خلفان بلهول، الرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي للمستقبل
يجد صناع القرار أنفسهم دوماً أمام تحدٍ دقيق يكمن في كيفية الموازنة بين الفكر الاستشراقي الطموح والإقدام الجريء من جهة، وبين معطيات الواقع الحقيقي وتحدياته على الأرض من جهة أخرى. وفي غمرة التسارع التكنولوجي الهائل الذي نعيشه اليوم، قد يصبح الاندفاع نحو تبني تقنيات المستقبل دون التوقف لطرح الأسئلة الجوهرية ومناقشتها هو السلوك السائد والمألوف. وعلى النقيض من ذلك، عندما تعصف بالأسواق التحولات المفاجئة وتتغير القواعد المستقرة، نستدرك سريعاً مدى حاجتنا إلى التفكير العملي الرصين المبني على أسس متينة ونظرة بعيدة المدى. إن القيادة الحقيقية والفعالة تكمن في القدرة على إحداث هذا التناغم والانسجام بين الرؤية والواقع، وهذا هو الجوهر الحقيقي والغاية الأسمى لعملية استشراف المستقبل التكنولوجي.
فالتقنيات في نهاية المطاف ليست سوى قنوات وأدوات لتجسيد الأفكار المبتكرة وتحويلها إلى واقع ملموس، بما يتيح للمؤسسات في القطاعين الحكومي والخاص توليد القيمة الحقيقية والحفاظ على استدامتها. وبدلاً من الاكتفاء بردود الأفعال والانسياق خلف موجات الحماس والزخم التكنولوجي المؤقت، يمنح الاستشراف التكنولوجي المؤسسات القدرة على سبر أغوار المستقبل بوعي ومنهجية، مما يمكنها من اقتناص الفرص السانحة على المدى القريب، والتنبؤ في الوقت ذاته بالتبعات والآثار على المدى البعيد. وسواء كان الهدف هو الاستعداد لجني ثمار الابتكارات الجديدة أو درء المخاطر المالية والمجتمعية التي قد تصاحبها، فإن على القادة تقييم كل تحول تكنولوجي من منظور المستقبل الذي نطمح إليه، وهو المستقبل الذي يقاس بالنمو والازدهار والرفاه الإنساني.
إن هذا المنظور الاستراتيجي، معززاً بالتوجهات العشرة الكبرى التي تصوغه، يمثل الرؤية الشاملة التي تنظر من خلالها مؤسسة دبي للمستقبل إلى الغد. ومن هذه الزاوية تحديداً، قمنا بتقييم كل ابتكار من الابتكارات العشرة الواردة في هذا التقرير، حيث نعمل في دراستنا لكل تكنولوجيا ناشئة على المنهجية التالية:
التفكير العكسي بدءاً من الغاية الكبرى للوقوف على المتطلبات الأساسية والخطوات اللازمة لبناء المستقبل المنشود
تحليل الشروط والظروف التقنية والسياقية الملائمة التي تمكن هذه التكنولوجيا من تحقيق التطلعات المستقبلية الواعدة
دراسة العوامل التشريعية والتنظيمية والقطاعية والمجتمعية التي قد تعجل بالوصول إلى هذا المستقبل أو تقف حائلاً دون تحقيقه
رصد المخاطر التي قد تعطل مسيرة التطوير وتحديد القرارات المصيرية التي ستحسم ما إذا كان سيتم التعامل مع هذه المخاطر بمسؤولية أو تجاهلها
ورغم أن الرؤى الاستشرافية المعروضة هنا قد لا تتطابق بالضرورة مع ظروفكم أو بيئة عملكم الخاصة، فإننا ندعوكم إلى اتخاذ هذا المنهج دليلاً مرشداً يعينكم على صياغة استراتيجياتكم التكنولوجية، ورسم أولوياتكم طويلة المدى، واتخاذ قراراتكم المصيرية بثقة واقتدار.
أولاً: طاقة الشبكات الشاملة المتكاملة
تحويل كل مبنى ومركبة ومصنع إلى مصدر لتوليد الطاقة
تتعرض شبكات الكهرباء لأقصى درجات الضغط والإنهاك في أماسي الصيف القائظة، حين تعمل أجهزة تكييف الهواء بأقصى طاقتها وتتوارى الشمس خلف الأفق. وفي تلك اللحظات، قد يؤدي الارتفاع المفاجئ في الطلب إلى اختلال توازن الشبكة بالكامل، على الرغم من وجود مصادر مرونة كامنة لكنها تظل مهملة دون استخدام، مثل السيارات الكهربائية المشحونة، والطاقة المخزنة في المباني التجارية، والمنظومات الشمسية فوق الأسطح التي تتوقف عن التوليد بمجرد غروب الشمس. إن المعضلة الحقيقية هنا لا تكمن في مدى توفر الطاقة ذاتها، بل في القدرة على استنفارها وتوجيهها في اللحظة التي تشتد فيها حاجة الشبكة إليها.
وهنا يأتي دور طاقة الشبكات الشاملة المتكاملة لردم هذه الفجوة الحيوية، إذ يتحول بموجبها كل مبنى ومركبة وجهاز إلى مستودع قادر على تخزين الطاقة وإعادتها عند الحاجة، مما يسهم في ضبط كفتي العرض والطلب بمرونة فائقة وفي الوقت الفعلي، لتتحول الشبكة من مجرد خطوط نقل جامدة إلى شبكة تفاعلية من العقد الذكية.
ويحدث التحول الأكثر عمقاً وتأثيراً في هذا المجال داخل خلايا البطاريات نفسها، حيث نجح جيل جديد من التركيبات الكيميائية في تذليل العقبات المستعصية التي عرقلت طويلاً تخزين الطاقة على مستوى الشبكات الضخمة. فعلى مدار عقدين من الزمن، ظلت بطاريات الليثيوم أيون رهينة لعنصري الكوبالت والنيكل، وهما معدنان يتركز وجودهما في حفنة ضئيلة من الدول ويخضعان لتقلبات سعرية حادة وتساؤلات أخلاقية معقدة. وتأتي الصيغ الكيميائية الحديثة اليوم لكسر هذا الاحتكار والاعتمادية من خلال الاستعانة بمواد متوفرة بكثرة وسهلة المنال مثل الليثيوم والصوديوم، وتتميز هذه الابتكارات بقدرة بعضها على الشحن بسرعة أكبر، وبقاء بعضها الآخر صالحاً للاستخدام لفترات أطول، فضلاً عن انخفاض تكلفتها الإجمالية في أغلب الحالات.
وفي عام 2025، تفوقت بطاريات الليثيوم أيون لأول مرة تاريخياً على البطاريات التقليدية القائمة على النيكل في قطاع نشر المركبات الكهربائية على مستوى العالم.
وقد تزامنت هذه الطفرة مع تطور موازٍ في الأجهزة والمعدات المسؤولية عن نقل الطاقة وتبادلها بين البطاريات والشبكة، حيث تسهم أشباه الموصلات الحديثة في الحفاظ على الطاقة بشكل شبه كامل دون هدر خلال عمليات الشحن والتفريغ المتعاقبة، في حين تتيح أنظمة التحكم المتطورة لمنظومات التخزين الموزعة المساهمة بفعالية في استقرار الشبكة بدلاً من الاكتفاء بتغذيتها بشكل سلبي. ويعمل برنامج التنسيق البرمجي الذكي على دمج الملايين من هذه الأصول والموارد المتناثرة وتنظيمها ضمن منظومة عمل موحدة وعالية الكفاءة، بينما بدأت أطر التعويضات المالية في مكافأة حلول التخزين بناء على قدرتها الفعلية على توفير الطاقة الفورية عند الطلب وليس فقط على كمية الكهرباء الإجمالية التي تضخها. وتتكامل هذه القفزات التقنية معاً لتنسج طبقة ذكية وموزعة من وحدات التخزين في ثنايا المنظومة بأكملها، تدار بروح التنسيق والانسجام لا بأسلوب الأوامر الفوقية الصارمة.
وتقدم أستراليا اليوم أحد أوضح النماذج الحية لتطبيق هذا التوجه على نطاق واسع، فخلال النصف الثاني من عام 2025، أضافت الأسر الأسترالية ما يزيد على 180 ألف بطارية منزلية، وتعمل البرامج الحكومية والمحلية حالياً على تقديم حوافز مالية للمواطنين لربط بطارياتهم بشبكات برمجية موحدة يمكنها سحب الطاقة المخزنة جماعياً لحماية الشبكة وضمان استقرارها عند ذروة الطلب. ولم تعد المباني والمركبات والأجهزة مجرد مستهلكين للكهرباء، بل غدت موارد حيوية فاعلة تسهم في إعادة رسم ملامح قطاع الطاقة بالكامل.
الشكل 1: خريطة تحويل كل شيء إلى شبكة
خريطة التحول نحو طاقة الشبكات الشاملة المتكاملة
بدلاً من الاقتصار على دور المستهلك السلبي للكهرباء، بات بمقدور الأصول الكهربائية تعديل معدلات استهلاكها أو حتى إعادة ضخ الكهرباء إلى الشبكة استجابة لمتطلبات المنظومة. ويمثل هذا التوجه في مجمله مصدراً هائلاً للمرونة الموزعة التي تساعد في استيعاب فائض الطاقة المتجددة، وخفض مستويات الطلب في أوقات الذروة، ودعم استقرار الشبكة وتماسكها.
مساهمة علمية من: تشاويانغ دونغ (جو)، مختبر يوجي سي للأنظمة الطاقية المستقبلية بجامعة سيتي في هونغ كونغ، ومجلة آفاق بحوث الطاقة؛ بالتعاون مع يوتشوان تاو، جامعة سيتي في هونغ كونغ.
تخيل عام 2031
في حي سكني يضم مزيجاً من البنايات والشقق، لم تعد الطاقة تسير في اتجاه واحد بل أصبحت تتدفق في مسارين متعاكسين بمرونة تامة. تفرغ بطاريات المباني مخزونها في الشبكة المحلية خلال الساعات الأولى من المساء، مستفيدة من الهواء البارد الذي امتصته خلال الليل. وتعمل السيارات المصطفة في المرائب على الشحن أو التفريغ بناء على القراءة الفورية التي تتلقاها من الشبكة، والتي تشمل التردد المحلي، والأسعار الآنية، وحالة البطارية، وجدول أعمال السائق لصباح اليوم التالي. أما مصفوفات الألواح الشمسية المنتشرة فوق الأسطح، فتشارك في سوق تمنح مكافآتها بناء على المرونة المقدمة للشبكة لا على مجرد كمية الطاقة المنتجة. وفي الوقت ذاته، يعمل المحول الرئيسي الذي كان يئن تحت وطأة التدفق أحادي الاتجاه بدرجة حرارة منخفضة، ولم تعد المحطة الفرعية التي يغذيها بحاجة لاستدعاء طاقة الطوارئ منذ انقضاء موسم العواصف الأخير.
الآفاق الاستراتيجية لطاقة الشبكات الشاملة المتكاملة
عندما تتحول المباني والمركبات والمصانع إلى أجزاء فاعلة وديناميكية في منظومة الطاقة، فلن يظل التخطيط لقطاع الطاقة حكراً على شركات المرافق الخدمية أو وزارات الكهرباء وحدها. وسيصبح لزاماً على الشركات والحكومات إدراك أن قراراتها المتعلقة بأساطيل النقل، والمباني، ومراكز البيانات، وعمليات المشتريات، ستسهم بشكل مباشر ومتزايد في تحديد تكاليف الطاقة ومدى مرونتها والحد من المخاطر المرتبطة بها. ومع تسارع وتيرة التحول نحو الاعتماد الكامل على الكهرباء، فإن الميزة التنافسية لن تقتصر على مجرد تأمين مصادر الطاقة، بل ستعتمد بالدرجة الأولى على القدرة على إدارة مواقيت وأماكن توليد هذه الطاقة وتخزينها واستهلاكها.
ويغير هذا التحول الطريقة التي تنظر بها المؤسسات إلى أصولها المادية، إذ يمكن لأسطول سيارات التوصيل، أو مبنى تجاري، أو مصنع، أن يوفر مرونة فائقة للشبكة عبر تخزين الطاقة، أو تقليص الاستهلاك الفوري، أو إعادة ضخ الكهرباء في المنظومة وقت الحاجة الشديدة. وبناء على ذلك، لن يعود التحول الكهربائي مجرد استثمار معزول في البنية التحتية، بل سيتحول إلى تحد تخطيطي شامل يمس المنظومة بأكملها.
ويتطلب هذا الواقع أن تصبح الشبكات أكثر مرونة ولامركزية، في حين يتعين على القوانين والتشريعات المنظمة أن تتجاوز التصنيفات التقليدية القديمة للقطاعات الصناعية. وإلى جانب الأهمية البالغة لسياسات الطاقة، ستبرز أهمية قصوى لخطط شراء وسائل النقل، وقوانين البناء والتشييد، والبنية التحتية للبيانات، والمعايير البرمجية، وتخطيط القوى العاملة. وستحدد هذه الاختيارات المجتمعة ما إذا كانت الطاقة ستتحول إلى نظام مرن ومترابط، أم ستظل مكبلة بقرارات فردية تتخذها القطاعات بمعزل عن بعضها البعض.
وبالنسبة لشركات المرافق والمؤسسات التقليدية القائمة على التصور الكلاسيكي للشبكة، فإن هذا التحول يمثل مساراً مختلفاً تماماً عن ذلك الذي تستعد له حالياً. فقد يتعين على بعض شركات الكهرباء الانتقال من نموذج بيع الطاقة التقليدي إلى نموذج إدارة شبكات معقدة من الأصول الموزعة، وفي هذا النموذج الجديد، ستعتمد القدرة التنافسية على تنسيق هذه المرونة الموزعة على نطاق واسع بدلاً من ملكية محطات التوليد ذاتها. ويبدو المستقبل غامضاً بشأن الجهة التي ستؤول إليها القيمة الأكبر، وما إذا كانت ستذهب لمالكي الأصول، أو مجمعي الخدمة، أو شركات المرافق، أو مشغلي النظام.
وقد تؤدي عوامل مثل تراجع كفاءة البطاريات بمرور الوقت، ونماذج الإيرادات غير المستقرة، والمخاطر المرتبطة بضمانات التشغيل، إلى إبطاء وتيرة التبني الجماهيري لهذه التقنية، في حين ستكتسب شرايين الأمن السيبراني أهمية بالغة وخطيرة لحماية المنظومة نظراً للترابط الوثيق والمتزايد بين شبكات الطاقة وبنى الاتصالات التحتية والمنصات السحابية.
ومع تداخل قطاع الطاقة وتكامله عبر مختلف الصناعات، يظل السؤال المحوري معلقاً حول ما إذا كنا سنشهد تطور هذه التقنية كمنظومة مرونة مشتركة ومحمية، أم كسباق محموم ومشتت للاستحواذ على مكامن القوة والقيمة الاقتصادية.
التوجهات الكبرى ذات الصلة بمؤسسة دبي للمستقبل: إعادة صياغة الأنظمة المالية والنقدية، والأنظمة البيئية الآخذة في التطور.
متطلبات الوصول إلى نطاق واسع لطاقة الشبكات الشاملة المتكاملة
المعايير والشهادات: وضع معايير موحدة للتوافق والتشغيل البيني لتمكين البروتوكولات المتسقة وتسريع التكامل عبر الأسواق المختلفة.
السياسات والتشريعات: إعادة تصميم نماذج التعرفة والتعويضات المالية لمكافأة المستهلكين على مرونتهم ومشاركتهم الفعالة في دعم الطاقة الموزعة.
المطورون والمصنعون: بناء منصات تنسيق وتكامل في الوقت الفعلي مزودة بأنظمة أمن سيبراني متطورة لإدارة وتوجيه الشبكة بالكامل بكفاءة وأمان.
البنية التحتية والمشتريات: دمج الموارد الموزعة في العمليات التشغيلية للشبكة لتفعيل المرونة وربط حوافز النظام بأهداف الكفاءة العامة.
ثانياً: الاستخلاص المباشر لليثيوم
موارد أكثر استدامة وسلاسل توريد أكثر أماناً
في صحراء أتاكاما بتشيلي، يجري ضخ مياه الملاحات الجوفية الغنية بالليثيوم إلى أحواض تبخير عملاقة تمتد على مساحات شاسعة من السهول الملحية. وتحت أشعة الشمس اللاهبة ولشهور طويلة، تتبخر المياه تدريجياً ليتكثف الليثيوم ويصبح جاهزاً للتكرير. ويمكن أن تستغرق هذه العملية التقليدية ما يصل إلى عامين كاملين، فضلاً عن استهلاكها لكميات هائلة من المياه، وعدم قابليتها للتطبيق إلا في ظروف جيولوجية وجوية شديدة الخصوصية. ومع تسارع وتيرة تصنيع السيارات الكهربائية والضغط المتزايد لتحقيق أهداف خفض الانبعاثات الكربونية، تواجه هذه العملية البطيئة والمستهلكة للموارد صعوبة بالغة في مواكبة الطلب العالمي المتنامي.
