القائمة الرئيسية

إعادة التوازن للاقتصاد العالمي

إعادة التوازن للاقتصاد العالمي
ملخص المقال

يوضح المقال أن اختلالات الحساب الجاري العالمية تعكس في الأساس تفاوت معدلات الادخار بين الدول أكثر مما تعكس اختلافات في الاستثمار، وهو ما يفسر استمرار العجوزات في بعض الاقتصادات والفوائض في أخرى. ويبين أن هذه الاختلالات عادت إلى الاتساع بعد جائحة كوفيد-19، مما زاد من المخاطر المرتبطة بالتمويل الخارجي والتوترات التجارية. كما تشير التجارب التاريخية إلى أن تصحيح العجز يرتبط عادة بزيادة الصادرات والانضباط المالي وارتفاع الادخار، بينما يرتبط تقليص الفائض بتنشيط الطلب المحلي والاستثمار. ويخلص المقال إلى أن معالجة هذه الاختلالات لا تتحقق عبر سياسات تجارية عامة، بل من خلال إصلاحات داخلية مصممة وفق ظروف كل اقتصاد، مثل تعزيز الحماية الاجتماعية وتحفيز الاستهلاك في الدول ذات الفوائض، وضبط المالية العامة في الدول التي تعاني من العجز، بما يسهم في تحقيق توازن اقتصادي أكثر استدامة محلياً وعالمياً.

تتصدر اختلالات ميزان الحساب الجاري مجدداً واجهة النقاشات الاقتصادية الدولية، في ظل تداخل العجوزات والفوائض المزمنة مع تصاعد التوترات التجارية وتفاقم الهشاشة الخارجية. وتكشف القراءة التحليلية لهذا المشهد أن هذه الاختلالات هي في جوهرها انعكاس لتباين سلوكيات الادخار بين الدول، مما يعني أن معالجتها تتطلب تبني إصلاحات محلية مصممة بدقة لتناسب ظروف كل اقتصاد، سواء كان يعاني من عجز أو يتمتع بفائض.

اتساع الفجوات الهيكلية عالمياً

أصبحت أرصدة الحساب الجاري محوراً رئيسياً في المحافل الدولية، مثل اجتماعات مجموعة العشرين ومجموعة السبع هذا العام. ويعكس هذا الاهتمام المتجدد استمرار التباينات في الأوضاع الخارجية للاقتصادات الكبرى، وتفاقم النزاعات التجارية، فضلاً عن اتساع الفجوات في صافي مراكز الاستثمار الدولية.

لتبسيط الصورة، يعبر الحساب الجاري عن سجل المعاملات المالية والتجارية للاقتصاد مع العالم الخارجي. فالاقتصاد الذي يحقق فائضاً هو اقتصاد يدخر أكثر مما يستثمر محلياً، بينما يمثل العجز حالة استثمار تفوق الادخار، مما يضطر الدولة للاعتماد على التمويل الخارجي. وبناءً عليه، فإن قرارات الأفراد والشركات والحكومات المتعلقة بالادخار والاستثمار هي المحرك الحقيقي لهذه الأرصدة. وتكمن خطورة استمرار هذه الاختلالات في كونها قد تخفي تشوهات سياساتية أو أنماطاً غير مستدامة، خاصة إذا أصبحت الدول ذات العجز عرضة لتقلبات تدفقات التمويل الخارجي.

ورغم انحسار هذه الاختلالات بعد الأزمة المالية العالمية، إلا أنها عادت للظهور والتفاقم منذ جائحة كوفيد تسعة عشر. واللافت أن المشهد العام لم يتغير كثيراً خلال العقود الثلاثة الماضية؛ فالولايات المتحدة لا تزال تسجل عجزاً مستمراً، بينما تحافظ الصين والعديد من دول الاتحاد الأوروبي على فوائض ثابتة. وقد تزامنت هذه التطورات مع اتساع صافي مراكز الاستثمار الدولية، مدفوعة بآثار التقييم وتقلبات نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي أكثر من تأثرها بحركة التدفقات التجارية الفعلية.

