تشهد سوق برمجيات ""الإنترانت"" تدفقات مالية ضخمة وعمليات دمج متسارعة بين الشركات، بينما يعكف الذكاء الاصطناعي على إعادة صياغة خريطة الطريق لكل منتج في هذا القطاع. وفيما يلي نغوص في تفاصيل الازدهار غير المتوقع الذي يشهده سوق الإنترانت في عام 2026.
كان قطاع برمجيات الإنترانت يتمتع بوضع جيد خلال عام 2025، حيث نجحت العديد من المنصات في تأمين استثمارات قوية، وبدأ الموردون في دمج مزايا الذكاء الاصطناعي ضمن حلولهم. وبعد مرور عام، لم تتوقف هذه الاتجاهات بل ترسخت أكثر؛ إذ نرى في عام 2026 خارطة طريق تقنية سريعة الإيقاع لبرمجيات الإنترانت ومنصات تجربة الموظفين (EXP)، يهيمن عليها الذكاء الاصطناعي، وتدعمها تدفقات رأسمالية كبيرة، ونشاط محموم في عمليات الاستحواذ والاندماج، وإعادة تموضع تسويقي لافت؛ وهو مفارقة مثيرة لقطاع كان يُنظر إليه حتى وقت قريب على أنه تقنية تجاوزها الزمن.
مؤشرات الاستثمار ونشاط الاندماج والاستحواذ
تسارعت وتيرة الاستثمارات وعمليات الدمج منذ مايو 2025، مما يؤكد أن قطاع برمجيات الإنترانت وتجربة الموظفين لا يزال يمثل وجهة جذابة للمستثمرين الباحثين عن النمو. ومن أبرز الصفقات التي شهدها السوق:
مايو 2025: نجحت منصة ""فليب"" (Flip) في جمع تمويل بقيمة 28 مليون دولار.
يونيو 2025: استثمرت شركة ""نورث إيدج"" (NorthEdge) في ""أوك إنجيج"" (Oak Engage).
يونيو 2025: استحوذت ""فيلا إيه بي إكس"" (Vela APX) -التابعة لشركة ""كونستيليشن سوفتوير"" (Constellation Software)- على شركة ""إلكوم"" (Elcom).
يوليو 2025: اندمجت ""لوم أبس"" (LumApps) مع ""بي كيبر"" (Beekeeper).
سبتمبر 2025: استحوذت ""أب سبيس"" (Appspace) على ""إيجلو سوفتوير"" (Igloo Software).
أكتوبر 2025: استحوذت ""كاثاي كابيتال"" (Cathay Capital) على حصة الأغلبية في ""باول سوفتوير"" (Powell Software).
أكتوبر 2025: حصلت منصة ""موزايك 365/جينت"" (Mozzaik365 / Jint) على تمويل أولي إضافي بقيمة 1.5 مليون يورو.
نوفمبر 2025: استحوذت ""كاستيك كابيتال"" (Castik Capital) على حصة الأغلبية في ""إنتراكت سوفتوير"" (Interact Software).
مارس 2026: استحوذت ""لوم أبس"" (LumApps) على ""كومين"" (Comeen)، وهي منصة متخصصة في تجربة بيئة العمل المادية.
مايو 2026: استحوذت منصة الاتصالات الداخلية ""بوبولو"" (Poppulo) على منصة الإنترانت الاجتماعية ""سوشيابل"" (Sociabble).
مايو 2026: استثمرت ""إينلايتيند هوسبيتاليتي إنفستمنتس"" (EHI) مبلغ 17 مليون دولار في منصة ""بلينك"" (Blink).
خلف كواليس استثمار 17 مليون دولار في برمجيات ""الخطوط الأمامية""
يعتبر دخول مستثمرين من خارج القطاع التقليدي لتجربة الموظفين دليلاً قاطعاً على الثقة الكبيرة في هذا المجال. فشركة (EHI)، التي استثمرت مؤخراً في ""بلينك""، عادة ما تركز استثماراتها في قطاع الترفيه، إلا أن ""بلينك"" توفر حلولاً تقنية حيوية للعاملين في الخطوط الأمامية، وهو ما يتقاطع مع اهتمامات قطاع الترفيه.
يقول شون نولان، الرئيس التنفيذي لـ ""بلينك"": ""لم نسلك المسار التقليدي لجمع التبرعات، بل بدأت القصة بشراكة عالمية مع سلسلة مطاعم 'شيك شاك'"". وبعد أن طبقت هذه السلسلة الشهيرة منصة ""بلينك"" داخلياً، لفتت التجربة أنظار داني ماير، صاحب المطعم ومؤسس ""شيك شاك"" وشركة (EHI) الاستثمارية. ويضيف نولان: ""نما اهتمامهم من إيمانهم العميق بأن موظفي الخطوط الأمامية هم الركيزة الأساسية للضيافة المتميزة، ورأوا في 'بلينك' المنصة المثالية لتحويل هذه الفلسفة إلى واقع ملموس على نطاق واسع"".