وهنا يأتي دور تقنية الاستخلاص المباشر لليثيوم لسد هذه الفجوة الكبيرة، فبدلاً من نشر مياه الملاحات على مساحات شاسعة بانتظار تبخرها، تقوم أنظمة هندسية متطورة بمعالجة السائل مباشرة لاستخلاص الليثيوم منه في غضون ساعات قليلة، ومن ثم إعادة المياه الخالية من المعدن إلى مستودعاتها الجوفية. وتتعدد الأساليب الكيميائية المعتمدة في هذا الاستخلاص المباشر، إذ تستخدم الأنظمة القائمة على المواد الماصة مركبات الألومنيوم لجذب أيونات الليثيوم بشكل انتقائي لفصلها قبل إعادة حقن المياه الجوفية، بينما تعتمد أنظمة الترشيح الغشائي على إمرار السوائل عبر منخل جزيئي دقيق. أما أسلوب الاستخلاص بالمذيبات، فيعتمد على دمج سائل عضوي بمياه الملاحات ليرتبط بالليثيوم تمهيداً لخطوة التنقية النهائية. وتقوم المنشآت الأكثر كفاءة بدمج هذه الطرق وتسلسليتها وتكييفها لتناسب الطبيعة الكيميائية لكل مصدر مائي على حدة.
وتتجاوز أهمية هذه المرونة حدود السرعة والزمن، إذ تقتصر أحواض التبخير التقليدية على المناطق التي تتركز فيها مياه الملاحات وتسطع فيها الشمس بانتظام وثبات. وفي المقابل، يمكن لتقنيات الاستخلاص المباشر التعامل مع السوائل الحرارية الأرضية، والمياه المصاحبة لعمليات استخراج النفط، والحلول الكيميائية الناتجة عن تدوير البطاريات، مما يفتح آفاقاً ومصادر لم يكن لنموذج التبخير التقليدي أن يصل إليها أبداً. علاوة على ذلك، تتميز هذه التقنية بقدرتها الفائقة على استعادة كميات أكبر من الليثيوم، فبينما يستخلص التبخير قرابة نصف الكمية المتواجدة في المياه، تنجح تقنيات الاستخلاص المباشر في استعادة ما يتراوح بين ثمانين إلى خمسة وتسعين بالمئة، وبجودة تقترب كثيراً من الدرجة المطلوبة لتصنيع البطاريات.
وفي منطقة بونا بالأرجنتين، تبرز منشأة سنتيناريو راتونيس التابعة لشركة إيراميت كأول مصنع صناعي لإنتاج الليثيوم يعمل بالكامل دون الحاجة لأحواض التبخير التقليدية. وقد صممت المنشأة التي بدأت أولى شحنات إنتاجها في عام 2024 لتصل طاقتها الإنتاجية السنوية إلى أربعة وعشرين ألف طن، وهي تقع على ارتفاع أربعة آلاف متر في واحدة من أكثر صحاري العالم نأياً وصعوبة، لتبرهن عملياً على نجاح هذه التقنية وقابليتها للعمل بكفاءة في الارتفاعات الشاهقة والظروف القاسية. وفي وادي سالتون بكاليفورنيا، يقدم مصنع الطاقة الحرارية الأرضية التابع لشركة إنيرجي سورس مينيرالز نموذجاً لما سيبدو عليه الفصل القادم من هذه الصناعة، حيث يقوم المصنع بتوليد الكهرباء من المياه شديدة السخونة، ويستخلص منها الليثيوم قبل إعادة حقنها في باطن الأرض. وقد حصل هذا المشروع الواعد على قرض فيدرالي بقيمة مليار وأربعمئة مليون دولار في فبراير من عام 2026 للوصول إلى كامل طاقته التجارية.
ولن تختفي أحواض التبخير في القريب العاجل، إذ ستواصل توفير حصة وازنة من المعروض العالمي لليثيوم لسنوات قادمة، ولكن المتغير الحقيقي يكمن في جغرافية التوريد، حيث تتيح تقنيات الاستخلاص المباشر إنتاج ليثيوم بجودة تقارب متطلبات البطاريات من مواقع ومصادر كانت تعد في السابق خارج حسابات التعدين التقليدي.
الشكل 2: خريطة تحويل استخلاص الليثيوم المباشر
بالنظر إلى القيود المرتبطة بالموارد والتكنولوجيا على حد سواء، فإن دمج مصادر الطاقة المتجددة في أنظمة الاستخلاص المباشر لليثيوم يمثل خطوة أساسية لتعزيز مستويات الاستدامة والكفاءة. وتبرز ميزة الاستخلاص المباشر المعتمد على الطاقة الشمسية في قابليته للتشغيل المزدوج، مما يتيح استعادة الليثيوم بالتزامن مع إنتاج المياه العذبة عبر تقنيات تحلية المياه بالطاقة الشمسية.
مساهمة علمية من: فيرا غنانيسوار غودي، مدير معهد المياه بجامعة بوردو نورث وست، ومجلة آفاق الكيمياء البيئية.
تخيل عام 2031
يراقب مهندس العمليات شاشات التحكم لوحدات الامتصاص في واحدة من أولى منشآت الليثيوم التي تدمج عمليتي الاستخلاص والتكرير في موقع واحد. وتمر المياه المتدفقة إلى الأعمدة بمرحلة الاستخلاص الانتقائي في غضون ساعات معدودة، بدلاً من الشهور الطويلة التي كانت تستغرقها في أحواض التبخير القديمة، وتخرج كمادة وسيطة نقية تقترب من الدرجة المطلوبة للبطاريات، لتتولى مصفاة التكرير المقامة في الجهة المقابلة إتمام العملية الكيميائية وإعداد المنتج النهائي.
الآفاق الاستراتيجية للاستخلاص المباشر لليثيوم
من شأن تقنيات الاستخلاص المباشر أن تعيد رسم خريطة إنتاج الليثيوم عبر دمج مرحلتي الاستخلاص والتكرير وتقريبهما جغرافياً. ففي المسار التقليدي المتبع حالياً، غالباً ما تفصل مسافات شاسعة بين هاتين المرحلتين، حيث يُستخرج الليثيوم في بقعة جغرافية معينة ثم يُنقل ليُكرر إلى مواد كيميائية صالحة للبطاريات في مكان آخر، وهو ما تسيطر عليه الصين بشكل رئيسي. وتتميز تقنيات الاستخلاص المباشر بقدرتها على إنتاج مادة وسيطة عالية النقاوة، مما يسهم في اختصار عملية التكرير وتبسيطها وتسهيل إقامتها في نفس موقع الاستخلاص. وسينتج عن هذا دمج كامل للعمليات التشغيلية، مما يغير المعطيات الاقتصادية لإنتاج الليثيوم الصالح للبطاريات والقدرات التنافسية للدول والشركات.
وتتزايد الضغوط التجارية بشكل متسارع، حيث تبحث شركات تصنيع السيارات بجدية عن مصادر محلية لتأمين المواد الكيميائية الصالحة لصناعة البطاريات، بالتزامن مع الحوافز التي تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية والتي تتيح نافذة زمنية محدودة تمتد تقريباً حتى عام 2028 للمؤسسات الراغبة في الاستفادة من الدعم الحكومي لبناء سلاسل توريد محلية للمعادن الحيوية. وبناء على ذلك، ستنتقل الميزة الاستراتيجية من مجرد السيطرة على مكامن الثروات الطبيعية والمستودعات الأرضية إلى امتلاك القدرة الإنتاجية المتكاملة، مما يفسح المجال لدخول مناطق جغرافية جديدة تمتلك موارد مائية غنية وتتمتع بقدرات تكريرية متقدمة إلى قلب سلاسل توريد الليثيوم.
ولكي تترجم هذه الرؤية المستقبلية إلى واقع، يتعين توجيه الاستثمارات ورؤوس الأموال نحو بناء هذه المنشآت المتكاملة بدلاً من التركيز على أصول الاستخلاص الفردية المعزولة. كما تتطلب هذه الخطوة بناء قدرات تكريرية في مناطق جغرافية جديدة، حيث يستدعي التركز الحالي لهذه الصناعة في الصين وتشيلي والأرجنتين بناء بيئة عمل تدريبية وشبكة من الموردين من نقطة الصفر في المناطق الوافدة حديثاً للمجال. ولا تزال تقنيات الامتصاص بحاجة لمزيد من الاختبارات والتقييم لإثبات كفاءتها مع تنوع التركيبات الكيميائية للمياه، إذ اقتصر نجاحها حتى الآن على نطاقات محددة من السوائل الملحية. كما يتعين على البيئات التشريعية المتعلقة باستخدام المياه، وحقوق باطن الأرض، وإدارة المخلفات السائلة، أن تنضج وتتطور في دول لم تسبق لها صياغة قوانين لتنظيم استخراج الليثيوم، ناهيك عن عمليات تكريره المعقدة.
وليس من السهل تلبية هذه الشروط التشغيلية والتقنية بسرعة، إذ يتطلب بناء الخبرات التكريرية فترات زمنية طويلة، وقد لا تتوفر القدرات الإنتاجية الجديدة بالسرعة الكافية لتتوافق مع الجداول الزمنية وعقود التوريد الخاصة بصانعي السيارات. ومع فقدان الليثيوم لأكثر من ثمانين بالمئة من قيمته السوقية منذ عام 2022، أصبحت الضغوط الاقتصادية تفرض نموذج مراكز التكرير المتكاملة كضرورة حتمية للبقاء وليس مجرد خيار تفضيلي.
ويكمن السؤال المحوري للأعوام الخمسة المقبلة في مدى قدرة هذه المراكز المتكاملة الجديدة على الظهور والتشكل، أم أن عمليات التكرير ستواصل تمددها وتمركزها في مناطقها الحالية التي تحتضن بالفعل العمالة الماهرة والبنى التحتية المتطورة.
التوجهات الكبرى ذات الصلة بمؤسسة دبي للمستقبل: ثورة المواد، والأنظمة البيئية الآخذة في التطور.
متطلبات الوصول إلى نطاق واسع للاستخلاص المباشر لليثيوم
السياسات والتشريعات: تقديم حوافز تشجيعية لبناء قدرات تكرير إقليمية للحد من تركز سلاسل التوريد وتعزيز أمن الطاقة العالمي.
البنية التحتية والمشتريات: تطبيق تقنيات الاستخلاص المباشر لليثيوم في منشآت التحلية ومعالجة المياه لتمكين الإنتاج المشترك في المواقع الحالية.
البحث الأكاديمي والجامعي: تطوير قدرات تحمل المواد الماصة وإطالة عمرها الافتراضي لخفض التكاليف التشغيلية عند الإنتاج التجاري الواسع.
المطورون والمصنعون: إبرام اتفاقيات شراء مسبقة طويلة الأجل مع المنتجين المستقلين لضمان استقرار الاستثمارات وحماية سلاسل التوريد الناشئة.
ثالثاً: مواد التبريد بالإشعاع السلبي
تبريد بلا استهلاك للطاقة من أجل بيئة عمرانية أفضل
في فترات بعد الظهيرة المشمسة داخل المدن المكتظة، تنحبس الحرارة وتتراكم في كتل الخرسانة والطرق الإسفلتية الممتدة، وتؤدي طبيعة التصميم الهندسي للشوارع إلى إبطاء حركة الرياح التي كان يمكنها تشتيت هذه الأجواء اللاهبة، بينما تسهم وحدات تكييف الهواء التي تعمل بكامل طاقتها في كل مبنى في قذف مزيد من الحرارة إلى الخارج لتتضاعف وطأة المشكلة. وبفعل هذه العوامل، غدت الجزر الحرارية في المدن الأمريكية أكثر دفئاً بالنهار بمعدل يتراوح بين نصف درجة إلى أربع درجات مئوية مقارنة بالمناطق الريفية المحيطة بها. وهكذا، أصبحت أنظمة التبريد التي نستخدمها لمواجهة القيظ سبباً في تفاقمه، فضلاً عن مساهمتها الكبيرة في زيادة معدلات استهلاك الطاقة الكهربائية.
وعلى الرغم من أن الغلاف الجوي للكرة الأرضية يحبس معظم الإشعاعات تحت الحمراء، فإنه يفسح المجال أمام نطاق ضيق من أطوال الموجات لتنفذ منه وتعبر بسلام إلى أعماق الفضاء الخارجي. وقد صممت مواد التبريد بالإشعاع السلبي لتطلق الحرارة ضمن هذا النطاق الترددي الدقيق، مما يتيح للأسطح تشتيت طاقتها الحرارية وتبريد نفسها ذاتياً دون استهلاك أي طاقة كهربائية بالمرة. وتقوم هذه المواد المبتكرة بتشتيت وعكس أكثر من خمسة وتسعين بالمئة من أشعة الشمس الساقطة قبل أن تتحول إلى طاقة حرارية، وذلك عبر توظيف فقاعات هواء مجهرية تعمل كمرايا متناهية الصغر تحاكي الطول الموجي للضوء. وينتج عن تكامل هاتين الميزتين فقدان السطح لكميات من الطاقة تفوق ما يكتسبه، فتنخفض درجة حرارته لما دون حرارة الهواء المحيط به تماماً وبلا أي مصدر للكهرباء. ويمكن دمج هذه الخصائص العجيبة في دهانات الطلاء، وبلاط الأسقف، ورقائق النوافذ، والأقمشة شديدة التحمل، لتُطبق في المشاريع الإنشائية الجديدة أو تُحدث بها المباني القائمة بالفعل.
ومع تنوع هذه التطبيقات الواعدة، قامت اثنتان من أكبر أسواق البناء والتشييد في العالم بإدراج التبريد بالإشعاع السلبي ضمن أطرها القانونية الملزمة، حيث فرض قانون الطاقة في ولاية كاليفورنيا استخدام مواد الأسطح الباردة في معظم المباني التجارية والأبراج السكنية الشاهقة، وتبنت الصين في سياستها القائمة على ثنائية الكربون هذه التقنية ودمجتها في المعايير الوطنية للأبنية الخضراء. وقد دفع هذا الزخم التشريعي كبرى شركات الكيماويات العالمية مثل أركيما وسولفاي للدخول بقوة في سلاسل التوريد، مما أسهم في تحويل عمليات التصنيع من بيئة المختبرات المعقدة إلى خطوط الإنتاج الصناعي القياسي للطلاء والرقائق التبريدية. وتبلغ تكلفة طلاء التبريد بالإشعاع السلبي قرابة ستة دولارات للمتر المربع الواحد، في حين سجلت شركتا ثري إم وسكاي كول انخفاضاً في استهلاك الطاقة بمعدلات تتراوح بين خمسة عشر وعشرين بالمئة عند تطبيق هذه الحلول في متاجر الأغذية والتجزئة الكبرى.
ولا يقتصر هذا الابتكار العلمي على المباني فحسب، بل يمتد ليشمل البنية التحتية لقطاع الكهرباء، إذ نجحت شركة أسيت كول البريطانية في تطوير طلاء مخصص لكابلات الطاقة يمكنه الحفاظ على برودتها بما يسمح بزيادة طاقتها الاستيعابية لنقل الكهرباء بنسبة تصل إلى ثلاثين بالمئة عبر الشبكات الحالية، مما يرفع الكفاءة دون الحاجة لمد خطوط جديدة أو استهلاك طاقة إضافية. ويحقق الطلاء ذاتي التبريد الذي طورته مؤسسة إس آر آي إنترناشيونال نفس النتائج عند تطبيقه على مكونات الشبكات والمباني، حيث يقلل درجات حرارة الأسطح بما يصل إلى خمس عشرة درجة دون مستوى الظروف المحيطة في الأنظمة التي تواجه تراجعاً في كفاءتها بسبب الحرارة المرتفعة. وبدورها، أنتجت شركة سبيس كول المنبثقة عن غاز أوساكا رقاقة تبريد غشائية تعكس خمسة وتسعين بالمئة من أشعة الشمس مع بث نسبة مماثلة من الحرارة صوب الفضاء الخارجي، وتُستخدم هذه الرقاقات حالياً لحماية حاويات الشحن ولوحات التحكم الكهربائية الموزعة.
الشكل 3: خريطة تحويل التبريد الإشعاعي السلبي
تثبت القاعدة العامة لمتانة الأجهزة الإلكترونية وعمرها التشغيلي أن زيادة درجة الحرارة بمقدار عشر درجات مئوية تؤدي إلى خفض عمر الجهاز إلى النصف. ومن هنا، يمثل الحفاظ على انخفاض درجات الحرارة غاية أساسية لتصميم هذه الأجهزة. ومع إمكانية اللجوء لأنظمة التبريد النشط، فإن هذا الخيار سيتطلب تجهيزات إلكترونية إضافية ومزيداً من أعمال الصيانة والاصلاح مما يرفع التكاليف المالية، وهو ما قاد في نهاية المطاف إلى البحث عن حلول تبريد سلبية بسيطة وفعالة.
مساهمة علمية من: أنيش ثوكرال، باحث علمي في مؤسسة إس آر آي إنترناشيونال.
تخيل عام 2031
في بقعة جغرافية قريبة من خط الاستواء حيث حالت تكاليف التبريد الباهظة طويلاً دون انتظام قطاع التصنيع على مدار العام، يبرز مصنع جديد يعمل بكامل طاقته التشغيلية حتى في أكثر شهور السنة حرارة. وتتكفل طبقات الطلاء الخارجي ورقاقات النوافذ الذكية بالحفاظ على اعتدال الحرارة داخل المنشأة لضمان استمرار عمل خطوط الإنتاج دون توقف حتى مع بلوغ القيظ الخارجي ذروته. ولم تزد تكلفة هذه المواد والرقاقات للمتر المربع الواحد عن ميزانية تبريد تقليدي لعام واحد، لتتحول التكلفة التشغيلية المتكررة إلى قرار تصميمي ذكي اتخذه المهندسون قبل صب القواعد الإنشائية للمصنع.
