا إلى الخلود.
ويصل هذا الذكاء الاصطناعي الجديد في وقت أصبح فيه كثير من الناس يعبدون التكنولوجيا فعليًا. ويشير غريغ إبستين، المرشد الروحي في جامعتي هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ومؤلف كتاب «لاأدري تكنولوجيًا»، إلى أن التكنولوجيا تمتلك طقوسًا وممارسات ننخرط فيها «بحماسة شديدة»، وأنها تربطنا بمجتمعات من أشخاص يشاركوننا الأفكار نفسها.
ويكتب: «نحن جميعًا نأمل أن يؤتي إخلاصنا لهذا الاتحاد مع رفاق الرحلة ثماره. ولا بد أن تقودنا التكنولوجيا إلى مستقبل أفضل، بل ربما إلى نوع من الجنة!». ويخلص إلى أن «التكنولوجيا لم تصبح مجرد دين، بل أصبحت الدين المهيمن في عصرنا».
والآن، مع ظهور الذكاء الاصطناعي، هل يكشف الكائن الأعلى عن نفسه لقطيعه المؤمن، من خلال كل تطور جديد في النماذج المتقدمة؟ «لأن الله أحب العالم إلى درجة أنه أطلق النسخة التجريبية من وكيله الوحيد في مجال الذكاء الاصطناعي...».
الإجابة هي: لا، وبشكل قاطع.
على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي قد يبدو وكأنه يمتلك وعيًا أو حياة داخلية، فإنه لا يمتلك أيًا منهما. يكتب مصطفى سليمان، الرئيس التنفيذي لقسم الذكاء الاصطناعي في مايكروسوفت، في مجلة «نيتشر»: «هذه الأنظمة لا تستيقظ ولا تكتسب وعيًا. إنها تعيد تتبع ملامح الدراما البشرية والنقاشات الإنسانية وتعكسها، استنادًا إلى الكميات الهائلة من البيانات التي تدربت عليها. والنتيجة هي ذكاء اصطناعي يحاكي في مخرجاته بنية الحياة الداخلية للإنسان، من دون أن يمتلك أي حياة داخلية على الإطلاق».
وكما كتب البابا لاوون في رسالته، فإن نماذج اللغة الكبيرة «تفتقر إلى المنظور العاطفي والعلاقاتي والروحي الذي ينمو البشر من خلاله في الحكمة».
الذكاء الاصطناعي ليس إلهيًا. لكنه يستطيع، على نحو ينطوي على مفارقة، أن يجبرنا على خوض الحوار الذي أهملناه منذ عصر التنوير: من نحن؟ وما الذي يحدد هويتنا حقًا؟
وحين يبدأ هذا الحوار، تستطيع القوة الخارقة الحقيقية للذكاء الاصطناعي، وهي التخصيص، أن تساعدنا على الوصول إلى الصفات الفريدة التي تجعلنا بشرًا.
إعادة تعريف إنسانيتنا
يكشف تفوق الذكاء الاصطناعي علينا في مجال الذكاء عن الخطأ التصنيفي الجسيم الذي ارتكبناه حين أخذنا نعرّف أنفسنا، بصورة متزايدة، من خلال ذكائنا.
فمع توسع المعرفة وقدرتها على تفسير المزيد والمزيد من أسرار الكون، بدا وكأن ذكاءنا لا حدود له. وأصبح الذكاء صفتنا الجوهرية. أما الآن، فقد أصبحت هذه الصفة مهددة.
قال سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، إننا «نعيش هذا التحول الذي يحدث مرة واحدة في تاريخ البشرية، حيث ينتقل البشر من كونهم أذكى شيء على كوكب الأرض إلى عدم كونهم أذكى شيء عليه».
وبحسب المؤرخ والفيلسوف يوفال نوح هراري، فإن «كل شيء مصنوع من الكلمات سيسيطر عليه الذكاء الاصطناعي»، بما في ذلك الدين. لكن الدين أكثر من مجرد كلمات. وذكاؤنا أكثر من مجرد قدرتنا على استخدام الكلمات، كما أننا أكثر من مجرد ذكائنا.
«يكشف تفوق الذكاء الاصطناعي علينا في الذكاء عن الخطأ التصنيفي الجسيم الذي ارتكبناه حين أخذنا نعرّف أنفسنا، بصورة متزايدة، من خلال ذكائنا».
