تنطوي أحدث التطورات في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتكنولوجيا الحيوية على إمكانات كبيرة للارتقاء بمستويات المعيشة، وتعزيز الإنتاجية، ودفع عجلة النمو الأكثر استدامة. ومع ذلك، وعلى الرغم من الاستثمارات القياسية، لا تزال حلول كثيرة تواجه صعوبة في تجاوز حدود المختبر والتحول إلى منافع اقتصادية ملموسة في العالم الحقيقي. وبذلك، لم تُستثمر الإمكانات الكاملة للابتكار بعد. وستكون الشراكات بين القطاعين العام والخاص العامل الأساسي لإطلاق هذه الإمكانات.
لا تقتصر المرحلة المقبلة من الابتكار على تحقيق اختراقات علمية وتقنية جديدة، بل تشمل بالقدر نفسه تسريع انتشار التقنيات الناشئة. ولتسريع هذا الانتشار، سيكون التعاون بين الحكومات وقطاع الأعمال والمجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية ضرورياً لتقاسم المخاطر، وتسهيل الوصول إلى الأسواق، وضمان أن تُحدث الاختراقات التكنولوجية أثراً إيجابياً في المجتمعات. ومن شأن الاستفادة من هذه الإمكانات الابتكارية أن تتيح فرصاً لتعزيز المرونة الاقتصادية على المستويين الوطني والعالمي، وهو أمر بالغ الأهمية، لا سيما في ظل التوترات الجيو-اقتصادية والحروب الراهنة.
تواجه المناطق المختلفة تحديات متباينة بسبب اختلاف نقاط قوتها ومصالحها. وتتمتع الولايات المتحدة بميزة كبيرة تتمثل في أسواق رأس المال العميقة، ما يجعلها قوة كبرى في مجال الاستثمار الخاص. ففي عام 2025 وحده، جرى استثمار 339 مليار دولار في الشركات الناشئة في الولايات المتحدة، وكان نحو ثلثي هذا المبلغ موجهاً إلى الشركات التي تركز على الذكاء الاصطناعي. غير أن هذه الاستثمارات غالباً ما تتركز في نطاق ضيق من التقنيات، في حين تعاني الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة والمجالات غير المرتبطة بالذكاء الاصطناعي من نقص التمويل والموارد اللازمة للتوسع.
وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، تقود أوروبا السياسات الصناعية الخضراء من خلال مبادرات كبرى، مثل قانون الصناعة المحايدة كربونياً الذي وضعته المفوضية الأوروبية بهدف تسريع تصنيع التقنيات النظيفة محلياً ودعم التحول في قطاع الطاقة. كما تحتضن أوروبا أبحاثاً ومواهب من أعلى المستويات، مدعومة بقاعدة صناعية قوية. ومع ذلك، يمكن لثقافة الابتكار في المنطقة أن تستفيد من بعض الديناميكيات الريادية السائدة في الولايات المتحدة، خصوصاً في ما يتعلق بالإقدام على المخاطر. كما تتسم البيئة الاستثمارية الأوروبية بمزيد من الحذر. لكن القادة الأوروبيين يعملون على تعزيز الوصول إلى رأس المال والحد من تجزؤ الأسواق.
وفي الوقت نفسه، تستفيد الشركات الناشئة في الصين من دعم حكومي كبير، أسهم بصورة ملحوظة في تعزيز المكانة العالمية للبلاد في مجال الابتكار خلال العقد الماضي. ويضع مؤشر الابتكار العالمي الصين اليوم ضمن الدول العشر الأولى عالمياً في الابتكار. وقد حفز الاستثمار الحكومي طويل الأجل في البنية التحتية نشاط الشركات. فعلى سبيل المثال، تمثل خطوط نقل الكهرباء فائقة الجهد العمود الفقري للتحول المتسارع في قطاع الطاقة في الصين، كما أسهمت في التوسع الكبير في تطوير المركبات الكهربائية.
وفي ظل هذا المشهد العالمي المتباين، تقدم سويسرا دروساً مفيدة. فقد احتلت في عام 2025 المرتبة الأولى عالمياً بين الاقتصادات الأكثر ابتكاراً للعام الخامس عشر على التوالي. والأهم من ذلك أن البلاد تتفوق في الربط بين المؤسسات الأكاديمية والقطاع الخاص. فهي تضم جامعات مرموقة تنتج أبحاثاً عالمية المستوى، إلى جانب جامعات تقنية تقدم برامج تدريب مهني متخصصة. وتوفر وكالة «إنوسويس»، وهي الوكالة الحكومية السويسرية المعنية بالابتكار، التمويل للمشروعات الابتكارية من خلال الجامعات، التي تتقاسم بدورها منافع الملكية الفكرية مع الشركات الناشئة. ويسمح الجمع بين المؤسسات البحثية والشركات الناشئة في مرحلة مبكرة للمشروعات بالحصول على التمويل قبل أن تتمكن من الوصول إلى رأس المال الاستثماري، ما يمهد الطريق أمام الأفكار للانتقال من المختبر إلى السوق.