الآفاق الاستراتيجية لمواد التبريد بالإشعاع السلبي
يمتلك التبريد بالإشعاع السلبي القدرة على تحويل ملف إدارة الحرارة من عبء تشغيلي مستمر ومكلف إلى قرار واع يرتبط باختيار المواد المناسبة في مرحلة التصميم الأولى. وستكتسب المباني التي تعتمد هذه المواد المبتكرة ميزة تنافسية كبرى لخفض تكاليف الطاقة، وهي ميزة تزداد قيمتها وأهميتها طردياً مع الارتفاع المستمر لدرجات الحرارة عالمياً، مما يغير المعايير الاقتصادية لتسعير كفاءة التبريد في القطاع العقاري والبيئة العمرانية.
ومع تداخل التبريد في صلب بنية المواد المستخدمة، ستتحرك القيمة الاقتصادية تدريجياً بعيداً عن معدات التكييف والتهوية التقليدية لتستقر في قطاعات توريد الطلاء المتخصص، وخدمات التحديث الإنشائي للمباني القائمة، والأنظمة الهجينة المتكاملة. وسيؤثر هذا التحول على طريقة تقييم المطورين للجدوى الاقتصادية لمشاريعهم، وكيفية تقدير البنوك للمخاطر المرتبطة بالطاقة عند منح القروض والتمويلات.
وستظهر المنافع الاقتصادية الأولى والمباشرة لهذه التقنية في المناطق التي تقف فيها الحرارة المرتفعة حائلاً دون النمو والتقدم الاقتصادي، فقد تعيد المصانع النظر في مواقعها الجغرافية التي كانت مستبعدة بسبب تكاليف الطاقة، كما سيصبح قطاع تصنيع الأغذية أكثر جدوى وقرباً من الحقول والمزارع. ويمكن لهذه المواد أن تسهم في خفض درجات الحرارة الداخلية للمباني بمقدار يتراوح بين خمس إلى عشر درجات مئوية، فضلاً عن توفير في استهلاك الطاقة يصل إلى اثنين وأربعين بالمئة في المناطق الجافة والحارة، مما يجعل العوائد الاستثمارية الأكبر من نصيب البيئات التي تعاني بالأساس من وطأة فواتير التبريد المرتفعة.
ولكي تتحول هذه المواد إلى خيار قياسي ومعتمد عالمياً، لا تزال بحاجة لإثبات جدارتها ومستوى أدائها على المدى الطويل تحت التأثير المستمر للأشعة فوق البنفسجية والأتربة المتراكمة والرطوبة العالية. ومن شأن صياغة بروتوكولات اختبار موحدة، وتوفير أطر ضمان واضحة، وتطوير برمجيات محاكاة للمباني، أن تمنح المطورين وجهات الاعتماد والسلطات الحكومية الثقة الكاملة لتبنيها وتعميمها.
ولا تزال قوانين البناء في العديد من الدول لا تدرج حلول التبريد بالإشعاع السلبي في حساباتها ومعاييرها، مما يحد من فرص استخدامها كأداة رسمية للامتثال التشريعي. وسيسهم دمج هذه التقنيات في أنظمة تصنيف المباني الخضراء الشهيرة مثل ليد وبريام في دفعها بقوة لتصبح جزءاً من الممارسات القياسية المتبعة في قطاع المقاولات والتشييد.
وتوضح الخطوات التنظيمية المبكرة الكيفية التي يمكن بها تسريع وتيرة تبني هذه التقنية، حيث يمتلك برنامج استدامة في أبوظبي الريادة لوضع معايير واضحة تعزز القيمة الحقيقية لهذه المواد، وإذا ما حذت حذوه الهيئات التنظيمية في بقية المناطق ذات المناخ الحار، فإن التبريد بالإشعاع السلبي سيصبح مواصفة افتراضية لا غنى عنها، لا سيما في المشاريع التي تقودها المشتريات الحكومية وتحدد مسارات البناء والتطوير العمراني فيها.
إن تحول مواد التبريد بالإشعاع السلبي إلى معيار أساسي في المناطق الأكثر حرارة سيعتمد كلياً على سرعة حركة الهيئات التنظيمية وصناع القرار لصياغة القوانين الملائمة، وبدون هذا الدعم التشريعي والمؤسسي، قد تظل هذه التقنية مجرد ترقية تخصصية ثانوية في وقت تواصل فيه متطلبات التبريد وتكاليف التشغيل صعودها المستمر.
التوجهات الكبرى ذات الصلة بمؤسسة دبي للمستقبل: ثورة المواد، والأنظمة البيئية الآخذة في التطور.
متطلبات الوصول إلى نطاق واسع لمواد التبريد بالإشعاع السلبي
المعايير والشهادات: تحديث معايير وأنظمة تصنيف المباني للاعتراف رسمياً بمواد التبريد بالإشعاع السلبي كإسهام بنيوي مباشر في كفاءة الطاقة.
المطورون والمصنعون: إقامة مشاريع نموذجية ضخمة لإثبات مدى متانة المواد ومقاومتها للعوامل الجوية المختلفة عبر البيئات المناخية المتنوعة وعلى المدى الطويل.
رأس المال والمخاطر: توفير التمويل اللازم للمسارات الإنشائية الجديدة ومشاريع التحديث للمباني القائمة لتسريع وتيرة استخدام هذه المواد في الثروة العقارية الحالية والمستقبلية.
السياسات والتشريعات: إدراج أسطح التبريد بالإشعاع السلبي ضمن شروط المشتريات الحكومية وقوانين البناء المعمول بها لفرض تبنيها في كافة الإنشاءات الجديدة.
رابعاً: تدمير المواد الفلورية متعددة الألكيل (PFAS)
القضاء التام والنهائي على الكيماويات الأبدية
في أصقاع القطب الشمالي النائية، وعلى بعد آلاف الكيلومترات من أقرب منشأة صناعية، عثر العلماء على آثار لمركبات كيميائية مصنعة في ذرات الثلوج المتساقطة، ورصدت التحاليل المخبرية نفس هذه المركبات في مياه الأمطار في كافة قارات العالم وفي عينات الدم لجميع البشر الذين خضعوا للفحص تقريباً. لقد جرى تصميم المواد الفلورية متعددة الألكيل، والمعروفة اختصاراً بـالكيماويات الأبدية، لتكون فائقة المقاومة للحرارة والماء والتحلل الكيميائي، ويبدو أنها تؤدي دورها بكفاءة مفرطة تفوق ما نحتاجه، إذ تكتفي طرق المعالجة التقليدية بإزالتها من مياه الشرب لنقلها وحبسها في مكان آخر فحسب. ويتطلب التدمير الفعلي لهذه المواد كسر الرابطة الكيميائية بين ذرات الكربون والفلور، وهي واحدة من أقوى الروابط التساهمية في الكيمياء العضوية على الإطلاق والسبب الأساسي لبقاء هذه المواد دون تحلل.
وقد نجحت عدة مقاربات علمية حديثة في إثبات قدرتها على فك وكسر هذه الروابط المستعصية، حيث يعتمد الأسلوب الأول على تسخين المياه إلى ما بعد نقطتها الحرجة لتتحول إلى حالة تتجاوز السيولة والغازية معاً، وفي هذه البيئة الفيزيائية الفريدة، تذوب جزيئات المواد الفلورية وتتفكك بالكامل لتتحول إلى مياه وثاني أكسيد الكربون وأملاح معدنية غير ضارة. وتعتمد الطريقة الثانية على إمرار المياه الملوثة فوق أقطاب كهربائية متخصصة، لتقوم الشحنات الكهربائية بانتزاع الإلكترونات مباشرة من الجزيئات الملوثة، وهو حل واعد ومناسب للغاية لمعالجة المخلفات الصناعية عالية التركيز. أما الأسلوب الثالث، فيوظف الأشعة فوق البنفسجية لتحفيز مادة مساعدة، مما يولد دفقة طاقة كيميائية مركزة وموجهة لكسر رابطة الكربون والفلور بدقة متناهية.
وتلائم كل طريقة من هذه الطرق نمطاً معيناً من تحديات التلوث الكيميائي، حيث تفرض مياه الشرب البلدية، والمخلفات السائلة للمصانع، والمخزونات الكيميائية المتراكمة على مدار عقود طويلة من الاستخدام الصناعي، تحديات متباينة وصعبة من حيث الأحجام والتركيز والتركيبة الكيميائية. وتتغلب الأنظمة الأكثر كفاءة على هذه العقبات عبر دمج عمليات الترشيح والتدمير في مسار متتابع، يبدأ بتركيز المواد الملوثة وحصرها أولاً قبل الشروع في تفتيتها وتفكيكها كيميائياً، وهو المنهج العملي الذي مهد الطريق لتطبيق هذه الحلول على نطاق تجاري واسع وتطوير المنظومة بثبات واطراد.
وقد أسهمت البيئة التشريعية والقوانين الصارمة في تسريع الانتقال بهذه التقنية من مرحلة التجارب المختبرية المحدودة إلى التطبيق الفعلي على أرض الواقع، حيث أقر الاتحاد الأوروبي معايير ملزمة قانونياً تحدد نسب هذه المواد في مياه الشرب في عام 2020، وتبعت الهيئات التنظيمية في الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وأستراليا نفس هذا المسار. والآن، ومع وجود دوافع قانونية وحوافز مالية قوية تفرض التدمير الفعلي للكيماويات الأبدية بدلاً من مجرد احتوائها، بدأت النتائج الإيجابية والملموسة في الظهور تباعاً للعيان.
ففي مدينة غراند رابيدز بولاية ميشيغان الأمريكية، تقوم منشأة مخصصة بتدمير هذه المواد المستخلصة من مياه مكبات النفايات بشكل مستمر منذ عام 2023، لتكون بين أولى المشاريع من نوعها التي تبلغ النطاق التجاري الفعلي. وعلى صعيد آخر من خارطة معالجة التلوث الصناعي، أنجزت شركة دايكن للصناعات، وهي إحدى كبريات الجهات المنتجة لهذه الكيماويات الأبدية، تجربة ميدانية واسعة النطاق نجحت خلالها في معالجة ما يزيد على مئة وسبعين ألف غالون من مياه الصرف الصناعي الخاصة بها عبر توظيف تقنية التدمير الكيميائي الضوئي بالأشعة فوق البنفسجية. وتثبت هاتان الحالتان معاً أن عمليات التدمير الكيميائي الفعلي باتت قادرة على العمل بكفاءة عالية في بؤر التلوث التاريخية للمياه الجوفية ومجاري الصرف الصناعي النشطة بعد أن كانت عاجزة في السابق، لتفقد رابطة الكربون والفلور صفتها الأبدية وتصبح قابلة للكسر والإنهاء.
الشكل 4: خريطة تحويل تدمير مركبات PFAS
يمكن للأتمتة المعززة بالذكاء الاصطناعي أن ترفع من كفاءة وجودة تقنيات تدمير الكيماويات الأبدية ومستوى الأداء العام لعمليات المعالجة، وذلك من خلال الضبط التلقائي والمستمر لظروف التشغيل استجابة للمتغيرات السريعة في التركيبة الكيميائية للمياه ومستويات التلوث المختلفة.
مساهمة علمية من: تشينغ قوه هوانغ، أستاذ بجامعة جورجيا، ومجلة آفاق الهندسة البيئية.
تخيل عام 2031
في الجزء الخلفي من موقع صناعي ممتد، يراقب مهندس التشغيل عمل وحدة تدمير متنقلة بحجم حاوية شحن قياسية تقوم بمعالجة النفايات شديدة التركيز وتفكيك روابطها الكيميائية. وعند مغادرة هذه الوحدة للموقع بعد عام كامل من العمل الدؤوب، ستصبح التربة والمياه الجوفية نظيفة ومطابقة لمعايير النقاء الصارمة التي لم يكن لها وجود عندما تم توثيق تلوث هذا الموقع لأول مرة قبل عقود مضت.
الآفاق الاستراتيجية لتدمير المواد الفلورية متعددة الألكيل
تمهد تقنيات تدمير الكيماويات الأبدية الطريق لتحويل الالتزامات المالية والتبعات القانونية للتلوث طويل الأمد إلى تكاليف معالجة محددة وواضحة المعالم. وإذا ما أصبحت عمليات التفتيت الكيميائي الكامل دون مستويات الرصد والتحسس قابلة للتطبيق بثبات وموثوقية، فستغدو المواقع الملوثة أسهل في التقييم المالي والتمويل والإدارة البيئية.
ويسهم هذا التحول في تغيير النموذج التشغيلي السائد حالياً، حيث تجمع الرغاوى والرسوبيات والمواد الراتنجية الملوثة وتشحن لتُحرق في أفران متخصصة بتكلفة باهظة تتراوح بين ألف وخمسة آلاف دولار للطن الواحد، بالمقارنة مع خمسين دولاراً فقط للطن من النفايات البلدية الصلبة العادية. ومع نضج تقنيات التدمير، ستنجز النسبة الأكبر من عمليات المعالجة في المواقع ذاتها، حيث تقترب كفاءة بعض الأنظمة الحديثة من إبادة تسعة وتسعين بالمئة من ملوثات هذه المواد في مجاري النفايات عالية التركيز، مما يدعم بقوة نماذج المعالجة اللامركزية والمحلية.
ولكي يترسخ نموذج التدمير المحلي واللامركزي، يجب على القوانين والتشريعات أن تنص بوضوح على التدمير الفعلي والنهائي بدلاً من الاكتفاء بالاحتواء والحبس المؤقت، مع فرض شروط تثبت إتمام التدمير التام مدعومة بمعايير تحقق وتدقيق موحدة وعابرة للحدود الدولية. ويتطلب هذا تغيير القواعد التشريعية الحالية الخاصة بحدود التدفقات السائلة، والتي تجعل من عمليات الاحتجاز والتخزين المسار الأرخص والأسهل للامتثال البيئي. كما يتعين صياغة آليات واضحة لنقل التبعات والمسؤوليات القانونية بما يتيح لمزودي خدمات المعالجة التعامل مع النفايات الملوثة دون تحمل المسؤوليات التاريخية للمنتج الأصلي لهذه المواد، وبدون هذه الأطر التشريعية والبيئية المتكاملة، قد يظل التدمير الفعلي ممكناً من الناحية التقنية ولكنه سيواجه صعوبة بالغة في التقييم المالي والتسعير التجاري.
وتبرز الأسئلة الأكثر تعقيداً على الصعيدين المؤسسي والسياسي، فالتحقق من إتمام تدمير هذه المواد بالكامل على نطاق تجاري واسع يظل أمراً معقداً من الناحية التقنية، كما تتركز المخاطر التشغيلية المرتبطة بالأنظمة الحرارية عالية الحرارة في يد فئة محدودة من الشركات المتخصصة والمؤهلة. وقد يؤدي وضوح المسؤوليات القانونية وسهولة معالجتها إلى فتح النقاش مجدداً حول فرض قيود صارمة على إنتاج هذه المواد من المنبع، لا سيما وأن مسوغات المنع التاريخية كانت تستند بالأساس إلى استحالة القضاء على هذه الكيماويات بمجرد إطلاقها في البيئة. وإذا ما التزم المصنعون بمسؤولية التدمير الكامل للمواد عند نهاية عمرها التشغيلي كشرط لمواصلة الإنتاج، فقد يسهم ذلك في إبطاء وتيرة القيود المفروضة في دول المنشأ، مثل المقترح الأوروبي المندرج تحت الملحق الخامس عشر.
وفي ظل بقاء القدرات المخصصة للتدمير الكيميائي محدودة وضئيلة مقارنة بحجم المشكلة، فإن القرارات الصعبة القادمة ستتمحور حول تحديد المواقع الأكثر تضرراً لإعطائها الأولوية القصوى في المعالجة، ومدى قدرة المجتمعات الأكثر عرضة للتلوث الكيميائي على جذب رؤوس الأموال والاستثمارات اللازمة لتخليص بيئتها من هذه السموم الأبدية.
التوجهات الكبرى ذات الصلة بمؤسسة دبي للمستقبل: ثورة المواد، والأنظمة البيئية الآخذة في التطور.
متطلبات الوصول إلى نطاق واسع لتدمير المواد الفلورية متعددة الألكيل (PFAS)
السياسات والتشريعات: دمج معايير تدمير محددة ومحققة قانونياً ضمن اللوائح والأنظمة لإجبار الشركات على التحول من مجرد احتواء الملوثات إلى القضاء عليها نهائياً.
المعايير والشهادات: توسيع نطاق أنظمة التحقق المشتركة لضمان دقة قياس مستويات التدمير وتسهيل المقارنة والاعتماد بين البيئات التنظيمية المختلفة.
رأس المال والمخاطر: تحديد وتوضيح أطر المسؤولية القانونية والتبعات البيئية لتبديد مخاوف المستثمرين وتشجيع القطاع الخاص على المشاركة بفعالية في هذه الصناعة.
البنية التحتية والمشتريات: تبني نماذج مشتريات قائمة على كفاءة الأداء لربط التكاليف التشغيلية للمشاريع بنتائج التدمير الفعلي المحققة على الأرض.