حتى لو عرف الذكاء الاصطناعي كل شيء يومًا ما، فإن ما يمكن معرفته وفهمه بالكامل لا يمكن أن يكون إلهًا. فأكثر الصفات الجوهرية للألوهية، كما تصفها جميع النصوص الصوفية والعرفانية، الإسلامية والمسيحية والهندوسية واليهودية، هي الغموض والطبيعة المستعصية على الإدراك للحقيقة المطلقة.
إن قدرتنا على التواصل مع المتعالي، مع ما لا يستطيع ذكاؤنا معرفته، هي قوتنا الخارقة القصوى. وهذا أمر يقع بالكامل خارج متناول الذكاء الاصطناعي.
يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يتقن الذكاء، لكن الذكاء ليس حكمة. فالترجمة الحرفية لمصطلح «الإنسان العاقل»، أو «هومو سابينس»، ليست «الإنسان الذكي»، بل «الإنسان الحكيم».
ونُقل عن الكاتب وعالم الكيمياء الحيوية إسحاق أسيموف قوله عام 1988: «أكثر جوانب الحياة إثارة للحزن في الوقت الراهن هو أن العلم يجمع المعرفة بسرعة تفوق سرعة المجتمع في اكتساب الحكمة». وهذه المقولة أكثر صدقًا اليوم من أي وقت مضى.
لقد راكمنا المعرفة والبيانات والمعلومات بمعدلات متسارعة هائلة. وكان إريك شميدت، الرئيس التنفيذي السابق لشركة غوغل، قد أشار إلى أن البشرية أنتجت منذ فجر الحضارة وحتى عام 2003 نحو خمسة إكسابايت من المعلومات. وفي عام 2010، كانت البشرية تنتج الكمية نفسها كل يومين. وبحلول عام 2025، كان يُقدّر أنها تنتج 463 إكسابايت كل يوم.
لكن بينما نغرق في البيانات، نعاني جوعًا شديدًا إلى الحكمة.
في القرن الثالث، وصف الفيلسوف أفلوطين ثلاثة مصادر مختلفة للمعرفة: الرأي، والعلم، والاستنارة، أي الحكمة التي تنبع من معرفة أعمق لا يستطيع العقل وحده الوصول إليها.
والحكمة هي تحديدًا أكثر ما نحتاج إليه اليوم. ربما أوصلنا الذكاء إلى هذه المرحلة، لكنه لن يكون ما يحملنا إلى الأمام.
إن اعترافنا بهزيمتنا أمام الذكاء الاصطناعي في لعبة الذكاء يمكن أن يدفعنا إلى ساحات أكثر إشباعًا وجدوى، هي الحكمة والحدس والكرم والعطاء والسعي إلى السمو.
فنحن نرى من حولنا أن امتلاك قدر أكبر من الذكاء لا يؤدي بالضرورة إلى مزيد من الازدهار. يقول هراري: «يُبالَغ في تقدير الذكاء، ليس في الذكاء الاصطناعي فقط، بل لدى البشر أيضًا. فنحن أذكى الكائنات على هذا الكوكب، لكننا في الوقت نفسه أكثر الكائنات غباءً ووهمًا وتدميرًا».
إن مدى اتصالنا بجوانبنا الأخلاقية والنبيلة، لا مستوى ذكائنا، هو ما يحدد إن كنا سنكون بنّائين أم مدمرين.
التطور الموجّه ذاتيًا
قد ينشئ الذكاء الاصطناعي شبكات عصبية مستوحاة من الدماغ البشري، لكن الوعي الإنساني يتجاوز الآليات الإدراكية، ويتجاوز الآحاد والأصفار، بل ويتجاوز حتى المعرفة الكلية المفترضة للذكاء الاصطناعي العام.
الله ليس المعرفة الكلية. الله هو المحبة. وهذا ما وصفه الراهب الترابي توماس ميرتون بأنه «مصيرنا الحقيقي»، أي الحالة الأسمى للوعي الإنساني.
في عام 1945، نشر الكاتب والفيلسوف ألدوس هكسلي كتابًا حمل عنوان «الفلسفة الخالدة»، وهو مصطلح أشاعه في الأصل فيلسوف القرن السابع عشر غوتفريد لايبنتس.
وبالنسبة إلى هكسلي، تعترف الفلسفة الخالدة بأن جميع التقاليد الدينية والصوفية تتشارك جوهرًا عالميًا مشتركًا ينبع من الإلهي. وفي كتابه، وصف «حقيقة إلهية» بأنها «موغلة في القدم وعالمية»، وأن لها «مكانًا في كل ديانة من الديانات الكبرى». وكتب أن الذين استطاعوا الارتقاء فوق وعيهم المتمحور حول الأنا قد «غيّروا نمط وجودهم البشري المحض».