الادخار هو كلمة السر

عند تحليل أسباب استمرار هذه الفجوات، نجد أن التفاوت يكمن في ""سلوك الادخار"" وليس في ""حجم الاستثمار"". فالدول ذات الفائض تتميز بمعدلات ادخار تفوق باستمرار نظيرتها في دول العجز. وتؤكد البيانات القطاعية هذا التوجه؛ حيث تميل الاقتصادات ذات العجز إلى تدني صافي ادخار الأسر والحكومة. ومنذ الجائحة، لوحظ ارتفاع في صافي ادخار القطاع الخاص مقابل تراجعه في القطاع العام، وهو ما يعكس بشكل رئيسي تبعات سياسات الدعم المالي الاستثنائي التي طُبقت في ذلك الوقت.

وفي حين قد تؤثر السياسات الصناعية والتجارية على قطاعات بعينها، إلا أنها لا تشكل التفسير الكامل للوضع الراهن. فالأدلة على قدرة السياسة الصناعية على تحسين أرصدة الحساب الجاري بشكل دائم تظل محدودة؛ نظراً لندرة البيانات الموثوقة حول حجم الدعم الحكومي وتعدد التشوهات الهيكلية الأخرى، مثل القيود المفروضة على الاستهلاك أو تدفقات رؤوس الأموال.

ديناميكيات التعديل غير المتماثلة

تفيدنا التجارب التاريخية في فهم الكيفية التي قد تتقلص بها اختلالات اليوم. فقد أظهر تحليل أجري على سبعين حالة تعديل كبرى بين عامي ألف وتسعمئة وثمانين وألفين وأربعة وعشرين، أن ثلاثة أرباع هذه الحالات اتجهت نحو تصحيح الاختلالات وليس تعميقها.

يميل ""تقليص العجز"" إلى الارتباط بنمو أقوى في الصادرات، وبعض الترشيد في الواردات، وانخفاض سعر الصرف الحقيقي، مع ارتفاع في صافي ادخار القطاع الخاص. وعادة ما يصاحب ذلك سياسات مالية ونقدية أكثر انضباطاً. أما ""تقليص الفائض""، فيرتبط غالباً بزيادة الطلب المحلي والواردات، مع انخفاض صافي الإقراض في القطاعات الثلاثة (الأسر، الشركات، الحكومة). وترافق هذه الحالة عادةً ارتفاع في سعر الصرف الحقيقي ومعدلات التضخم، دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى إضعاف تنافسية الصادرات.

ومن الملاحظ أن حجم الاختلالات الأولية يؤثر في سرعة التعديل؛ فكلما كان العجز كبيراً، زادت احتمالية حدوث تصحيح لاحق. أما الأزمات المصرفية أو مراكز الاستثمار الدولية فلا تعد مؤشرات دقيقة للتنبؤ بتوقيت بدء عمليات التصحيح.

نحو إصلاحات ذات أهداف محلية

لا توجد معادلة سحرية تحدد النقطة التي يصبح عندها رصيد الحساب الجاري ""مفرطاً""، كما تظل المعايير التجريبية مجرد أدوات استرشادية بسبب صعوبات القياس والنمذجة.

بدلاً من السعي وراء معايير خارجية، يمكن للدول التركيز على إصلاحات تحقق أهدافاً اقتصادية واجتماعية محلية، مما سينعكس تلقائياً على التوازن الخارجي. ففي دول العجز، يساعد الانضباط المالي في معالجة العجز العام. أما في دول الفائض، فإن تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي، وتعميق الأسواق المالية، ودعم نمو الإنتاجية، يساهم في خفض الادخار المفرط.

إن الخطوات الأكثر تأثيراً هي تلك التي تتخذها الدول الأكثر مساهمة في الاختلال العالمي. ففي الصين، يمكن لتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية وتحسين الخدمات العامة أن يقلل من دوافع الادخار التحوطي ويحفز الاستهلاك. وفي الولايات المتحدة، يظل معالجة العجز المالي الهيكلي أولوية قصوى لضمان استدامة المسار الاقتصادي. وفي أوروبا، يكمن الحل في توجيه المدخرات الكبيرة نحو استثمارات منتجة عبر تقوية الأسواق الرأسمالية وإزالة الحواجز أمام نمو الشركات، مع استغلال المساحات المالية المتاحة لدعم الاستثمارات العامة ذات الجودة العالية.

المصدر

مقالات ذات صلة