المطورون والمصنعون: توحيد وتسهيل عمليات دمج أنظمة الاحتجاز والتركيز مع وحدات التدمير النهائي لتمكين نشر هذه الحلول على نطاق واسع وبمرونة تامة.
5. التخمير الدقيق
مصانع متناهية الصغر للغذاء والدواء والمواد
لعقود من الزمن، اعتمد الإمداد العالمي من مادة الأرتيميسينين، وهي العقار الأكثر فعالية لمكافحة الملاريا والذي جرى تطويره على الإطلاق، على حصاد نبات الشيح الحلو. وكان من الممكن أن يؤدي ضعف موسم النمو، أو انهيار الأسعار الذي يدفع المزارعين إلى زراعة محاصيل أخرى، أو تعطل الخدمات اللوجستية بين الحقول والمصانع، إلى حدوث نقص في الإمدادات لدى العيادات الطبية في جميع أنحاء منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى التي لا تملك خيارات بديلة لتقديمها للمرضى. ويعالج التخمير الدقيق هذا الاعتماد من خلال الانتقال مباشرة إلى مصدره، وهو التسلسل الجيني الذي يرمز للجزيء نفسه.
إن كل جزيء ينتجه كائن حي، سواء كان بروتيناً أو دهناً أو صبغة أو مركباً دوائياً، يكون مشفراً في مكان ما داخل الجينوم الخاص بهذا الكائن. ويحدد العلماء جينات معينة مسؤولة عن الجزيء المستهدف وينقلونها إلى مضيف ميكروبي، وعادة ما يكون هذا المضيف من الخمائر أو البكتيريا أو الفطريات. ولا يدرك الميكروب أنه قد تلقى تعليمات جديدة، بل يكتفي بقراءتها بالطريقة ذاتها التي يقرأ بها جينومه الخاص، وينتج الجزيء المقابل كجزء من نشاطه الخلوي الطبيعي. وتتم بعد ذلك زراعة تلك الميكروبات في خزانات تخمير كبيرة، وتغذيتها على عناصر غذائية بسيطة مثل السكر، وتُترك لإنتاج الجزيء المستهدف على نطاق واسع. ويتم تنقية المنتج النهائي ليكون متطابقاً كيميائياً تماماً مع ما كان سينتجه الكائن الحي الأصلي، ليعمل بالطريقة نفسها في كل تطبيق يعتمد عليه. وقد تطلب جلب هذه العملية إلى النطاق التجاري نضج منظومة العمل المحيطة بها لتواكب هذا التطور.
يستطيع الباحثون الآن استخدام الذكاء الاصطناعي لنمذجة المسارات البيولوجية الأكثر كفاءة قبل إجراء تجربة واحدة، مما يقلص زمن تصميم الجزيء من سنوات إلى أشهر. وقد توضحت الأطر التنظيمية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بما يكفي لمنح المصنعين والمستثمرين الثقة للالتزام بالاستثمار على نطاق واسع. وتتمثل الشركات التي تكتسب زخماً في تلك التي تجمع بين هذه الظروف والتركيز الرأسي، من خلال اختيار جزيء واحد وإتقان سلسلة الإنتاج الكاملة وإيصاله إلى رفوف المتاجر.
تقوم شركة بيرفكت داي الآن بتوريد بروتين مصل اللبن المستخلص من التخمير إلى العديد من العلامات التجارية للأغذية في الولايات المتحدة، وتعمل على توسيع إنتاجها ليشمل الهند. وفي عام 2024، قدمت شركة نستله بروتين مصل اللبن المعزول والمستخلص من التخمير في خط التغذية الوظيفية الخاص بها، وبعد عام واحد، بدأت شركة إيفري طرحاً وطنياً لبروتينات البيض المستخلصة من التخمير الدقيق في متاجر وول مارت. كما تبدي الشركات الراسخة اهتماماً كبيراً بهذا الأمر، حيث استثمرت شركة فونتيرا، وهي أكبر مصدّر لمنتجات الألبان في العالم، في شركة فيفيسي الناشئة في مجال التخمير الدقيق والتي تنتج بروتين بيتا لاكتوغلوبولين، وهو البروتين الأساسي في مصل اللبن، على نطاق صناعي وباستخدام مياه أقل بنسبة 87 في المئة مقارنة بالمنتجات المشتقة من الماشية. ويعد قطاع الأغذية هو المجال الذي تُوضع فيه أكبر الرهانات التجارية، ولكن يجري تطبيق العملية ذاتها أيضاً على الببتيدات التجميلية والمركبات الصيدلانية واللبنات الأساسية الكيميائية المشتقة حالياً من الوقود الأحفوري.
الشكل 5: خريطة تحول التخمير الدقيق
يتيح تجميع الحمض النووي المؤتمت، والفحص عالي الإنتاجية، وسير العمل الموحد للباحثين استكشاف العديد من التصاميم البديلة وتحديد سلالات الإنتاج المثلى بكفاءة أكبر. ومن خلال الجمع بين الأتمتة وعلوم البيانات والهندسة البيولوجية، تساعد المصانع الحيوية في توسيع نطاق الابتكار في مجال التخمير الدقيق.
(إعداد: تومي غارسيا كايويلا، جامعة تيكنولوجيكو دي مونتيري، دورية فرونتيرز في علوم وتكنولوجيا الأغذية؛ مايكل إي هيميل، المختبر الوطني لجبال روكي، دورية فرونتيرز في الميكروبيولوجيا الصناعية)
تخيل عام 2031
يراقب مشغل المحطة خزانات التخمير في منشأة تقع على أطراف مدينة ساحلية كان اقتصادها الغذائي، طوال الفترة التي يمكن لأي شخص هناك تذكرها، يعتمد على نقل البضائع بدلاً من زراعتها. وتعمل الخزانات بشكل مستمر بفضل إمدادات السكر والطاقة النظيفة المستمدة من الشبكة الكهربائية. وسوف تُستخدم البروتينات والببتيدات التي تغادر المصنع هذا الأسبوع في مستحضرات التجميل، والمكملات الغذائية الرياضية، والمواد المضافة للأدوية. وسوف تُشحن إلى عملاء لم يكن بإمكان أسلاف المشغل الوصول إليهم دون وجود قطاع زراعي يدعمهم.
النظرة الاستراتيجية: التخمير الدقيق
يمكن للتخمير الدقيق أن ينقل الأمن الغذائي من كونه مسألة جغرافية إلى مسألة بنية تحتية. فلطالما منحت الأراضي الصالحة للزراعة والمناخات المواتية وقطعان الماشية الراسخة الاقتصادات الزراعية ميزة تنافسية. وقد تضعف هذه الميزة إذا أمكن إنتاج البروتينات نفسها في أي مكان تتوفر فيه الطاقة النظيفة الكافية ورأس المال وقدرات المفاعلات الحيوية. وتتوسع هذه الفرصة لتشمل أيضاً الببتيدات التجميلية والمركبات الصيدلانية واللبنات الكيميائية الأساسية المشتقة من المواد الأحفورية، ولكن الرهانات الهيكلية تبدو أكثر وضوحاً في النظم الغذائية.
وقد ينتقل الإنتاج نحو الأماكن التي يمكنها توفير طاقة نظيفة ورخيصة وقدرات معالجة بيولوجية على نطاق صناعي، بدلاً من تلك التي تزرع الأعلاف وتربي الماشية. وبالنسبة للدول الغنية بالطاقة والفقيرة بالأراضي، قد يحول هذا الأمر الأمن الغذائي إلى تحدٍ يتعلق بالبنية التحتية وتخصيص رأس المال. وبالنسبة للاقتصادات المصدرة لمنتجات الألبان، فقد يخلق ذلك ضغطاً معاكساً. ويمكن للتخمير المستمر والمعقم في المرافق الصناعية المعاد تهيئتها أن يقلل من تعرض إمدادات البروتين للاضطرابات المناخية وأمراض الحيوانات والتدخلات الجيوسياسية.
ولكي يتغير الإنتاج بهذه الطريقة، يتعين على التمويل والتنظيم والملكية الفكرية أن تتكيف جميعها. ويتطلب إثبات نجاعة عملية التخمير على نطاق تجاري رأسمالاً يقع في المنطقة الوسطى بين ما يموله مستثمرو رأس المال المغامر وما يطلبه مستثمرو البنية التحتية عادة. وتبدأ بعض الشركات في سد هذه الفجوة عن طريق إعادة استخدام قدرات التخمير الصناعية والدوائية الشاغرة.
ولا تزال المسارات التنظيمية خارج الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجزأة، مما يبطئ عملية التسويق التجاري في الأسواق التي قد تكون فيها المزايا الجغرافية أقوى ما يمكن. كما تقبع التساؤلات المتعلقة بالملكية الفكرية البيولوجية التأسيسية، بما في ذلك الجهة التي تمتلك السلالات المهندسة وبأي شروط ترخيص، تحت سطح هذا التحول.
والتحدي الأصعب يكمن في النزوح وفقدان الوظائف. فالزراعة تدعم أكثر من مليار سبل عيش على مستوى العالم، غير أن الوظائف والقيمة التي يخلقها التخمير الدقيق قد لا تظهر في المناطق الريفية حيث تكون العمالة الزراعية أكثر عرضة للخطر. كما أن التحول ذاته الذي يمكن أن يجعل النظم الغذائية أكثر مرونة، قد يفصل أيضاً الإنتاج المستقبلي عن المحاصيل والقطعان والمعارف المرتبطة بالأرض والتي تعتمد عليها اقتصادات بأكملها.
ومثل هذا النزوح قد يؤدي أيضاً إلى تركيز السيطرة. وخلافاً للأراضي الزراعية، يُرجح أن تتركز مكتبات السلالات وقدرات المفاعلات الحيوية في أيدي مجموعات أصغر من الشركات والمستثمرين والمراكز الصناعية، مما ينقل المزيد من القيمة بعيداً عن المناطق الزراعية.
وسيعتمد انتقال الأمن الغذائي من المناطق التي تزرع البروتين إلى المناطق التي يمكنها توفير الطاقة لإنتاجه على القرارات المتعلقة برأس المال والملكية الفكرية والتنظيم التي تُتخذ في الوقت الراهن.
الاتجاهات الكبرى ذات الصلة بـمنتدى التنمية المستدامة: الصحة والتغذية المتقدمة، والنظم البيئية المتطورة.
البناء نحو التوسع في التخمير الدقيق
المطورون والمصنعون: نشر ضوابط العمليات الممكنة بالذكاء الاصطناعي لتحقيق التخمير المستمر على نطاق تجاري.
السياسات والتنظيم: توحيد أطر الموافقة عبر الولايات القضائية المختلفة لتسريع الدخول الآمن للمنتجات المشتقة من التخمير إلى الأسواق.
المطورون والمصنعون: توسيع قدرات تصنيع المفاعلات الحيوية عالمياً لتلبية الطلب المتزايد على أنظمة التخمير واسعة النطاق.
البنية التحتية والمشتريات: تأمين عقود طويلة الأجل للطاقة النظيفة لاستقرار تكاليف المدخلات للتصنيع الحيوي على نطاق واسع.
6. إيصال الأدوية عبر الإكسوسومات
استخدام نواقل الجسم الذاتية لتوصيل الدواء
تواجه الطب الجزيئي مشكلة الميل الأخير. فهناك نوع جديد من العلاجات عالية الاستهداف يمكنه إسكات جين معين، أو تعديل طفرة وراثية، أو إيصال بروتين مباشرة إلى خلية مصابة بالمرض، وتعمل العديد من هذه العلاجات بنجاح في المختبر. ومع ذلك، فإن معظمها يتكسر في مجرى الدم قبل الوصول إلى وجهته، أو يثير استجابات مناعية تحيد فاعليته، أو يفشل في اختراق الحاجز البيولوجي الذي يحافظ عليه الجسم لاستبعاد المواد الغريبة. إن العلاج الأكثر تطوراً في العالم لا قيمة له إن لم يكن قادراً على الوصول إلى الخلية التي تحتاجه.
وقد يكون الحل موجوداً بالفعل داخل الجسم. فالإكسوسومات هي عبارة عن حويصلات مغلفة بغشاء تنتجها الخلايا باستمرار لنقل البروتينات والحمض النووي الريبوزي والتعليمات الجينية إلى بعضها البعض، لتعمل بمثابة نظام البريد الداخلي للجسم. وخلافاً للناقلات الاصطناعية، تحمل الإكسوسومات البصمات الجزيئية التي يتعرف عليها الجسم كجزء منه، مما يسمح لها بالبقاء في مجرى الدم واختراق الحواجز الصعبة مثل الحاجز الذي يحمي الدماغ وتوصيل محتوياتها إلى الخلايا بكفاءة تفوق الناقلات الاصطناعية. وتعني هندستها لتوصيل الأدوية تحميل هذه الحويصلة بالشحنة العلاجية وإعادة برمجة بروتينات سطحها لتحديد خلية معينة مصابة بالمرض وإيداع محتوياتها داخل السيتوبلازم. ويقبل الجسم هذه الشحنة لأنه يتعرف على الناقل.
وصلت الأنظمة المؤتمتة والمفاعلات الحيوية ثلاثية الأبعاد وتقنيات التنقية الجديدة في وقت متقارب في أوائل عشرينيات القرن الحالي لتغير حدود الممكن، مما أدى إلى زيادة الإنتاجية بما يصل إلى خمسين ضعفاً وجعل الإنتاج على النطاق السريري ممكناً للمرة الأولى. واستجابت الهيئات التنظيمية، بما في ذلك إدارة الغذاء والدواء الأمريكية ووكالة الأدوية الأوروبية، بتصنيف علاجات الإكسوسومات كمنتجات طبية بيولوجية، مما منح المطورين فئة واضحة للعمل ضمنها في وقت لا يزال فيه إطار الموافقة نفسه قيد الإنشاء. ومنذ عام 2022، جرى إطلاق أكثر من 200 تجربة سريرية تشمل مجالات السرطان والأمراض العصبية والآثار الطويلة الأجل لمرض كوفيد 19.
أظهر مرضى سرطان البنكرياس الذين استنفدوا جميع خيارات العلاج المتاحة استقراراً في حالتهم المرضية خلال مرحلة أولى من تجربة سريرية أُجريت في مركز إم دي أندرسون للسرطان التابع لجامعة تكساس. وفي هذه التجربة، تمكنت الإكسوسومات المهندسة من استهداف طفرة استعصت على جميع الأدوية السابقة، وهو مثال واحد من بين دراسات مبكرة متعددة تختبر إمكانات هذا النهج. وفي عام 2025، أثبت الباحثون قدرة الإكسوسومات على نقل أدوات تحرير الجينات عبر الحاجز الدموي الدماغي والولوج إلى الخلايا العصبية دون إثارة استجابة مناعية، وهو ما يمثل قفزة نوعية للأبحاث المستمرة والصعبة في مجالات مرض ألزهايمر وباركنسون والأورام الأرومية الدبقية. وقد حظي هذا التطور باهتمام القطاع، وتجلى ذلك في شراكة بلغت قيمتها مليار ونصف المليار دولار بين شركتي إيلي ليلي وإيفوكس تيرابيتكس.
الشكل 6: خريطة تحول إيصال الأدوية عبر الإكسوسومات
أظهرت دراسات الإكسوسومات فعالية عالية في إيصال العلاجات الكيميائية والأدوية الجينية والحمض النووي الريبوزي العلاجي والبروتينات وغيرها إلى الدماغ، وهو ما يمكن أن يحدث ثورة في علاجات مجموعة واسعة من الأمراض العصبية، بما في ذلك مرض ألزهايمر، ومرض باركنسون، والورم الأرومي الدبقي، والتصلب الجانبي الضموري، ومرض هانتنغتون، بالإضافة إلى الاضطرابات العصبية النمائية الوراثية النادرة والحالات النفسية. ونظراً للعبء العالمي الهائل للأمراض العصبية، فإن هذه القدرة قد تؤثر إيجاباً على مئات الملايين من المرضى.
(إعداد: جياني سيوفاني، مدير الأبحاث بالمعهد الإيطالي للتكنولوجيا، دورية فرونتيرز في الهندسة البيولوجية والتكنولوجيا الحيوية؛ دريتون فلاساليو، أستاذ مشارك في إيصال العلاجات الحيوية بجامعة كينجز كوليدج لندن، دورية فرونتيرز في إيصال الأدوية)
تخيل عام 2031
يقوم طبيب أعصاب بإعطاء علاج لمريض يعاني من المراحل المبكرة من التصلب الجانبي الضموري كجزء من إحدى التجارب الأولى التي اجتازت العقبات التنظيمية المبكرة لطب يُنقل عبر الإكسوسومات. ويصل العلاج إلى الخلايا العصبية الحركية التي بدأ المرض في مهاجمتها، محمولاً بواسطة وعاء متناهي الصغر ومألوف بما يكفي للمرور عبر دفاعات الدماغ دون إثارة الرفض المناعي الذي جعل الوصول إليها مستحيلاً في السابق. وفي نهاية الممر، يعمل جناح التصنيع على إنتاج جرعات الأسبوع المقبل المخصصة للتجربة السريرية.