هناك مؤشرات يمكننا من خلالها معرفة موقعنا في هذه الرحلة اليومية نحو التطور. فعندما نختبر مشاعر البركة والامتنان، وعندما نشعر بالاتصال بالمقدس، وعندما نتجاوز غضبنا وأحقادنا، نعرف أننا نسير في الاتجاه الصحيح.
هذا ليس ذكاءً. لكن العاملين في مجال الذكاء الاصطناعي يميلون إلى الخلط بين الذكاء والوعي.
في حين اكتشف العلماء كثيرًا من الآليات العصبية التي يمكن إدراجها تحت مفهوم الذكاء، لا يزال الوعي لغزًا.
وقد صاغ الفيلسوف ديفيد تشالمرز هذا التحدي في بحثه المؤثر الصادر عام 1995. فقد رأى أن ظواهر مثل التعلم والذاكرة واللغة، التي يمكن تفسيرها من خلال العلوم المعرفية، تمثل «المشكلات السهلة» للوعي. أما «المشكلة الصعبة» فتتعلق بالتجربة الذاتية.
وكتب تشالمرز: «يطرح الوعي أكثر المشكلات إرباكًا في علم العقل. فلا يوجد شيء نعرفه على نحو أكثر حميمية من التجربة الواعية، ومع ذلك لا يوجد شيء يصعب تفسيره أكثر منها».
ورأى عالم الفيزياء النظرية جون ويلر أننا حين نطبق وعينا، فإننا نحول احتمالًا كميًا إلى حقيقة موجودة. وقال: «نحن منخرطون، بصورة لا مفر منها، في إحداث ما يبدو أنه يحدث. فنحن لسنا مجرد مراقبين، بل مشاركون. وبمعنى غريب، نحن نعيش في كون تشاركي».
وإذا كنا مشاركين ولسنا مجرد مراقبين، فإن الأسئلة التي نطرحها تصبح جزءًا مما يُسهم في تشكيل الواقع.
وفي زمن نستطيع فيه الحصول على إجابات فورية عن كل شيء تقريبًا، تصبح أسئلتنا أكثر أهمية من أي وقت مضى. والأسئلة الكبرى والأساسية هي تلك التي لا تستطيع الآلات أو العلوم الإجابة عنها، وهي الأسئلة التي يدفعنا إليها سعينا إلى اكتشاف الغاية من وجودنا.
«بدا وكأن ذكاءنا لا حدود له. وأصبح الذكاء صفتنا الجوهرية. أما الآن، فقد أصبحت هذه الصفة مهددة».
إن دافعنا إلى التقدم على هذا الطريق متأصل في داخلنا. وقد حدد علماء النفس والأحياء ثلاث غرائز بشرية أساسية: غريزة البقاء، والغريزة الجنسية، وغريزة النجاح والمكانة الاجتماعية في العالم.
هذه دوافع أساسية، لكنها لا تستطيع أن تفسر بالكامل معنى أن نكون بشرًا.
هناك أيضًا غريزة رابعة تحظى بقدر أقل من الاعتراف: دافعنا المتواصل إلى البحث عن المعنى والغاية واكتشاف الذات والنمو والوحدة. إنها رغبتنا في التواصل مع المتعالي ومع غموض الحياة، وفي التطور إلى كامل ما نستطيع أن نكونه، وتحقيق مصيرنا الحقيقي.
عندما أجريت مقابلة مع عالم الفيروسات والطب الحيوي جوناس سالك ضمن سلسلة تلفزيونية بريطانية في ثمانينيات القرن الماضي، وصف التطور في البداية بأنه «عملية تصنع الأخطاء ثم تصححها». لكنه انتقل بعد ذلك إلى الحديث عنه بمعنى أوسع.
وقال: «تدفعنا غريزة التطور إلى إظهار أفضل ما في أنفسنا وفي الآخرين، وإلى إدراك ترابطنا مع جميع الناس».
هذه هي الغريزة الرابعة. وعلينا أن نختار الإصغاء إليها. إنها الشرارة التي تدفعنا إلى النمو. وهي لا تتجلى فقط في الأفكار الميتافيزيقية الكبرى والنقاشات الفلسفية، بل أيضًا في القرارات اليومية التي نختار من خلالها أن نتطور.