بالنسبة لنولان، تعد العلاقة مع ماير بنفس أهمية التمويل المادي، حيث يوضح قائلاً: ""إنها مسألة توافق في الرؤية والفلسفة لا في المال فقط. لقد كرس داني ماير عقوداً لإثبات أن رعاية الموظفين هي المحرك الأول لتجربة عملاء استثنائية وأداء تجاري متفوق، وهذا المبدأ هو محور كل ما نفعله في 'بلينك'"". وأشار إلى أن وجود مستثمر عاش هذه القيم بدلاً من الاكتفاء بتمويلها هو وضع فريد ومحفز. وبينما ستعمل ""بلينك"" على تطوير قدرات تعالج تحديات قطاع المطاعم والضيافة، مثل ارتفاع معدل دوران العمالة وتعقيد جداول المناوبات، فإنها ستواصل البناء لقاعدة عملائها الأوسع التي تضم قطاعات متنوعة.
رحلة التحول من الإنترانت إلى منصة تجربة الموظفين (EXP)
تستمر عملية توحيد السوق من خلال صفقات الاستحواذ، مثل استحواذ ""أب سبيس"" على ""إيجلو سوفتوير"". تعكس هذه التحركات سوقاً شديدة التنافسية، حيث تصبح عمليات الاستحواذ أقصر الطرق للنمو عبر ضم قواعد عملاء قائمة. كما يدفعه التركيز على بناء منصات موحدة تتجاوز المفهوم التقليدي للإنترانت لتصبح منصات متكاملة لتجربة الموظفين والاتصالات الرقمية.
إن استحواذ ""لوم أبس"" في يوليو الماضي على ""بي كيبر"" -وهو تطبيق جوال صُمم خصيصاً للعاملين في الميدان- واستحواذها في أبريل على ""كومين""، يوسع قدرات المنصة عبر قنوات رقمية متعددة، ويصب في هدفها المعلن لتصبح ""مركزاً ذكياً للموظفين"". فعلى سبيل المثال، توفر ""كومين"" حلولاً لحجز المكاتب وغرف الاجتماعات، واللافتات الرقمية، وخدمات التوجيه والزوار، مما يكمل القدرات الحالية للمنصة لتكون حلاً متكاملاً لتجربة العمل.
ومن الأمثلة الأخرى على تكامل القدرات، اندماج ""بوبولو"" -المنصة الرائدة في الاتصالات الرقمية- مع ""سوشيابل"" -منتج الإنترانت الاجتماعي-. يضيف هذا الاستحواذ قدرات الإنترانت الاجتماعي، وتفعيل دور الموظفين، وأنظمة التقدير، وحلول الخطوط الأمامية المحمولة، إلى جانب مزايا الذكاء الاصطناعي لمنصة ""بوبولو"" التي تدعم بالفعل وظائف مثل اللافتات الرقمية.
خارطة الطريق التقنية تتحدث بلغة الذكاء الاصطناعي
يستثمر الموردون بكثافة في منصاتهم لإضافة مزايا الذكاء الاصطناعي، مع تركيز خاص على أتمتة تنفيذ المهام ودعم تنسيق ""وكلاء الذكاء الاصطناعي"". وتتضمن العروض الجديدة إصدارات متطورة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تتراوح من منصات شاملة مثل (Workvivo HQ) إلى حلول أكثر تخصصاً مثل (Flip Intelligence) التي تجلب الذكاء الاصطناعي التفاعلي لفرق الخطوط الأمامية.
وليس من المستغرب أن الاستثمارات الضخمة، كاستحواذ ""كاثاي كابيتال"" على ""باول سوفتوير""، تهدف لتمويل قدرات جديدة حول الذكاء الاصطناعي الوكيل. وكذلك هو الحال بالنسبة لتمويل ""بلينك"" الجديد الذي يصب في صلب تطوير المنتجات الذكية. ويؤكد نولان: ""سيُوجه التمويل مباشرة لفرق المنتج والهندسة لدينا، حيث نستثمر في قدرات ذكاء اصطناعي تتيح لمؤسسات الخطوط الأمامية الاستفادة من أحدث التقنيات لخدمة عملائها بشكل أفضل""، مضيفاً أن الشركة تخطط لتطوير ""منصة ذكاء اصطناعي عالمية"" تدعم قطاعات أعمال متنوعة.
إعادة بناء الإنترانت من الصفر لعصر الذكاء الاصطناعي
بالنسبة للموردين الأكثر قدماً، مثل شركة ""إنترانت كونيكشنز"" (IC)، أدت الحاجة إلى دمج الذكاء الاصطناعي والتكامل الفعال مع أنظمة مثل ""مايكروسوفت 365"" إلى إصدار منصة (IC 3.0)، التي مثلت إعادة بناء كاملة لهيكلية المنصة.