النظرة الاستراتيجية: إيصال الأدوية عبر الإكسوسومات
يمكن لإيصال الأدوية عبر الإكسوسومات أن يوسع نطاق الأمراض التي يمكن للطب استهدافها بشكل واقعي. وقد تصبح الحالات الطبية التي تؤثر على أجزاء من الجسم يصعب على الأدوية الوصول إليها، بما في ذلك الأمراض العصبية النادرة، أهدافاً علاجية أكثر قابلية للتحقيق.
ومن شأن هذا التطور أيضاً أن يغير نماذج الرعاية القائمة على إدارة الأمراض طويلة الأجل، بما في ذلك التمريض المتخصص والرعاية الصحية المنزلية ودعم ذوي الإعاقة، لتتحول تدريجياً نحو العلاج والتعافي الكامل.
ويمكن للتوصيل المستهدف أيضاً أن يغير ما يمكن للعلاجات الحالية القيام به بأمان. على سبيل المثال، يمكن للآثار الجانبية الناجمة عن تلف الأنسجة السليمة أن تحد من استخدام العلاج الكيميائي أثناء انتقاله عبر الجسم. وإذا أصبح التوصيل أكثر دقة، فقد تُستخدم بعض العلاجات بطرق تُعتبر حالياً شديدة الضرر والخطورة.
ومن المرجح أن يبدأ الاعتماد المبكر على هذه التقنية في مجال التشخيص، لأن قراءة الإكسوسومات وفهمها أسهل من هندستها للتوصيل العلاجي. وتستطيع الإكسوسومات أن تعمل كإشارات إنذار مبكر، للكشف عن السرطان والأمراض التنكسية العصبية وحالات القلب والأوعية الدموية في الدم أو اللعاب قبل ظهور الأعراض. ويمكن لكل توثيق سريري أن يبني الثقة ويعزز فهم سلوك الإكسوسومات ويدعم مساعي صياغة مسارات موافقة مخصصة للعلاجات القائمة عليها.
ومع ذلك، فإن الاستخدام العلاجي سيتحرك ببطء أكبر لأن المجال لا يزال بحاجة إلى إثبات الاتساق والاتحاد في النتائج على نطاق واسع. على سبيل المثال، لم يحصل أي علاج يعتمد على الإكسوسومات على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية حتى أواخر عام 2025، كما أن السوائل البيولوجية تحتوي على العديد من الجسيمات ذات الأحجام المماثلة، مما يجعل الحصول على إكسوسومات نقية وقابلة للتكرار أمراً بالغ الصعوبة. ولا يزال التصنيع يمثل عقبة رئيسية، في حين لا تزال معايير مراقبة الجودة بحاجة إلى تطوير لتشمل دقة الاستهداف والتوزيع عبر الجسم والجرعات والاستدامة.
ويضيف التنظيم تحدياً آخر، إذ تطلب الوكالات أدلة علمية على كيفية حركة العلاج ومعالجته داخل الجسم، في حين أن الإكسوسومات مصممة للوصول إلى أهداف محددة بدلاً من الانتشار على نطاق واسع. كما أن معايير القياس لم تُحسم بعد، حيث يمكن تحديد الجرعة عن طريق عدد الجسيمات، أو محتوى البروتين، أو نشاط الحمولة، مما يجعل مقارنة الدراسات أمراً صعباً.
إن وصول الإكسوسومات إلى المرضى سيعتمد على مدى سرعة تمكن هذا القطاع من تحديد خصائص وتصنيع وتنظيم علاج مصمم لاختراق دفاعات الجسم الطبيعية. وإذا جرى حل هذه التساؤلات، فقد تفتح الإكسوسومات مسارات علاجية جديدة لبعض أصعب المستهدفات الطبية التي قاومت العلاجات الموجهة لفترات طويلة.
الاتجاهات الكبرى ذات الصلة بـمنتدى التنمية المستدامة: الصحة والتغذية المتقدمة، وثورة المواد.
البناء نحو التوسع في إيصال الأدوية عبر الإكسوسومات
المطورون والمصنعون: توحيد بروتوكولات هندسة الأسطح لضمان توصيل دواء محدد ومستقر وقابل للتكرار في مواقع معينة.
السياسات والتنظيم: وضع أطر تنظيمية لخصوصية الاستهداف والسلامة طويلة الأجل لتمكين التطبيق السريري.
البنية التحتية والمشتريات: توسيع البنية التحتية لخزعات السوائل لبناء قاعدة الأدلة السريرية اللازمة لدعم اعتماد العلاج.
الأبحاث والأوساط الأكاديمية: إعطاء الأولوية لتجارب الجهاز العصبي المركزي والأعصاب لتوليد أدلة الفعالية في الأنسجة التي لا يمكن الوصول إليها بطرق أخرى.
7. لقاحات السرطان الشخصية بتقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA)
تحويل الخلايا الورمية إلى علاج مخصص
قد يتلقى مريضان التشخيص نفسه من طبيب الأورام، ومع ذلك قد تختلف توقعات سير المرض لكل منهما تماماً. فالطفرات التي تحرك نوعاً معيناً من السرطان، والبروتينات التي تميز تلك الخلايا كعناصر خطرة، ونقاط الضعف التي قد يستهدفها العلاج، تعد فريدة بالكامل لكل مريض على حدة. وحتى وقت قريب، لم يكن بالإمكان بناء العلاجات بمثل هذا المستوى من الخصوصية الفريدة.
تعمل لقاحات السرطان الشخصية القائمة على الحمض النووي الريبوزي المرسال بطريقة مختلفة تماماً عن الأدوية التقليدية. فبدلاً من مهاجمة السرطان بشكل مباشر، تقوم هذه اللقاحات بتدريب جهاز المناعة على التعرف على خلايا السرطان ومحاربتها. وعند تشخيص المريض، يستخلص الأطباء خلايا من ورمه ويقومون بتسلسل طفراته الجينية لتحديد البروتينات، التي تسمى المستضدات الورمية، والتي تميز خلايا السرطان كأجسام غريبة. ويتم بعد ذلك تصنيع لقاح الحمض النووي الريبوزي المرسال بناءً على هذا الملف الشخصي المحدد، حاملاً تعليمات تهيئ جهاز المناعة للتعرف على الخلايا التي تحمل تلك العلامات والاستجابة لها. وإذا عاد السرطان للظهور، يكون جهاز المناعة مستعداً بالفعل.
وقد تضافر عقدان من أبحاث الجينوم مع التوسع السريع للبنية التحتية للحمض النووي الريبوزي المرسال خلال جائحة كوفيد 19 لمنح لقاحات السرطان الشخصية زحماً جديداً. فقد حوّلت الجائحة تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال من منصة بحثية إلى بنية تحتية عالمية للتصنيع والتنظيم. واختصر هذا التطور سنوات من البحث إلى أشهر معدودة، مدعوماً باستثمارات عامة تقدر بنحو 79.4 مليار دولار عبر برامج تطوير اللقاحات العالمية. وخلال الفترة نفسها، انخفضت التكلفة والوقت اللازمين لتسلسل طفرات الورم بشكل كبير، مما جعل تصميم اللقاحات حول البيولوجيا المحددة لسرطان كل مريض أمراً أكثر عملية. وفي مارس من عام 2026، أعلن المعهد الوطني للسرطان في الولايات المتحدة عن شراكة بين القطاعين العام والخاص بقيمة 200 مليون دولار لتمويل المزيد من التجارب، وهي إشارة واضحة إلى أن هذا المجال قد تجاوز مرحلة إثبات المفهوم الأساسي.
وفي حالة سرطان البنكرياس، الذي تحوم معدلات البقاء على قيد الحياة لسنوات خمس بسببه حول 13 في المئة عالمياً، ولم تغيره العلاجات القليلة المتاحة بشكل ملموس، يبرز السؤال حول ما إذا كان يمكن توجيه جهاز المناعة وتعريفه بما يجب عليه محاربته. وتشير النتائج المبكرة لتجربة أُجريت في مركز ميموريال سلون كيترينج للسرطان إلى أن اللقاحات المصنوعة حسب الطلب والمستندة إلى التغيرات الفريدة في الحمض النووي للورم والمقدمة عبر تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال قد تكون الحل لهذه المعضلة العالمية. وعلى مدار دراسة استمرت ست سنوات، بلغت نسبة البقاء على قيد الحياة بين المرضى الذين استجاب جهازهم المناعي للعلاج بعد آخر جلسة علاجية لهم 90 في المئة.
أما بالنسبة للمرضى الذين خضعوا لجراحة استئصال الورم ولكنهم لا يزالون يواجهون خطر تكرار الإصابة نتيجة لوجود خلايا متبقية غير قابلة للكشف، فإن المسألة تتعلق بالجاهزية المناعية المستمرة بدلاً من المحاربة الآنية. وفي تجربة شملت مراكز متعددة في الولايات المتحدة وأوروبا، تلقى مرضى يعانون من سرطان الجلد عالي الخطورة لقاحاً مخصصاً بالتزامن مع دواء بيمبروليزوماب، وهو علاج مناعي واسع الاستخدام. وأدى هذا الدمج إلى تقليص خطر عودة المرض أو الوفاة بنسبة 49 في المئة مقارنة بالعلاج المناعي بمفرده، وهي نتيجة قوية بما يكفي لدفع هذا الدمج إلى تجارب المرحلة الثالثة الجارية حالياً بالفعل.
ولم يعد التشخيص المتطابق يعني بالضرورة تلقي العلاج نفسه، بل أصبحت البيولوجيا الخاصة بكل ورم قادرة على تحديد مواصفات اللقاح المصمم لاستهدافه بدقة.
الشكل 7: خريطة تحول لقاحات السرطان الشخصية بتقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال
سارعت الجائحة من وتيرة الابتكارات في مجالات تخليق وتنقية وتوصيل تقنيات الحمض النووي الريبوزي المرسال، وهو ما يقرب هذا المجال من تحقيق الإمكانات الكاملة للقاحات السرطان الشخصية المعتمدة على هذه التقنية.
(إعداد: بيتر بروسارت، مدير مستشفى بون الجامعي، دورية فرونتيرز في علم المناعة؛ ريتا كارسيتي، رئيسة الاتحاد الدولي للجمعيات المناعية، دورية فرونتيرز في علم المناعة)
تخيل عام 2031
تُؤخذ خزعة المريض يوم الاثنين، ويجري تسلسلها الجيني يوم الثلاثاء، ويصل تصميم اللقاح المخصص من المختبر صباح يوم الخميس. وبحلول نهاية الأسبوع، يستعد الأطباء لإعطاء علاج تم إنتاجه بالكامل بناءً على تعليمات جينية لم تكن موجودة قبل أيام قليلة. وفي ممر مجاور، ينتظر مريض آخر يحمل التشخيص نفسه لقاحاً مصمماً حول ملف ورمي مختلف تماماً.
النظرة الاستراتيجية: لقاحات السرطان الشخصية بتقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال
قد تجعل لقاحات السرطان الشخصية بتقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال من قدرات التسلسل والتصميم والتصنيع مصدراً رئيساً للقيمة والأهمية في مجال طب الأورام.
ومن شأن هذا أن يخلق نموذج إنتاج ثانٍ إلى جانب تطوير الأدوية التقليدية. وسوف يستمر تطوير العلاجات المناعية والعوامل المستهدفة القياسية وتصنيعها على نطاق واسع لمجموعات المرضى، بينما تُبنى طبقة علاجية مخصصة لمريض واحد في كل مرة. وبالنسبة لشركات الأدوية المصممة لإنتاج ملايين الجرعات المتطابقة، فإن هذا سيغير الجوانب الاقتصادية لصناعة تأسست بالكامل على فكرة الإنتاج الواسع النطاق والنمطي.
وسيتعين على المؤسسات المعنية برعاية مرضى السرطان التكيف مع هذا الوضع الجديد أيضاً. وسيحتاج المنظمون إلى تقييم العملية التصنيعية والمنهجية المتبعة بدلاً من تقييم منتج واحد متطابق، نظراً لعدم وجود جرعتين متماثلتين تماماً. وسيتعين على شركات التأمين والأنظمة الصحية الوطنية تسعير العلاجات المخصصة لكل فرد على حدة. وسيتطلب تقديم هذه الخدمة على نطاق واسع أن تعمل عمليات التسلسل والتصميم والتصنيع كخط أنابيب واحد متكامل ومستمر، بدلاً من كونها عمليات تسليم منفصلة بين المختبرات والموردين والمستشفيات.
وسوف تتمتع الأنظمة الصحية التي تمتلك بالفعل مختبرات تسلسل جيني وشراكات تصنيع وقدرات تحليل حوسبي بميزة مبكرة ملحوظة. وستحتاج المستشفيات إلى قدرات تسلسل جيني في الموقع أو عبر شراكات وثيقة، وتصميم حوسبي يمكنه تحويل ملف الورم إلى تسلسل لقاح في غضون ساعات، وتصنيع قادر على إنتاج آلاف الجرعات الفردية المخصصة كل شهر، بدلاً من ملايين الجرعات المتطابقة.
وستتغير العلاقة بين التشخيص والعلاج أيضاً. فلن تقتصر الخزعة على تحديد نوع المرض فحسب، بل ستصبح المدخل الأساسي الذي يحدد نوع الدواء الذي سيتلقاه المريض. وإذا استمرت الاستجابة المناعية التي دربها اللقاح بعد انتهاء العلاج، فقد يصبح الجسم أكثر قدرة على اكتشاف خلايا السرطان العائدة، مما يغير مفهوم التعافي وسبل عيش المرضى بعد التشخيص.
ويمثل الوصول إلى العلاج العقبة والمخاطرة المركزية. فقد تحد التكاليف المرتفعة للعلاجات المبكرة، والتي تتجاوز 100 ألف دولار لكل مريض، من توفر هذه اللقاحات الشخصية وتقتصر على المرضى في الأنظمة الصحية ذات الموارد الوفيرة، مما يوسع الفجوات العالمية في نتائج علاج السرطان. ويمكن لمكتبات المستضدات الورمية المشتركة والنماذج الهجينة التي تدمج بين اللقاحات الشخصية والجاهزة أن تساعد في تحقيق توازن بين التكلفة والسرعة والخصوصية، لا سيما للأنظمة الصحية غير القادرة على إدارة عمليات التسلسل والتصميم والتصنيع الكاملة بمفردها.
ويتمثل التحدي الحاسم في قدرة الأنظمة الصحية على تقديم لقاحات السرطان الشخصية بتقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال على نطاق واسع دون تحويل الطب الدقيق إلى امتياز لفئة معينة بدلاً من كونه معياراً أساسياً للرعاية الصحية لجميع المرضى.
الاتجاهات الكبرى ذات الصلة بـمنتدى التنمية المستدامة: الصحة والتغذية المتقدمة، وثورة Materials.
البناء نحو التوسع في لقاحات السرطان الشخصية بتقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال
السياسات والتنظيم: إنشاء مسارات تنظيمية سريعة لتمكين الموافقة في الوقت المناسب على علاجات السرطان الفردية القائمة على تقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال.
البنية التحتية والمشتريات: الاستثمار في البنية التحتية المتكاملة للتسلسل الجيني والمعلوماتية الحيوية لدعم تقديم العلاج محلياً.
رأس المال والمخاطر: تطوير آليات تمويل لضمان الوصول العادل والمنصف إلى العلاجات الشخصية عبر الأنظمة الصحية منخفضة الموارد.
المطورون والمصنعون: توسيع نطاق منصات تصنيع الحمض النووي الريبوزي المرسال المعيارية لإنتاج آلاف الجرعات الشخصية بشكل موثوق وسريع.
الأبحاث والأوساط الأكاديمية: بناء قواعد بيانات مشتركة للمستضدات الورمية لتسريع تصميم اللقاحات وتقليل تكاليف التطوير عبر المؤسسات العلمية المختلفة.
8. المحاكاة الكمومية لاكتشاف الأدوية
رسم خرائط الأدوية المرشحة ذرة بذرة
يمكن لبروتين واحد أن يحتوي على آلاف الذرات، تتفاعل كل منها مع جاراتها بطرق تحدد ما إذا كان الدواء سيرتبط بهدفه، أم سينزلق دونه، أم سيثير تفاعلاً غير مقصود في مكان آخر من الجسم. ولعقود طويلة، تطلب التنبؤ بتلك التفاعلات تبسيط النماذج، وهو ما كان يؤدي عادة إلى وقوع أخطاء جسيمة. وتفشل تقريباً تسعة من بين كل عشرة أدوية مرشحة تدخل التجارب السريرية لأسباب متنوعة، تشمل أخطاء في التصميم وأخطاء حسابية حاسوبية.
وتقدم المحاكاة الكمومية نقطة انطلاق مختلفة تماماً. فحيث تقرب الحواسب التقليدية السلوك الجزيئي عن طريق تقليل تعقيده، تقوم المحاكاة الكمومية بنمذجة هذا السلوك بشكل مباشر، مستخدمة المبادئ الفيزيائية ذاتها التي تحكم كيفية تفاعل الذرات والجزيئات في الواقع. والنتيجة هي صورة جزيئية بمستوى من الدقة لا يمكن للحوسبة الكلاسيكية مجاراته، صورة يمكنها التقاط كيفية طي الدواء المرشح وارتباطه وسلوكه قبل أن يطأ مختبراً حقيقياً.