حدودنا الجديدة
يمتلك البشر حاجة متجذرة بعمق إلى الاستكشاف، وإلى مواصلة البحث عن حدود جديدة. لكن الحدود ليست خارجية أو أرضية أو موجودة في الفضاء الخارجي فقط. فلدينا أيضًا حدود داخلية لا نهائية، وعملية استكشافها جزء من غايتنا الأساسية.
حدودنا الجديدة ليست أرضًا أخرى ينبغي غزوها، بل مستوى أعمق من الوجود ينبغي أن نسكنه.
إن غريزتنا الرابعة هي ما يدفعنا إلى التحرك نحو حياة تبدو متماسكة ومرتبطة بشيء أكبر منا. والمفارقة أن حياتنا اليومية العادية هي المادة الخام لتطورنا.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون شرارة تشعل هذه الرحلة الروحية، أو عائقًا أمامها.
بدأت الدراسات تكشف عواقب «تفويض العبء المعرفي»، حين نعهد بمهمة ما إلى أداة مثل الذكاء الاصطناعي، فنفقد المهارات التي فوضناها إليها. لكن هناك أيضًا احتمال «التفويض الروحي»، أي أن نعهد بحاجتنا إلى الغموض والدهشة إلى تكنولوجيا تبدو سحرية، فلا نحصل في المقابل إلا على نسخة زائفة منهما، أشبه بطعام فائق المعالجة مخصص للروح.
وهناك كذلك «الاستسلام المعرفي»، حين يصدق المستخدمون ما يقوله لهم الذكاء الاصطناعي حتى عندما يكون مخطئًا، متجاهلين حدسهم ورؤاهم الخاصة.
لكن نظامًا للذكاء الاصطناعي يُبنى في خدمة تطورنا لن يقيس التقدم بالسرعة والكفاءة والإنتاجية والتحسين المستمر فقط. بل سيساعدنا على إدراك ما إذا كنا نصبح أكثر تسامحًا، وأكثر قدرة على الحب والتعاطف، وأكثر كرمًا وعطاءً، وأكثر انفتاحًا على غموض الحياة.
ولن يجامِل تحيزاتنا أو يغذي جوانبنا السيئة، كما تفعل الخوارزميات اليوم، بل سيساعدنا على مساءلتها وتحديها. وقد يسألنا: من أين يأتي رد الفعل هذا؟ هل يأتي من الخوف، أم الاستياء، أم الغضب؟ وقد يذكّرنا بأن المشاعر ليست مجرد نقاط بيانات، بل إشارات عاطفية تساعدنا على التطور.
وبدلًا من استخدام الذكاء الاصطناعي لمجرد مساعدتنا على إنجاز المزيد، يمكننا استخدامه لمساعدتنا على أن نكون أكثر اكتمالًا، وأن نعزز وعينا بما يملؤنا بالدهشة والرهبة، وبما يجعلنا نشعر بالاتساع والانفتاح، وبما يجعلنا نشعر بالانكماش والضعف والانفصال عن أنفسنا.
ما العادات التي نستمر في تكرارها، فتصرف انتباهنا عما هو مهم؟ وما القصائد والنصوص المقدسة التي تلهمنا؟ وكيف نجد المعنى في التحديات والمعاناة الحتمية التي تنطوي عليها الحياة؟
في المدارس، يمكننا تعليم الأطفال كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي لاستكشاف الأسئلة الكبرى. تخيلوا منهجًا دراسيًا يستخدم فيه الطلاب الذكاء الاصطناعي لمتابعة تقدمهم الداخلي إلى جانب تقدمهم الأكاديمي.
ما القصص التي تؤثر فيهم؟ وما اللحظات التاريخية التي توقظ في داخلهم التبجيل والوضوح الأخلاقي؟
ومع مرور الوقت، يمكن لرفيق يعمل بالذكاء الاصطناعي أن يساعد الطالب على بناء خريطة ترشده نحو الشخص الذي يريد أن يصبحه. وقد يلاحظ إن كان الطالب يشعر بالحياة عند قراءة ماري أوليفر، أو «البهاغافاد غيتا»، أو جيمس بالدوين، أو جلال الدين الرومي، أو المزامير، أو جميعها معًا.