وقد يكون من المفيد للدول الأخرى التي ترغب في تحفيز الابتكار أن تحاكي هذا الترابط بين الحكومة وقطاع الأعمال والمؤسسات الأكاديمية، الذي أثبت نجاحه في سويسرا. فمن المؤكد أن أياً من هذه الجهات لا يستطيع النجاح بمعزل عن الآخرين، كما أن فاعلية القطاعين العام والخاص، إلى جانب المؤسسات الأخرى والمجتمع المدني، ستعتمد على مدى قدرتها على العمل معاً بوصفها أطرافاً متكاملة.
ومن حيث المبدأ، تستطيع الحكومات المساعدة في تحمل المخاطر الأولية مع نمو الشركات. فغالباً ما تتطلب التقنيات الناشئة رؤوس أموال ضخمة مقدماً، ويمكن للتمويل العام أن يحدث فرقاً كبيراً، لا سيما في مراحل البحث الأولية وفي تطوير البنية التحتية.
كما يمكن للحكومات دعم شراء الابتكارات. وتُعد وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» مثالاً على ذلك، إذ تؤدي في كثير من الأحيان دور العميل الأول للتقنيات التي لم تُختبر بعد. وينطبق الأمر نفسه على المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية «سيرن»، وهي مختبر دولي للفيزياء يقع على الحدود الفرنسية السويسرية، وتؤدي دوراً حاسماً في تبني التقنيات الجديدة في السوق من خلال نماذج المشتريات السابقة للتسويق. وفي بعض القطاعات، بدأت الشركات الخاصة تتولى بصورة متزايدة أدواراً كانت الحكومات تؤديها سابقاً، خصوصاً عندما تمتلك القدرة على الانتقال بسرعة من الابتكار إلى التطبيق، كما هو الحال مع شركة «سبيس إكس»، التي طرحت أسهمها مؤخراً للاكتتاب العام في خطوة حظيت باهتمام واسع. كذلك، تُعد المرونة التنظيمية عاملاً أساسياً، كما يوضح نموذج البيئة التنظيمية التجريبية للتكنولوجيا المالية التابعة لهيئة الإشراف على الأسواق المالية السويسرية «فينما»، التي تتيح للشركات الناشئة العاملة في تقنيات البلوك تشين والأصول الرقمية اختبار ابتكاراتها المالية من دون الحصول على ترخيص مصرفي رسمي.
وبالتوازي مع ذلك، يمكن للمؤسسات الأكاديمية تطوير قاعدة مستمرة من الأفكار والمواهب. ويُعد مجال التكنولوجيا العميقة واعداً بصورة خاصة، ولا سيما التقنيات الكمية، حيث تفتح عقود من الأبحاث الأكاديمية آفاقاً جديدة لتطبيقات مثل اكتشاف الأدوية. كما سيقدم المجتمع المدني إسهامات حيوية من خلال ترسيخ التطوير الأخلاقي، ومعالجة المخاوف المجتمعية، وبناء الثقة العامة بين المستهلكين والمبتكرين.
ويمكن للتعاون الدولي أن يعزز هذه الديناميكيات بصورة أكبر. فالشبكات العابرة للحدود لا توسع نطاق البحث العلمي فحسب، بل تزيد أيضاً من وتيرة الاختراقات العلمية وتدعم تكامل الأسواق، ما يساعد على التخفيف من التعقيدات الناجمة عن التوترات الجيو-اقتصادية الأخيرة. ومن الأمثلة الإيجابية على التعاون بين القارات الصندوق الخاص لسلسلة الصناعات الخضراء بين الصين وأفريقيا، الذي يستخدم آليات مدعومة من القطاع العام لإنشاء مشروعات الطاقة الخضراء والتنمية الصناعية وتنفيذها.
وستكون المرحلة المقبلة من الابتكار من نصيب الجهات التي توظف الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتعزيز ميزتها التنافسية. وفي عصر يتسم بانقسامات جيوسياسية عميقة، واضطرابات متزايدة، وتراجع الثقة، أصبحت هذه الميزة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