ولسنوات طويلة، ظل هذا الأمر مجرد وعود أكثر من كونه ممارسة فعلية. وما تغير مؤخراً هو الهندسة التطبيقية؛ إذ جعلت التحسينات في تصحيح الأخطاء الحسابات الكمومية أكثر موثوقية بشكل ملموس، وجعلت البنيات الهجينة التي تدمج المعالجات الكمومية والكلاسيكية هذه التكنولوجيا متوافقة مع سير العمل الصيدلاني الحالي بدلاً من مطالبة الباحثين بإعادة البناء من الصفر. وقد لاحظ قطاع صناعة الأدوية هذا التحول بدقة، إذ تضاعفت قيمة سوق اكتشاف الأدوية المدعوم بالتقنيات الكمومية تقريباً على مدى السنوات الخمس الماضية، وهي وتيرة تعكس استثماراً حقيقياً نحو النشر الفعلي بدلاً من التموضع التخميني.
والدليل يكمن في شراكات محددة؛ ففي عام 2025، أتمت شركتا آي بي إم وموديرنا أكبر عملية محاكاة لطي البروتينات والحمض النووي الريبوزي المرسال على حاسوب كمومي حتى الآن، وهو إنجاز كان بعيد المنال قبل سنوات قليلة فقط. وفي فرنسا، تسلك الشركات الناشئة مثل باسكال وكيوبيت فارماسيوتيكالز مساراً مختلفاً، مستخدمة أجهزة الكمبيوتر الكمومية ذات الذرات المحايدة لاكتشاف الجزيئات الصغيرة بدعم مالي من صندوق ويلكم ترست.
وإن أكثر ما يجذب الانتباه هو قدرة المحاكاة الكمومية على توسيع آفاق الممكن. فلطالما اعتبرت بعض الأمراض غير قابلة للعلاج لأن المستهدفات الجزيئية كانت معقدة للغاية، أو ديناميكية للغاية، أو دقيقة للغاية بحيث تعجز النماذج الكلاسيكية عن حلها وفهمها. وبات بمقدور المحاكاة الكمومية الآن الوصول إلى هذا المستوى من التعقيد، ورغم أنها لا تضمن إنتاج الدواء فوراً، إلا أنها تغير من تقييم ما يستحق المحاولة.
الشكل 8: خريطة تحول المحاكاة الكمومية لاكتشاف الأدوية
توضح الركائز الثلاث لمنظومة الصحة الكمومية، وهم المبتكرون والمقدمون والممكّنون، مستقبلاً يمكن فيه للتحسين المدعوم بالتقنيات الكمومية لاكتشاف الأدوية وتقديم الرعاية الصحية وبنية الأنظمة التحتية أن يساعد القطاع الصحي على تسريع الابتكار مع تحسين السلامة والكفاءة وقابلية التوسع.
(إعداد: تشن تشنغ، نائب مدير المختبر الوطني الرئيسي لأبحاث الأدوية، دورية فرونتيرز في الفيزياء)
تخيل عام 2031
تم تصميم مركب دوائي يخضع الآن للتجارب السريرية لعلاج سرطان البنكرياس بالكامل عبر المحاكاة، قبل أن يجري تخليقه في المختبر. وراقب الفريق الجزيئات المرشحة وهي تطوى وترتبط وتتحرك عبر الموقع المستهدف ذرة بذرة، مع مراعاة كل إلكترون والتنبؤ بكل تفاعل، ولم يتم تقديم سوى المرشحات التي أكدت المحاكاة امتلاكها للهندسة المناسبة للثبات والارتباط. ويمكن إجراء التجربة الحالية على بضع مئات من المرضى فقط، بدلاً من بضعة آلاف يحتاجهم تصميم التجارب التقليدية عادة.
النظرة الاستراتيجية: المحاكاة الكمومية لاكتشاف الأدوية
يمكن للمحاكاة الكمومية أن تغير من توجهات شركات الأدوية وقراراتها بشأن الأمراض التي ترغب في استهدافها. فلعقود من الزمن، تم استبعاد بعض الحالات الصحية من خطوط تطوير الأدوية لأن احتمالات الفشل كانت مرتفعة للغاية بما لا يبرر التكلفة الباهظة. وكان جزء من هذا الفشل حسابياً، إذ عجزت أجهزة الكمبيوتر الكلاسيكية عن نمذجة السلوك الجزيئي بدقة كافية للتنبؤ بمدى نجاح الدواء. وإذا نجحت المحاكاة الكمومية في تقليل تلك الشكوك، فإن الأمراض التي كانت تُعتبر يوماً مكلفة للغاية أو هامشية من الناحية التجارية قد تصبح أهدافاً أكثر جدوى واستقطاباً للأبحاث.
وقد يكون هذا الأمر بالغ الأهمية للأمراض النادرة واليتيمة، والتي تمثل الآن الجزء الأسرع نمواً في اكتشاف الأدوية المدعوم بالتقنيات الكمومية. وتلك حالات كثيراً ما عاملتها اقتصاديات الأدوية التقليدية كأمراض هامشية تجارياً. وإذا تمكنت المحاكاة من استبعاد المرشحات الأضعف في مراحل مبكرة، فإن تجارب المراحل المتأخرة قد تصبح أصغر حجماً وأكثر تركيزاً، لتشمل مئات المرضى فقط بدلاً من الآلاف.
وستتغير اقتصاديات تطوير الأدوية تبعاً لهذه القدرة التنبؤية. إذ يمكن لمعدلات الفشل المنخفضة أن تؤثر على البرامج التي يتم تمويلها وعلى الجهات القادرة على إدارتها، ويمكن إعادة تخصيص رؤوس الأموال التي كانت تُسعّر لمواجهة خطر فشل يبلغ تسع حالات من كل عشر إذا تغير هذا المعدل، بينما قد تنخفض تكلفة تشغيل برنامج دوائي موثوق. ولا تزال المنصات الهجينة الكمومية الكلاسيكية، حيث تعمل المعالجات الكمومية جنباً إلى جنب مع أنظمة الحوسبة عالية الأداء، ضرورية حتى تتوفر أجهزة الكمبيوتر الكمومية الخالية من الأخطاء والعيوب الصانعة للقرارات. وتظل قيود الأجهزة، وتقليل الأخطاء، وترميز البيانات البيولوجية من العوامل المحددة للقدرات الحالية.
وسيحتاج المنظمون إلى وضع معايير تحقق مشتركة قبل قبول المحاكاة كدليل علمي في قرارات الموافقة على الأدوية. وستكون الشفافية وقابلية التكرار ومستويات الثقة المحددة أموراً بالغة الأهمية، لا سيما عندما يستهدف الدواء مرضاً لم تسبق الموافقة على علاج له لتتم المقارنة به. وتلك المعايير لا وجود لها حتى الآن. ورغم أن شركات الأدوية ومزودي الأجهزة الكمومية يولدون بيانات مبكرة، فإن الرغبة في الحفاظ على المزايا التنافسية والملكية الخاصة قد تحد من الانفتاح ومشاركة المعلومات، كما أن النشر الأكاديمي بمفرده لا يخلق المعايير المرجعية المشتركة التي يحتاجها هذا المجال.
ويمكن للمحاكاة الكمومية أن تجعل العلاجات ممكنة لأمراض استبعدتها الحسابات الاقتصادية القديمة. وسيعتمد ظهور تلك العلاجات على القرارات المتعلقة برأس المال والتشريعات المنظمة وأولويات البحث، لا سيما للمرضى الذين عانوا طويلاً من إهمال تطوير الأدوية التقليدي لحالاتهم الصحية.
الاتجاهات الكبرى ذات الصلة بـمنتدى التنمية المستدامة: الصحة والتغذية المتقدمة، والبيانات اللامتناهية متعددة الأبعاد.
البناء نحو التوسع في المحاكاة الكمومية لاكتشاف الأدوية
المعايير والاعتماد: تطوير أطر عمل قياسية للتحقق لإنشاء معايير مرجعية مشتركة للأدلة المستمدة من عمليات المحاكاة.
المطورون والمصنعون: إعطاء الأولوية لبنيات الحوسبة الهجينة الكمومية الكلاسيكية القابلة للتشغيل البيني لدمج المحاكاة بسلاسة عبر تدفقات عمل اكتشاف الأدوية.
الأبحاث والأوساط الأكاديمية: مواءمة الحوافز متعددة التخصصات لاستدامة التعاون الوثيق بين مجتمعات العلوم الكمومية والحوسبة وعلوم الحياة.
السياسات والتنظيم: إنشاء مسارات تنظيمية مرنة لدمج الأدلة المستمدة من المحاكاة في عمليات الموافقة على الأدوية.
البنية التحتية والمشتريات: الاستثمار في القدرات التحويلية لتحويل مخرجات المحاكاة التنبؤية إلى قرارات سريرية قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.
9. نماذج العالم
الذكاء الاصطناعي القادر على التفكير والتصرف في ثلاثة أبعاد
الطفلة التي تبلغ من العمر تسعة أشهر ولم تسمع قط كلمة جاذبية تدرك بالفعل أن الأشياء تسقط. وهي تعرف ذلك لأنها أسقطت أشياء من يدها، وراقبت سقوطها، وسمعت صوت ارتطامها بالأرض، وشعرت بالاهتزاز في يدها عندما غادرها الوزن والشيء الساقط. وقبل أن تكتسب اللغة، تكون الطفلة قد بنت بالفعل نموذجاً صغيراً مبسطاً للعالم المادي المحيط بها.
وتعلمت أقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي اليوم بطريقة مغايرة تماماً. إذ يمكن لنماذج اللغة الكبيرة المدربة على النصوص وصف الجاذبية بطلاقة ودقة متناهية، لكنها تتعلم من الأوصاف البشرية المكتوبة عن العالم، وليس من التجربة والممارسة المباشرة للواقع المادي الفعلي. وعند مطالبة نموذج لغوي كبير بالتفكير والاستنتاج بشأن موقف فيزيائي غير مألوف، تظهر الفجوات المعرفية لديه سريعاً.
وتصمم نماذج العالم لكي تتعلم كيف يتصرف العالم الفعلي بناءً على البيانات، مستلهمة ذلك بشكل مبسط من الطريقة التي يتعلم بها الأطفال الرضع من خلال التجربة والملاحظة الحية. وتستوعب هذه النماذج البيانات من قنوات حسية متعددة في وقت واحد، مثل الفيديو، ومستشعرات العمق، وقراءات الضغط، والتقاط الحركة، وتقوم بضغط هذه المدخلات في مساحة تمثيلية مشتركة واحدة. ويتم ربط فيديو يظهر تفاحة تسقط، ومستشعر يسجل لحظة الارتطام، ووصف مكتوب للجاذبية في المكان ذاته داخل تلك المساحة التمثيلية، لأنها جميعاً تصف الحدث الفيزيائي الكامن نفسه. ويلتقط النموذج أنماط الأحداث المتكررة بدلاً من التقاط الوسيط أو القناة التي سُجل بها الحدث.
وقد جعل الحجم الضخم والبيانات الوفيرة وفكرة بنيوية فريدة هذا الأمر ممكناً. فالنماذج باتت الآن كبيرة بما يكفي لضغط البيانات الفيزيائية الغنية متعددة الوسائط بشكل فعال ومفيد. وأنتج عقد من الزمان في مجالات الروبوتات والسيارات ذاتية القيادة والمستشعرات الصناعية تدفقات هائلة من المدخلات الحسية للواقع الفعلي التي يتطلبها هذا النهج. وتدريب النموذج على التنبؤ بالتمثيلات المضغوطة بدلاً من البكسلات الخام يجبره على تعلم الديناميكيات والعلاقات البينية بدلاً من المظاهر السطحية فقط. ويمثل هذا الجزء الأخير الفكرة الأساسية وراء بنية التنبؤ بالتضمين المشترك التي قدمها يان ليكون في عام 2022. وبدلاً من إعادة إنشاء كل تفصيل بصري بدقة، يتعلم النموذج الهيكل الكامن وراء ما يحدث تالياً، مثل كيفية حركة الأشياء وتفاعلها وتغيرها بمرور الوقت.
وباتت المنصات الأولى المبنية على فهم العالم المادي متاحة الآن بين أيدي المطورين. وتمثل منصة كوزموس التابعة لشركة إنفيديا، والتي جرى إطلاقها في عام 2025 وتم تدريبها على 20 مليون ساعة من بيانات العالم المادي التي تشمل الروبوتات والبيئات الصناعية والقيادة، أهم تطبيق ونشر مبكر لهذه الأفكار والتقنيات الحية. وتتعلم الروبوتات المدربة على منصة كوزموس كيفية التعميم والتعامل مع مواقف فيزيائية لم تواجهها من قبل لأنها تفكر وتستنتج بناءً على نموذج داخلي لكيفية تصرف الأشياء وسلوكها، وليس بناءً على مكتبة من المواقف المسجلة التي رأتها مسبقاً.
ولطالما واجهت علوم المناخ نسخة من المشكلة ذاتها المتمثلة في الإفراط في تبسيط النمذجة. فالديناميكيات المضطربة والدقيقة للعواصف والسحب، والعمليات الفيزيائية التي تحدد مدى صحة التوقعات الجوية من عدمها على النطاق الذي يؤثر مباشرة على حياة الناس اليومية، كانت تقع دائماً خارج نطاق دقة النماذج التقليدية المتاحة. وفي عام 2026، أثبت الباحثون في مدرسة ستانفورد دوير للاستدامة أن دمج نهج نماذج العالم في محاكاة المناخ يمكن أن يسد هذه الفجوة المعرفية بدقة. ويتبين أن الغلاف الجوي بدوره يكافئ النظام الذي تعلم القوانين الأساسية التي تملي سلوك أنظمة الطقس وتصرفات العالم الفعلي وتغيراته المادية.
الشكل 9: خريطة تحول نماذج العالم
بالنسبة للمؤسسات البحثية والجهات المانحة للتمويل، تبدو التداعيات الاستراتيجية واضحة وجلية، حيث يتعين على أولويات الاستثمار أن تنتقل من البنية التحتية المختبرية المعزولة نحو منصات مختبرية متكاملة للتجارب المؤتمتة القائمة على محاكاة الذكاء الاصطناعي، والتي يمكنها إغلاق حلقة التحقق من الفرضيات بشكل مستقل ذاتياً، في حين تضمن أطر الحوكمة احتفاظ العلماء البشر بإشراف حقيقي وفعال على عملية الاكتشاف التي تزداد استقلالية يوماً بعد يوم.
هيرواكي كيتانو، كبير زملاء التكنولوجيا في مجموعة سوني.
تخيل عام 2031
تمشي مسؤولة الصيانة بين صفوف الرافعات في محطة الميناء قبل بدء نوبتها الصباحية. وفي الداخل، يقوم نموذج المحطة بالفعل باختبار تسلسل التحميل ليوم غد في مواجهة ظروف المد والجزر وتوقعات الرياح وتوزيع أوزان الحاويات التي لم تصل بعد. وبحلول الوقت الذي تصل فيه إلى آخر رافعة، يكون النموذج قد قام بمحاكاة يوم العمل مرتين وعدل الجدول الزمني مرة واحدة. وفي غرفة العمليات، يقوم المنسق بمراجعة الجدول الزمني المعدل بمقارنته بمدونات تغطي عقدين من الزمن حول السلوك المعتاد للمحطة في مثل هذه الظروف.
الآفاق الاستراتيجية: نماذج العالم
يمكن لنماذج العالم أن تنقل الذكاء الاصطناعي من مرحلة مراقبة العمليات أو محاكاتها إلى مرحلة المساهمة الفعالة في اتخاذ القرارات ضمن البيئات المادية الواقعية. ومع حدوث ذلك، ستحتاج المؤسسات إلى طرق أكثر وضوحاً لاختبار هذه الأنظمة وحوكمتها وإخضاعها للمساءلة.
وسوف تظهر التغييرات الأولى في القطاعات التي تولد عملياتها بيانات مستمرة بالفعل، بما في ذلك التصنيع والخدمات اللوجستية. وفي هذه البيئات، يمكن للنموذج المستخدم في الإنتاج أن يتعلم من العملية أثناء تشغيلها. وقد يؤدي ذلك إلى توسيع نطاق الأتمتة ليشمل أشكالاً من العمل المادي الذي يعتمد على قراءة الموقف وتقييمه في لحظتها، بدلاً من اتباع تعليمات ثابتة ومحددة مسبقاً. ومع نضج هذه التكنولوجيا، فإن الصناعات القائمة على التقييم المادي الماهر، بما في ذلك الخدمات اللوجستية والإنشاءات والتصنيع ورعاية كبار السن، قد تشهد تغيراً في قواها العاملة. وسوف تسهم المؤسسات التي تعيد تدريب الأفراد وتوزيعهم مع تطور الأدوار في تحديد كيفية تقاسم مكاسب الإنتاجية.
كما تنطوي نماذج العالم على نوع آخر من المخاطر، فهي قد لا تكتفي بتكرار تحيز البيانات فحسب، بل قد تبني أيضاً افتراضات معيبة حول كيفية تصرف العالم الحقيقي. ويمكن للنموذج أن يكون متسقاً داخلياً ومع ذلك يظل خاطئاً، مما يخلق نقاطاً عمياء عند انتقال الأنظمة من البيئات الخاضعة للرقابة إلى البيئات الواقعية. ويتطلب كشف هذا النوع من الأخطاء وضع افتراضات واضحة مسبقاً، وإجراء اختبارات جهد صارمة، والقيام بعمليات تدقيق تتعقب انحراف البيانات والتدخلات المحتملة والتغييرات في الافتراضات الأساسية للنموذج.