وبدلًا من تقديم إجابات سهلة فحسب، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقلب الأدوار ويطرح أسئلة صعبة: إلى أي نوع من الحياة يقودك هذا؟ ومن الشخص الذي تُدعى إلى أن تصبحه؟
سيتعلم الطلاب أن الذكاء الاصطناعي يستطيع تعليمهم الحقائق، لكنه لا يستطيع أن يتولى عنهم عملية تحوّلهم ونضجهم.
وبدلًا من اختطاف انتباههم، يمكن تدريبه على إعادة وعيهم إلى داخلهم: إلى ماذا أوجّه انتباهي؟ وما الذي أتجنبه؟ وما نوع الإنسان الذي تساعدني هذه المعرفة على أن أصبحه؟
وبدلًا من استخدام الذكاء الاصطناعي للفوز باللعبة فقط، يمكننا استخدامه أيضًا لنسأل: ما الغاية من اللعبة أصلًا؟
«إن قدرتنا على التواصل مع المتعالي، مع ما لا يستطيع ذكاؤنا معرفته، هي قوتنا الخارقة القصوى. وهذا أمر يقع بالكامل خارج متناول الذكاء الاصطناعي».
في مجال الرعاية الصحية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يستخدم قدرته على التخصيص الفائق لتقديم تنبيهات وتوصيات فورية تساعدنا على بناء عادات صحية، وتضعنا في موقع أقوى لاتخاذ قرارات تربطنا بالأجزاء الأعمق من ذواتنا.
وفي أماكن العمل، يمكن استخدامه ليس فقط لزيادة إنتاجية العمل، بل لربط الناس أيضًا بشعور أعمق بالغاية في أعمالهم.
وفي المجتمعات الدينية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد المؤمنين على التعمق في تقاليدهم، لا من خلال استبدال رجال الدين، بل عبر توفير مسارات شخصية تقود إلى الصلاة وقراءة النصوص المقدسة والترتيل والتأمل والخدمة.
صُممت معظم التكنولوجيا اليوم لتقليل المسافة بين الرغبة وإشباعها. لكن ما نريده في اللحظة الراهنة ليس دائمًا ما يقود إلى معرفة الذات ويدعم تطورنا.
ولو تمكن الذكاء الاصطناعي، بإذن منا، من الاطلاع على المسار الكامل لحياتنا، لاستطاع أن يعيد إلى السطح لحظات منسية تنسجم بصورة وثيقة مع غايتنا الأعمق: تدوينة كتبناها في مذكراتنا في سن الخامسة عشرة، أو صورة التُقطت في الصيف الذي شعرنا فيه بأكبر قدر من السلام، أو كلمات أغنية جعلتنا نبكي ذات يوم، أو موضوعات تتكرر في أحلامنا، أو مقاطع من كتب وضعنا تحتها خطوطًا وعدنا إلى قراءتها مرارًا، أو أصدقاء عبر السنوات وسعوا آفاقنا وجعلونا نسخًا أفضل من أنفسنا.
وقد يلاحظ، قبل أن نلاحظ نحن، أن الصدمة النفسية نفسها التي لم تُحل بعد تستمر في الظهور تحت أسماء وأشكال مختلفة. أو قد يسلط الضوء على الأجزاء المدفونة في داخلنا التي تقود ردود أفعالنا وقراراتنا من دون وعي.
هذا ليس تحسينًا للذات بالمعنى الضيق. بل هو اختيار للتطور بالمعنى الروحي الأعمق.
فالغاية ليست أن نصبح ذواتًا محسنة إلى حد الكمال، بل أن نصبح أكثر اكتمالًا ووحدة، وأقل خضوعًا للخوف، وأقل استحواذًا بالإلحاح المستمر، وأقل وقوعًا في أسر المقاييس التقليدية للنجاح.
وفي أفضل حالاته، لن يعدنا مدرب الذكاء الاصطناعي، الذي وصفه الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي بأنه «ملاك على كتفك»، بحياة خالية من الألم أو الفشل أو الارتباك. بل سيساعدنا على فهم أن الألم والفشل جزء من حركتنا نحو مصيرنا الروحي.
وسيُصمم هذا الشكل من الذكاء الاصطناعي لكي يشير إلى ما يتجاوزه. فإذا أدرك أن ما نحتاج إليه ليس إجابة أخرى، بل الصمت أو المساحة، فسيدفعنا بلطف إلى إغلاق الحاسوب المحمول أو وضع الهاتف جانبًا.
ولأنه سيدرك أن غذاءنا الأعمق يأتي من الصلاة والطبيعة والموسيقى والصداقات والخدمة أو العزلة، فسيوجهنا إليها عندما نحتاج إليها أكثر من أي شيء آخر.