يقول روب نيكيل، الرئيس التنفيذي: ""تأسست شركتنا عام 1999، وكانت تقنيتنا رائدة آنذاك، لكن عملاءنا انتقلوا للعمل ضمن بيئة مايكروسوفت، وظهرت موجة جديدة من القدرات كالذكاء الاصطناعي"". وبفضل البنية الجديدة، يمكن لـ (IC 3.0) تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل جذري لا كإضافات سطحية. ومع ذلك، لم تخلُ عملية البناء من تحديات؛ حيث يعترف نيكيل: ""إعادة البناء من الصفر في ظل سوق دائم التغير، خاصة مع سرعة تطور الذكاء الاصطناعي، يخلق ضغوطاً حقيقية. لذا، بدلاً من ملاحقة كل ميزة جديدة، ركزنا على بناء أساس مرن يمكنه استيعاب التقنيات الناشئة بمجرد نضجها"". ويؤكد أن مزايا مثل التفاعل باللغة الطبيعية ووكلاء الذكاء الاصطناعي أصبحت ضرورة حتمية لأي منصة اليوم.
موجة إعادة التسمية الكبرى
لجأت العديد من الشركات إلى إعادة صياغة هويتها التجارية لترسيخ مكانتها في السوق. ففي مايو 2026، أعلنت ""إنتراكت"" عن تطوير علامتها التجارية وفلسفتها، بينما سلك آخرون الطريق ذاته:
أكتوبر 2025: تحول اسم ""موزايك 365"" إلى ""جينت"" (Jint).
يونيو 2026: أعادت ""إيشيكرافت بوردز"" تسمية منتجاتها لتصبح ""بلوم إنترانت"" (Bloom Intranet).
تعكس هذه الخطوات اتجاهاً متنامياً في السوق، حيث يطرح الموردون منتجات مستقلة بقدرات تتجاوز الإنترانت التقليدي، مما يستدعي استراتيجيات جديدة للهوية الفرعية. يوضح مايك فورتجينز، الشريك ومدير العملاء في ""إيشيكرافت"": ""أصبح عرضنا التقني أوسع من أن يحمله اسم منتج واحد، فاحتاج الأمر إلى مظلة علامة تجارية تجمع 'بلوم هب' و'بلوم إليمنتس' تحت اسم 'بلوم إنترانت'"". وبالمثل، أطلقت ""وركفيفو"" التابعة لـ ""زووم"" مؤخراً منصة (Workvivo HQ) و(Seer by Workvivo)، وهي أداة متقدمة لتحليلات القوى العاملة كانت في الأصل ميزة داخل منصة ""وركفيفو"".
ماذا عن مصطلح ""إنترانت""؟
تتبنى ""بلوم"" مصطلح ""إنترانت"" بوضوح وثقة؛ فهي كلمة قد لا تبدو براقة في نظر البعض، لكنها واضحة ومفهومة عالمياً. يقول فورتجينز: ""كلمة 'Boards' لم تكن تشرح هويتنا للعملاء المحتملين، بينما 'إنترانت' لا تحتاج إلى تعريف"". ورغم أنهم يرون أنفسهم حلاً لـ ""مكان العمل الرقمي""، إلا أن هذا المصطلح يفتقر للتحديد، بينما يقطع مصطلح ""إنترانت"" الشك باليقين. وأضاف: ""اختيارنا للاسم كان متعمداً: نبدأ بالمصطلح الذي يفهمه الجميع، ثم نكشف عن عمق قدراتنا بمجرد بدء النقاش"".
يختلف استخدام مصطلح ""إنترانت"" بين الموردين؛ فبعض الشركات الكبرى مثل ""يونيلي"" (Unily) و""إنتراكت"" و""لوم أبس"" تفضل تسمية ""منصة تجربة الموظفين""، لكن كلمة ""إنترانت"" تظل حاضرة في رسائلهم التسويقية وفي حديث العملاء داخلياً. ويختتم فورتجينز قائلاً: ""أكد لنا شركاؤنا وعملاؤنا أن الهيكل الجديد سهل الشرح، فقد أثبتت التسمية الواضحة قيمتها بسرعة في تقديم أنفسنا وفي سهولة استيعاب العميل لما نقوم به"".
هل ستصمد الإنترانت أمام سطوة الذكاء الاصطناعي؟
رغم التهديدات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، لا تزال شبكات الإنترانت صامدة كأداة أساسية في السوق، بل وتواصل التطور. يظل السؤال معلقاً: هل ستبقى هذه الشبكات بعد سنوات؟ وكيف سيكون شكلها؟ لقد طارد هذا التساؤل القطاع منذ بدايات ظهور الشبكات الاجتماعية للمؤسسات، لكن نيكيل، بخبرته التي تمتد لعقود، يظل متفائلاً: ""لم أكن يوماً مرتبطاً بالإنترانت كوجهة بحد ذاتها، بل بمدى اتصال المنظمة وتماسكها، وهذه الحاجة تزداد إلحاحاً مع الزمن"". ويضيف أن الذكاء الاصطناعي يسهل الوصول للمعلومات والحفاظ على المعرفة المؤسسية. ويختتم قائلاً: ""بعد 25 عاماً، يبقى هذا الجانب هو المحرك الأكبر لي: الأدوات تتغير، لكن الحاجة الجوهرية للبقاء على اتصال لا تتغير أبداً"".