ويكمن التحدي في أن العديد من المؤسسات التي تستخدم نماذج العالم مصممة حول قيم الاستقرار والتوحيد القياسي، وهي غير مهيأة للتعامل مع أنظمة تراجع افتراضاتها باستمرار. ويمكن للمؤسسات البحثية تقديم المساعدة من خلال تشغيل مكتبات نماذج معتمدة كبنية تحتية مشتركة بدلاً من التعامل معها كأصول ملكية خاصة. ولا يمكن لمؤسسة بمفردها توليد ما يكفي من الحالات الاستثنائية لجعل هذه النماذج موثوقة، بل يجب أن تتراكم الموثوقية وتتضافر عبر هذا القطاع بأكمله.
وسيحتاج صناع السياسات أيضاً إلى أطر حوكمة تدعم المساءلة والشفافية والنشر الآمن في القطاعات الحيوية. ويجب أن تتطور تلك الأطر بسرعة كافية لمواكبة معدلات التبني والانتشار. ولا تزال أطر التدقيق ومعايير المسؤولية القانونية ومقاييس التحقق قيد البناء والتطوير، حتى مع تسارع وتيرة نشر هذه الأنظمة. وبناءً على ذلك، سيتعين على المؤسسات المصممة من أجل الاستقرار أن تحكم أنظمة تتغير وتتطور باستمرار.
وسوف يعتمد تأثير نماذج العالم على مدى قدرة المؤسسات على تحديد الافتراضات المعيبة قبل أن تؤثر على القرارات ذات العواقب الحقيقية في العالم الواقعي. وإذا نجحت في ذلك، فقد تجعل هذه الأنظمة العمليات الحيوية أكثر أماناً وأسرع وأكثر مرونة. وإذا فشلت، فقد يصبح اكتشاف الأخطاء أكثر صعوبة وتنتشر على نطاق أوسع قبل أن يتم تداركها.
الاتجاهات الكبرى ذات الصلة بمسار التحول الرقمي: الحياة مع الروبوتات المستقلة والأتمتة، والواقع الرقمي.
البناء نحو التوسع: نماذج العالم
البحوث والأوساط الأكاديمية: التحقق من صحة نماذج العالم في البيئات الواقعية لسد الفجوة بين الأداء المختبري وموثوقية النشر الفعلي.
السياسات والتنظيم: وضع معايير واضحة للمساءلة والاختبار لحوكمة نشر نماذج العالم في البيئات ذات العواقب المؤثرة.
رأس المال والمخاطر: تمويل البحوث التأسيسية التي تختبر افتراضات نماذج العالم تحت الضغط في مواجهة البيانات الواقعية والحالات الاستثنائية.
المطورون والمصنعون: التعاون بين مختلف القطاعات لقياس وتحسين التفكير السببي في نماذج العالم وفقاً لمعايير مشتركة.
التعمية المستندة إلى الشبيكات
حماية بيانات اليوم ضد حواسب الغد.
في مكان ما على خادم غير معروف، ينمو أرشيف من حركة مرور الإنترنت المشفرة. لا يمكن قراءة هذه البيانات اليوم، ولكن من قام بجمعها ينتظر اللحظة التي يصبح فيها ذلك ممكناً. وفي الأوساط الأمنية، يطلق على هذه الإستراتيجية اسم ""الحصاد الآن والفك لاحقاً"". ويوجد هذا التهديد لأن أجهزة الكمبيوتر الكمومية تعالج المعلومات بطريقة تختلف عن الآلات التقليدية. وبمجرد أن تصبح قوية بما يكفي، فإن هذه القدرة قد تفكك المسائل الرياضية التي تدعم معظم عمليات التشفير المستخدمة اليوم.
ولا يكمن الرد على هذا التهديد في مجرد بناء قفل أقوى، حيث تعمل التعمية المستندة إلى الشبيكات بطريقة مختلفة تماماً، إذ تخفي البيانات داخل هياكل هندسية معقدة مع إضافة ضوضاء متعمدة تشبه الضباب. ويقوم النظام بترميز المعلومات ضمن شبكة ضخمة متعددة الأبعاد من النقاط الرياضية، ثم يضيف أخطاء عشوائية صغيرة أثناء عملية التشفير. وبسبب ذلك، يصبح الحل الصحيح غير قابل للتمييز عن الحلول الخاطئة، وتلك الأخطاء تجعل من الصعب للغاية على المهاجم العودة إلى البيانات الأصلية، فمن الخارج، يصعب تمييز الحل الصحيح عن العديد من الحلول الخاطئة المحتملة، حتى باستخدام أجهزة كلاسيكية أو كمومية قوية.
ولهذا الضباب استخدامات تتجاوز إبعاد الخصوم والمهاجمين؛ فالخصائص الرياضية ذاتها التي تجعل مخططات الشبيكات مقاومة للقدرات الكمومية تتيح ميزة إضافية لا يمكن للتشفير الكلاسيكي مجاراتها. إذ يتيح التشفير المتماثل الكامل إجراء العمليات الحسابية مباشرة على البيانات المشفرة دون الحاجة إلى كشفها على الإطلاق. وفي عام 2024، استخدم باحثون في مركز عاصان الطبي هذا النهج لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي عبر أكثر من 300,000 سجل للمرضى من ثلاثة مستشفيات، دون أن تغادر البيانات الخام لأي مستشفى خوادمه الخاصة. وقد تفوقت تلك النماذج في أدائها على أي شيء كان يمكن لمؤسسة بمفردها بناؤه بشكل مستقل. ومع إثبات هذه القدرات، أصبح المجال بحاجة إلى أساس مشترك للبناء عليه.
وقد أمضى المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا عامين في تقييم النهج المتنافسة للتشفير بعد الكمي قبل صياغة معاييره النهائية في عام 2024. ومنح اختياره للخوارزميات المستندة إلى الشبيكات كأساس رئيسي الصناعة بأكملها مخططاً معتمداً للعمل بموجبه، وتبعه آخرون في ذلك. حيث تلاقت المنظمة الدولية للمعايير والمعهد الأوروبي لمعايير الاتصالات خلف الأساس التشفيري ذاته المستند إلى الشبيكات، وتم تحديد مواعيد نهائية للانتقال إلى الأنظمة الآمنة كمومياً. وحدد الاتحاد الأوروبي عام 2026 كعام يجب أن تبدأ فيه الأنظمة العامة الهجرة الآمنة كمومياً، في حين طالبت وكالة الأمن القومي الأمريكية باستخدام خوارزميات آمنة كمومياً عبر جميع أنظمة الأمن القومي الجديدة بحلول يناير 2027، وتشارك شبكة سويفت، التي تنقل الرسائل المالية بين أكثر من 11,000 مؤسسة عبر 200 دولة، بفعالية في التخطيط للهجرة بعد الكمية. كما التزمت جوجل بإكمال عملية التحول الخاصة بها بحلول عام 2029.
وربما لا تزال البيانات المشفرة تتعرض للحصاد والتخزين، ولكن الرد لم يعد مجرد نظرية. وتتمثل المهمة الآن في نقل الأنظمة الحيوية إلى أسس آمنة كمومياً قبل أن تصبح تلك البيانات معرضة للكشف.
الشكل 10: خريطة تحول التعمية المستندة إلى الشبيكات
يوفر تشفير المفتاح العام السرية كمعادل إلكتروني لوضع رسالة في مظروف قبل إرسالها أو تخزينها. ويحمي هذا الإجراء من فك تشفير القنوات الآمنة، حيث يمكن للحوسبة الكمومية كسر اتصالات الشبكة المشفرة والتنصت على المحادثات الحساسة. وباستخدام الأساليب المستندة إلى الشبيكات، يمكن تأمين هذه الجوانب الحيوية لأمن الإنترنت والعمليات في عصر ما بعد الكم.
دانييل ميتشيانسيو، أستاذ بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو.
تخيل عام 2031
تسحب ممرضة في مستشفى تخصصي سجلات مريض وصل ليلاً من دولة لم يسبق له زيارتها من قبل. ويتم تحميل التاريخ الطبي في أقل من ثانية. وفي مكان ما ضمن البنية التحتية الرابطة بين المستشفيين، جرى التحقق من عملية النقل ومطابقتها لقوانين الخصوصية في البلد الذي نشأت فيه السجلات، وقواعد توطين البيانات في البلد الذي وصلت إليه، جنباً إلى جنب مع موافقة المريض الصريحة.
الآفاق الاستراتيجية: التعمية المستندة إلى الشبيكات
يمكن للتعمية المستندة إلى الشبيكات أن تتيح إجراء عمليات التحقق من الامتثال والقوانين أثناء حركة البيانات، بدلاً من مراجعتها بعد حدوث النقل. وإذا أمكن التحقق من الإجراءات في الوقت الحقيقي دون الكشف عن المعلومات الأساسية، فسيكون بمقدور المؤسسات التأكد من الاستخدام السليم للبيانات عند نقطة النقل مباشرة.
وسوف يغير هذا طريقة بناء الثقة في الأنظمة الرقمية. فقد كانت عمليات فحص عينات السجلات وتفسير الغموض والتفاوض بشأن التنفيذ أموراً ضرورية عندما كانت البنية التحتية عاجزة عن التحقق من الامتثال عند نقطة المنشأ. ونجحت البروتوكولات الحديثة المستندة إلى الشبيكات في تقليص أوقات التحقق من 90 ثانية إلى 20 جزءاً من الثانية فقط، مما جعل عمليات التحقق الفورية عملية وممكنة للمرة الأولى. وبذلك، يمكن للثقة أن تصبح شرطاً مسبقاً للوصول، بدلاً من كونها إجراء يتم تأسيسه عبر الرقابة اللاحقة.
وبالنسبة للحكومات والمؤسسات المالية والرعاية الصحية، فإن التداعيات ستتجاوز مجرد عمليات التشفير البسيطة. ومع وصول تكاليف الاختراقات الآن إلى ما يقارب 4.44 مليون دولار، تعيد العديد من الجهات تصميم تدفقات بياناتها وتنتقل إلى التشفير الآمن كمومياً. وبات بالإمكان مشاركة وحوسبة والتحقق من بيتابايت من المتواليات الجينومية ومخرجات الأجهزة القابلة للارتداء والأنماط المالية بشكل أكثر أماناً، مع بقائها محمية من محاولات فك التشفير المستقبلية بواسطة الجهات التي تمتلك قدرات كمومية.
ولكي يعمل هذا المستقبل بنجاح، يجب أن تكون قواعد الامتثال دقيقة ومحددة بوضوح قبل ترميزها وتضمينها في الأنظمة. وبمجرد تطبيقها تلقائياً، ستُتبع القواعد تماماً كما كُتبت، مما يترك مجالاً أقل للتفسيرات والاجتهادات اللاحقة. كما سيتعين على البرمجيات والأجهزة والمؤسسات الترقية معاً بشكل متزامن. وسيتعين على البروتوكولات وأنظمة التشغيل والأجهزة اعتماد المعايير الجديدة بالتوازي، دون تعطيل الخدمات القائمة التي تعتمد عليها بالفعل. وخلال الفترة الانتقالية، فإن تشغيل التشفير المستند إلى الشبيكات جنباً إلى جنب مع أساليب التشفير الأقدم سيحافظ على استمرارية عمل الخدمات الحالية.
ولن يكون هذا الانتقال متساوياً؛ فالأجهزة الأصغر حجماً مثل الأجهزة القابلة للارتداء والمستشعرات المدمجة لا يمكنها حتى الآن التعامل مع الحمل الحسابي الأثقل الذي تتطلبه الأساليب المستندة إلى الشبيكات، كما أن البنية التحتية القديمة قد يكون من الصعب ترقيتها وتحديثها، لا سيما عندما تكون الأنظمة مجزأة أو عتيقة. ومع زيادة قوة التشفير وحصانته، قد تستهدف الهجمات بشكل متزايد عيوب التصميم والنشر، مما يرفع من أهمية وجود هندسة دقيقة وتطبيق سليم.
ويمكن للتعمية المستندة إلى الشبيكات أن تجعل البيانات أكثر أماناً للمشاركة والتحليل والتحقق، ولكن مسألة ما إذا كان ذلك سيؤدي إلى بناء أنظمة بيانات موثوقة ستعتمد بالكامل على المعايير والسياسات والخيارات المؤسسية المبنية حولها.
الاتجاهات الكبرى ذات الصلة بمسار التحول الرقمي: البيانات اللامتناهية متعددة الأبعاد، والثغرات التكنولوجية.
البناء نحو التوسع: التعمية المستندة إلى الشبيكات
السياسات والتنظيم: إلزام الجهات بجداول زمنية محددة للهجرة إلى تشفير ما بعد الكم لدفع عملية التحول المنسق عبر البنية التحتية العامة والخاصة.
رأس المال والمخاطر: إجراء جرد شامل للأصول التشفيرية لتحديد الأولويات ومكامن الانكشاف قبل البدء في عملية الهجرة والتحول.
المعايير والشهادات: تسريع اعتماد معايير موحدة لما بعد الكم لتمكين التشغيل البيني عبر الأنظمة العالمية المختلفة.
المطورون والمصنعون: تطبيق التشفير الهجين الذي يجمع بين الأساليب الكلاسيكية والكمية في جميع الأنظمة الجديدة لضمان المرونة خلال الفترة الانتقالية.
البنية التحتية والمشتريات: تأمين إدارة دورة حياة المفاتيح التشفيرية من البداية إلى النهاية عبر جميع البيئات للحفاظ على سلامة التشفير على نطاق واسع.
المشهد الناشئ
تروي كل تكنولوجيا في هذا التقرير قصتها الخاصة. وعبر هذه التقنيات العشر، تبرز أنماط معينة تشير إلى المواضع التي قد تكون فيها التحولات الأوسع نطاقاً قيد التنفيذ. ويتعلق التحول الأكثر وضوحاً بكيفية عمل العلم نفسه، حيث ينتقل الاكتشاف من المختبر إلى النموذج. ويساعد الذكاء الاصطناعي الباحثين في تحديد ما إذا كان الدواء المرشح سيرتبط بهدفه قبل تخليقه، وتحديد طفرات ورم المريض قبل تصميم العلاج، ورسم الخرائط للمسارات البيولوجية قبل ملء خزانات التخمير. ولطالما تقدم العلم تاريخياً عبر دورة من الفرضية والتجربة والمراجعة، حيث تحدد تكلفتها من حيث الوقت ورأس المال ومعدل الفشل نوعية الأمراض التي يجري البحث حولها والأسئلة التي تُطرح. وتتغير هذه الحدود حالياً، ويتسع بالتالي أفق ما يستحق المحاولة ليشمل أمراضاً كانت تُعتبر في السابق غير قابلة للعلاج بالكامل، ومستهدفات جزيئية بالغة التعقيد بما يعجز الحساب الكلاسيكي عن حلها وفهمها.
وقد أنتج هذا التحول نمطاً متميزاً عبر مجموعة تقنيات هذا العام، يتجه نحو ما هو شخصي وموزع وفعال من الناحية المادية. وهناك تداعيتان لهذا النمط تستحقان الفحص والتحليل بمزيد من العناية والدقة.
تتمثل التداعيات الأولى في أن الجغرافيا الخاصة بالإنتاج بدأت تنفصل عن الظروف المادية الطبيعية التي شكلتها طويلاً. حيث يمكن للتخمير الدقيق إنتاج بروتينات عالية القيمة مثل مصل اللبن أو بياض البيض في أي مكان تتوفر فيه الطاقة الموثوقة والمواد الأولية السكرية والعلماء البيولوجيون المدربون، مما يفتح مساراً للإنتاج في مناطق لا تسمح مقوماتها الزراعية الطبيعية بدعم مثل هذا الإنتاج بغير هذه الطريقة. ويفتح الاستخلاص المباشر لليثيوم مساراً لإنتاج الليثيوم المناسب لصناعة البطاريات من المحاليل الملحية الحرارية الأرضية في مناطق لم يوفر لها التكوين الجيولوجي أبداً رواسب ضحلة ومركزة. كما يبعث التبريد الإشعاعي السلبي الحرارة عبر نافذة غلاف جوي متوفرة في أي مكان على وجه الأرض، مما يوفر وسيلة للتبريد في المناخات شديدة الحرارة دون الاعتماد على الكهرباء الرخيصة. ويقوم نظام ربط كل شيء بالشبكة بتحويل المباني والمركبات إلى نقاط شبكية، مما ينقل بعض مهام موازنة واستقرار الشبكة بعيداً عن المرافق والمؤسسات الخدمية التي كانت تمتلك تاريخياً قدرات التوليد بمفردها. ولن تقوم أي من هذه التقنيات بإعادة رسم الخريطة الصناعية بمفردها، ولكن كل منها يمثل مؤشراً مبكراً على أن القدرة والمكان أصبحا أقل ارتباطاً ببعضهما في مجالاتهما المعنية.