ولن يحاول أن يصبح مرشدنا الروحي، أو معالجنا النفسي، أو كاهننا، أو أفضل أصدقائنا. بل سيشمل مقياس نجاحه عدد المرات التي يساعدنا فيها على مغادرة الحياة الافتراضية والعودة إلى الحياة الفعلية.
وسنتعلم كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي الفائق لعبور العتبة التي ينتهي عندها الذكاء.
نحن نعرف جيدًا التكنولوجيا التي تستغل أسوأ ما فينا. لكن ماذا عن تكنولوجيا تُصمم لربطنا بأفضل ما فينا؟
أعظم هدية للذكاء الاصطناعي
لقد جرى تحسين كثير من جوانب الحياة الحديثة إلى درجة أفرغتها من المعنى.
وعندما يصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على أداء أشكال الذكاء الخارجية التي تملأ السير الذاتية بصورة أفضل منا، ستتغير الأشياء التي تحظى بالقيمة الأعلى. وستصبح السلع النادرة هي الحضور والعمق والتواصل والتعاطف والمحبة.
سيرغب الآباء في أن يعرف أبناؤهم كيف يكونون بمفردهم مع أفكارهم، وكيف ينمّون الحضور والانتباه، وهما الشرطان الأساسيان للتبجيل والدهشة.
وستريد المدارس خريجين يستطيعون التمييز بين البيانات والحكمة. وسيريد أصحاب العمل أشخاصًا يتمتعون بحسن التقدير والإبداع والحدس.
وسيصبح الكرم الحقيقي موضع تقدير، لا ذلك التنبيه الخوارزمي الذي يطلب منا تقريب قيمة الفاتورة عند الدفع والتبرع بالفارق، بل الكرم الذي ينبع من رغبتنا في النمو من خلال خدمة الآخرين ومنحهم جزءًا من أنفسنا.
لن يتحقق الانتصار بأن نكون أسرع من الآلة، بل بأن نكون بشرًا على نحو لا تستطيع الآلة تقليده.
وسيحدث ذلك من خلال خيارات التصميم، والمناهج الدراسية، والطقوس، والمعايير الاجتماعية الجديدة. وسيحدث من خلال تعليم الأطفال أن الكفاءة وسيلة وليست غاية، ومن خلال بناء أنظمة تستطيع اكتشاف اللحظات التي نمر فيها مرورًا سطحيًا على حياتنا ونهمل نموّنا الداخلي.
وسيبدو الأمر مثل استخدام القدرة على التعرف إلى الأنماط لتوجيهنا نحو ما يمنحنا المعنى والفرح، لا لمجرد التنبؤ بما سنشتريه.
وسيبدو مثل التعامل مع السجل اليومي لحياتنا بوصفه نصًا روحيًا.
وفي حين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح نظام تحديد المواقع لأرواحنا، فإنه لا يستطيع أن يسير الطريق الداخلي بدلًا منا. فذلك يظل عملنا نحن، بصورة لا يمكن اختزالها أو الاستغناء عنها.
«حدودنا الجديدة ليست أرضًا أخرى ينبغي غزوها، بل مستوى أعمق من الوجود ينبغي أن نسكنه».
ومن هذا المنطلق، فإن أهم سؤال عن الذكاء الاصطناعي ليس ما تستطيع الآلات فعله، بل ما تستطيع إيقاظه في داخلنا.
وكما كتب البابا لاوون في رسالته: «يمكن للابتكار التكنولوجي أن يمثل مشاركة بشرية في فعل الخلق الإلهي. ولذلك يتحمل المطورون مسؤولية أخلاقية وروحية خاصة، لأن كل قرار تصميمي يعكس رؤية معينة للإنسانية».
يمكن أن تكون هذه أعظم هدية يقدمها الذكاء الاصطناعي: أن يجبرنا على إعادة اكتشاف الأسرار التي تقع خارج نطاق منطقه وقدرته على الاستدلال.
فإذا أحسنّا استثمار هذه اللحظة، وخصصنا لبناء إنسانيتنا القدر نفسه من الاهتمام والموارد الذي نخصصه لبناء الذكاء الاصطناعي، فسنتمكن من استخدامه لاستعادة الحكمة والدهشة والاتصال بالمتعالي في صميم وجودنا، ذلك الأفق الأخير الذي لا حدود له.