وتتمثل التداعيات الثانية في أن القيمة تنتقل من المنتجات التي يمكن تصنيعها على نطاق واسع إلى تلك التي يمكن إنتاجها عند نقطة الاستخدام مباشرة. فقد بُنيت الأدوية الرائجة واسعة الانتشار، وتوليد الطاقة المركزي، وإنتاج الأغذية على نطاق السلع الأساسية، على افتراض مفاده أن القيمة تتراكم لدى الجهة التي يمكنها تصنيع أكبر عدد من الوحدات المتطابقة تماماً وشحنها وتوزيعها. وتأتي لقاحات السرطان الشخصية بتقنية الحمض النووي الريبوزي المرسال لتعكس هذا الافتراض بالكامل، حيث تجعل من المريض المادة الأولية والنتيجة النهائية لتطوير الدواء في آن واحد، وتصبح الخزعة الطبية بمثابة التوصيف المحدد لعلاج يجري تخليقه في غضون أسابيع معدودة. وتنقل المحاكاة الكمومية جزءاً من مركز القيمة الدوائية إلى مراحل التصميم الجزيئي الأولى، مما يفتح المجال أمام فئة من الأمراض التي لم تكن اقتصاديات تطوير الأدوية السابقة تبرر تحمل أعباء عدم اليقين المرتبطة بها. كما يصل إيصال الأدوية عبر الإكسوسومات إلى مستهدفات جزيئية عجزت الأجيال السابقة من الطب عن التعامل معها على الإطلاق.
وتحت كلا التحولين تقبع قوتان ومسألتان متداخلتان ستؤثران، بأكثر من أي خارطة طريق تقنية وعلمية، على ما إذا كانت هذه التقنيات ستصل وتنتشر بشكل جيد، وهما: الثقة والوصول العادل.
تعد الثقة مسألة جوهرية وحاسمة لأن العديد من هذه التقنيات تطالب الجمهور والمنظمين والأطباء بقبول ترتيبات غير مسبوقة في التاريخ الطبي والتقني. فالعلاج الذي يتم تطويره لشخص واحد لا يمكن تقييمه باستخدام تصميمات التجارب السريرية التي بُنيت من أجل اختبار جرعات متطابقة لجميع المرضى عبر مجموعات سكانية كبيرة، ولا تزال أطر تحديد سلامته وفعاليته قيد الصياغة والتطوير حتى الآن. والبروتين الذي ينتجه ميكروب مهندس يتطلب من المستهلكين منح ثقتهم لعملية لا يمكنهم رؤيتها بالعين المجردة ولتصنيف غذائي لا يمتلك بعد لغة قانونية وتسويقية مستقرة لتوضيحه. كما أن الشبكة الكهربائية التي تدعم استقرارها ملايين الأصول والوحدات الموزعة تطلب من الأسر ومشغلي أساطيل النقل مشاركة البيانات والتخلي عن جزء من السيطرة والتحكم في مواعيد شحن مركباتهم وتفريغ طاقتها. ولا تعد الثقة متغيراً هامشياً أو بسيطاً في تبني هذه التقنيات، بل هي شرط تقني واجتماعي مسبق يجب بناؤه والعمل عليه بوعي وتخطيط.
ويعد الوصول العادل مسألة جوهرية وحاسمة أيضاً، لأنه إذا تُرِكت الأمور لمسارها الافتراضي والتلقائي دون تدخل، فإن فوائد هذه التقنيات ستتركز في المناطق والمجموعات السكنية الأكثر قدرة وتأهلاً بالفعل للاستفادة منها وحيازتها. وتواجه العلاجات الشخصية خطر أن تصبح متاحة فقط داخل الأنظمة الصحية ذات الموارد الوفيرة، مما يعمق الفجوات الحالية في نتائج علاج السرطان بين الدول وداخل الدولة الواحدة. كما أن التحول الذي تفرضه تقنيات التخمير الدقيق، في الفئات عالية القيمة التي تنافس فيها، ستقع آثاره الأشد وطأة على المناطق الزراعية وسبل العيش التي توفر تلك المنتجات حالياً، وهو ادعاء وتحدٍ يبدو أضيق نطاقاً من إعادة تنظيم شاملة وكاملة للمنظومة الغذائية، ولكنه يمثل تحدياً خطيراً وحقيقياً للعمال والمجتمعات التي تعتمد اقتصاداتها بالكامل على ما سيتم استبداله وإزاحته. وتكافئ مرونة الشبكة العائلة التي تمتلك مركبة كهربائية وبطارية منزلية، في حين قد ينتهي المطاف بالمستأجر الذي لا يملك أياً منهما إلى دعم وتمويل نظام لا يشاركه مزاياه وفوائده. ولا تعد أي من هذه النتائج حتمية أو مقدرة، ولكن كل منها يمثل المسار التلقائي والافتراضي في غياب سياسات واضحة وخيارات تصميمية تتدخل لتوجيه الأمور بخلاف ذلك.
إن القرارات الاستراتيجية المتعلقة بالتكنولوجيا والتقنيات الحديثة يجري حالياً إعادة توزيعها وتشتيتها عبر مجموعة أوسع بكثير من الفاعلين والجهات مقارنة بالقطاعات الصناعية التي كانت تحتكرها تاريخياً بمفردها. فالسلطة البلدية والمحلية التي تقوم بشراء أسطول نقل عام تسهم، في جزء من قرارها، في تحديد من يستفيد من مرونة الشبكة الكهربائية. والنظام الاستشفائي والمستشفى الذي يقيم ما إذا كان سينتج محلياً العلاجات التي كان يشتريها سابقاً يقرر أيضاً في الوقت ذاته من هم المرضى الذين سيتلقونها. والحكومة الإقليمية في اقتصاد يعتمد على إنتاج الموارد الطبيعية والتي تدرس وتزن أسئلة السياسة الصناعية المتعلقة بقدرات التكرير تقرر أيضاً في الوقت ذاته من هي فئات العمال التي ستتم حماية سبل عيشها ومصادر دخلها خلال هذا التحول الاقتصادي الكبير. وتعد إعادة توزيع عملية صنع القرار، في جوهرها ومضمونها، بمثابة إعادة توزيع للمسؤولية عما إذا كانت هذه التقنيات ستحظى بثقة المجتمعات وما إذا كان سيتم تقاسم عوائدها وفوائدها بعدالة بين الجميع. وبات ما يمكن لهذه التقنيات أن تقدمه وتنجزه، وما يتطلبه تقديمها وإيصالها بشكل جيد وناجح، واضحاً ومكشوفاً للعيان الآن.
الملحق: المنهجية
أداة الاستكشاف بالذكاء الاصطناعي
بالنسبة لتقرير عام 2026، تم استبدال استطلاع رأي الخبراء الذي كان يُجرى في السنوات السابقة بسير عمل ترشيح قائم على الذكاء الاصطناعي طورته مؤسسة فرونتيرز. ويستخدم سير العمل هذا نماذج لغوية كبيرة لتوليد ترشيحات التكنولوجيا والتحقق من صحتها بشكل منهجي وعلى نطاق واسع، بالاستناد إلى بيانات مقالات فرونتيرز وأخبار الصناعة، مع إجراء تحقق متبادل عبر النماذج لضمان القوة والامتياز.
وقد غطى سير العمل ثمانية مجالات دراسية أكاديمية و13 قطاعاً صناعياً. ولكل مجال أو قطاع، قام النموذج اللغوي الكبير بتوليد ما يصل إلى 10 ترشيحات مهيكلة تضمنت اسم التكنولوجيا ووصفها والتقدم الرئيسي وتطبيقات السوق والأثر المجتمعي. وتم تشغيل سير العمل باستخدام ثلاثة نماذج لغوية كبيرة منفصلة للتحقق المتبادل من المخرجات، بما في ذلك جي بي تي 4.1 ميني من أوبن أيه آي، وجي بي تي 5 من أوبن أيه آي، وجيميني 2.5 من جوجل.
ولضمان الاتساق والجودة، حددت المطالبات والموجهات وجوب أن تكون كل تكنولوجيا مرشحة واقعية وقابلة للتطبيق، مما يستبعد المقترحات النظرية للابتكارات المستقبلية. واستخدمت خطوة تصنيف إضافية النموذج اللغوي الكبير لتقييم ما إذا كان كل ترشيح يمثل تكنولوجيا حقيقية أم اتجاهاً أوسع نطاقاً، وتم وضع إشارات تمييز على الترشيحات التي لا تمثل تكنولوجيا بناءً على ذلك.
وحصلت جميع التقنيات المرشحة بواسطة الذكاء الاصطناعي على درجة رواج عبر محلل اتجاهات الذكاء الاصطناعي الذي طورته فرونتيرز، والذي ربط الترشيحات بالمفاهيم الرئيسية وطابقها مع معدل تكرارها في المقالات الأكاديمية على مدار فترة زمنية مستمرة تبلغ 10 سنوات. ومن خلال هذا التحليل، تم تحديد متوسط درجة الرواج، مما يشير إلى الحضور المتزايد لكل تكنولوجيا وزخمها في مجالها.
تنقيب الترشيحات وتصفيتها
تم تقليص قائمة ترشيحات أداة الاستكشاف بالذكاء الاصطناعي من أكثر من 1,200 تكنولوجيا إلى ما يقارب 80 تكنولوجيا. واعتمدت هذه التصفية على بيانات الرواج، وتقييم الابتكارات الناشئة، والاستشارات الداخلية مع خبراء الموضوع من المراكز الموضوعية التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي، واستبعاد الابتكارات التي ظهرت سابقاً في تقارير أهم 10 تقنيات ناشئة.
استشارات الخبراء
على مدار شهرين، تم استطلاع آراء باحثين عالميين بارزين بشأن الأقسام الفرعية لقائمة الثمانين تكنولوجيا الأكثر صلة بمجالاتهم، مما ساعد في تحديد التقنيات التي يجب تقديمها للنظر فيها من قبل المجلس الاستشاري. وأكد الباحثون حداثة كل تكنولوجيا وتأثيرها المحتمل، وأوصوا باستبعاد التقنيات التي لا تستدعي مزيداً من الدراسة. ومن خلال هذه الاستشارات، تم تحديد القائمة النهائية المكونة من 20 تكنولوجيا لعرضها على المجلس الاستشاري.
الدرجات الكمية والنوعية
قبل تقديم القائمة إلى المجلس الاستشاري، تم تقييم كل من التقنيات العشرين وفقاً لدرجتين إضافيتين تقيسان الأثر والجاذبية التجارية.
تم تطوير درجة الأثر باستخدام إطار عمل ""المرونة من أجل النمو المستدام والشامل"" التابع لتحالف المرونة في المنتدى الاقتصادي العالمي، والذي يركز على إمكانات التقنيات لمعالجة التحديات المنهجية وبناء القدرة على التكيف للأجيال القادمة. وكلما زاد عدد مجالات التحدي المنهجي التي يتوقع أن تعالجها التكنولوجيا، ارتفعت درجتها على مقياس من 1 إلى 5.
وتم تطوير درجة الجاذبية التجارية من خلال صياغة استعلام بحثي لكل تكنولوجيا مرشحة وسحب إجمالي التمويل وأعداد الشركات من قاعدة بيانات سي بي إنسايتس عبر نافذتين زمنيتين تقيسان النشاط الأخير والنشاط على المدى الطويل. وتم تطبيق تحويل لوغاريتمي لتسوية القيم المتطرفة، ثم تم تقييس النتائج لتصبح على مقياس من 0 إلى 100. وجرى بعد ذلك حساب درجة مركبة مرجحة عبر ثلاثة أبعاد: التمويل بنسبة 45 في المئة، وكثافة الشركات النشطة بنسبة 30 في المئة، ووتيرة التسارع الأخيرة مقارنة بالنشاط التاريخي بنسبة 25 في المئة.
المجلس الاستشاري
اجتمع المجلس الاستشاري وصوت على التقنيات لإدراجها وترشيحات الحالات الاستثنائية في اجتماعين مدة كل منهما 90 دقيقة في فبراير من عام 2026. واتبعت المداولات أسلوب دلفي المعدل، حيث قدم أعضاء المجلس تقييمات مجهولة المصدر من خلال استطلاع مهيكل قبل الاجتماعات وصقلوا وجهات نظرهم من خلال مناقشات ميسرة عبر الجلستين. وقاد الاجتماعات الرؤساء المشاركون للتقرير واسترشدت بالبحوث والاستشارات التي أُجريت طوال العملية.
خرائط التحول
لاستكمال الآفاق الاستراتيجية، تم تطوير خرائط التحول بواسطة منصة الذكاء الاستراتيجي التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي وجرى تنسيقها بالاشتراك مع خبراء بارزين في هذا المجال لربط كل تكنولوجيا بالأنظمة الأوسع والأولويات العالمية والتداعيات عبر المجالات المختلفة. وتقدم هذه الخرائط، المستضافة على منصة الذكاء الاستراتيجي للمنتدى، لصناع القرار مورداً حياً لتتبع التطورات الجارية عبر التكنولوجيا والصناعة والسياسات.
الآفاق الاستراتيجية
يتم استكشاف التقنيات الناشئة أولاً من حيث فوائدها ومخاطرها المحتملة، ثم يتم تقييمها في مواجهة الشروط الرئيسية اللازمة للنجاح، مثل الجاهزية التكنولوجية والتنظيم والطلب في السوق والأثر المجتمعي. ويتم استكشافها ضمن سياق الاتجاهات الكبرى ذات الصلة لفهم الفرص والتحديات وحالات عدم اليقين المستقبلية بشكل أفضل.
الاتجاهات العشرة الكبرى لمؤسسة دبي للمستقبل لعام 2026
ثورة المواد: ابتكار المواد الذي يعيد تشكيل الصناعات والمنتجات والاستهلاك اليومي.
البيانات اللامتناهية متعددة الأبعاد: البيانات عالية السرعة وعالية الحجم ومتعددة الأنواع التي تقود الرؤى في الوقت الحقيقي.
الثغرات التكنولوجية: التهديدات السيبرانية المعقدة والمتزايدة عبر القطاعات والتي تتطلب حلولاً أمنية مرنة وقابلة للتكيف.
إعادة تحديد التمويل والأنظمة النقدية: التمويل الرقمي اللامركزي والمفاهيم المتطورة للقيمة التي تعيد تشكيل المال والاستثمار والثروة والأنظمة التي تحكمها.
النظم البيئية المتطورة: الاستدامة التي تركز على النظام البيئي وتضع في أولوياتها التجدد والمرونة والاحتياجات البشرية.
عالم بلا حدود واقتصادات مرنة: الأنظمة الرقمية عابرة الحدود التي تعيد تشكيل الحوكمة والاقتصادات والمجتمعات العالمية.
الواقع الرقمي: العوالم الرقمية الغامرة التي تعيد تعريف الواقع والتفاعل والتجربة الإنسانية.
الحياة مع الروبوتات المستقلة والأتمتة: توسع الروبوتات والأتمتة الذي يغير الصناعات ويثير في الوقت ذاته التحديات الأخلاقية وفرص وتحديات القوى العاملة.
مستقبليات البشرية: الهوية البشرية المتطورة التي تعيد تشكيل العمل والانتماء والمعايير المجتمعية.
الصحة والتغذية المتقدمة: التقنيات المتقاربة التي تعمل على تعزيز الصحة وطول العمر والأنظمة الغذائية المستدامة.
ويوازن هذا النهج بين التفكير الاستشرافي والتأسيس العملي، حيث يتخيل المستقبل المرغوب فيه مع تحديد مثال واقعي لتأثير الصناعة.
البناء نحو التوسع
بناءً على الآفاق الاستراتيجية، وضعت مؤسسة دبي للمستقبل دعوات رئيسية للعمل لدعم مسار كل تكنولوجيا نحو التوسع. وتم تطوير هذه الدعوات آلياً وتنقيتها لضمان الاتساق وتوزيعها على ست مجموعات من فئات صناع القرار الرئيسيين للإشارة إلى الإجراءات التي يمكن لكل مجموعة اتخاذها حسب الاقتضاء.
مجموعات صنع القرار لتوسيع نطاق التكنولوجيا
السياسات والتنظيم
وضع القواعد
الحكومات الوطنية، ووزارات الطاقة أو الصحة، والوكالات البيئية، والجهات التنظيمية المالية، والبنوك المركزية.
المطورون والمصنعون
البناء والطرح في السوق
شركات التكنولوجيا، وشركات الهندسة، ومصنعو الأدوية والتكنولوجيا الحيوية، ومنتجو الأجهزة، ومطورو المنصات البرمجية.
رأس المال والمخاطر
تخصيص رأس المال وتغطية المخاطر
المستثمرون المؤسسيون، ومؤسسات تمويل التنمية، وصناديق الثروة السيادية، وممولو الصحة العالميون، وشركات التأمين.
البنية التحتية والمشتريات
تشغيل ونشر الأنظمة
مشغلو الشبكات والمرافق الخدمية، وشبكات المستشفيات، وسلطات المياه البلدية، والبنية التحتية الرقمية الحيوية، وهيئات المشتريات في القطاع العام.
الأبحاث والأوساط الأكاديمية
توليد المعرفة
الجامعات، والمؤسسات البحثية الوطنية، وشبكات التجارب السريرية، والهيئات الاستشارية العلمية المستقلة، وشبكات البيانات المشتركة.
المعايير والاعتماد
وضع المعايير المرجعية المشتركة
الهيئات الدولية لوضع المعايير، والتحالفات الصناعية، وهيئات الاعتماد المهني، وأنظمة تقييم المباني.
