تشهد الآونة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في التوجهات المناهضة لاستخدام واقيات الشمس، ويبدو أن هذا التيار يتغذى جزئيًا على تنامي حالة من التشكيك في بعض الأوساط تجاه التوصيات الطبية التقليدية والقرارات الصادرة عن الهيئات التنظيمية الفيدرالية. وفي سياق هذا الجدل، اتهم روبرت كينيدي جونيور بصفته الشخصية في الخريف الماضي إدارة الغذاء والدواء الأمريكية بشن ما وصفه بـ ""الحرب"" أو ""التعتيم الممنهج"" على منافع أشعة الشمس. وفي الوقت ذاته، انضم عدد من المشاهير والمؤثرين مثل كريستين كافالاري وغوينيث بالترو وسامانثا فايرز إلى هذا التيار، حيث شكك بعضهم في سلامة المكونات الكيميائية للواقيات التقليدية، بينما ركز آخرون على الإشادة بالفوائد الصحية والمباشرة لأشعة الشمس.
وتستند مخاوف هذا التيار المناهض جزئيًا إلى معطيات علمية تبين أن المواد الكيميائية الموجودة في بعض واقيات الشمس تتسرب بالفعل إلى مجرى الدم، فضلًا عن أن التعرض للشمس يحفز إنتاج فيتامين د الذي يرتبط بطيف واسع من الفوائد الصحية. ورغم هذه المخاوف، لا توجد حتى الآن أدلة علمية تثبت أن وصول هذه المواد إلى الدم يلحق ضررًا فعليًا بالجسم. ولأن الدور الوقائي لواقيات الشمس في الحد من سرطان الجلد أمر مثبت علميًا، فإن أطباء الجلد ومسؤولي إدارة الغذاء والدواء ما زالوا يوصون بشدة باستخدامها. وبناءً على ذلك، فإن الخيار الأمثل يظل قرارًا فرديًا يبنى على معرفة طبيعة البشرة ولونها، بهدف تحقيق التوازن الصحيح بين اغتنام فوائد الشمس وتجنب أضرارها.
وتسجل الولايات المتحدة سنوياً نحو خمسة ملايين ونصف المليون حالة إصابة بسرتان الجلد، ويأتي سرطان الخلايا القاعدية وسرطان الخلايا الحرشفية في صدارة الأنواع الأكثر شيوعًا. وعلى الرغم من أن الميلانوما (سرطان الجلد الأسود) يمثل النسبة الأقل من بين الحالات، إلا أنه يظل الشكل الأكثر فتكًا بهذا المرض. ووفقًا لتقديرات جمعية السرطان الأمريكية، يُتوقع أن يتسبب الميلانوما في وفاة أكثر من 8000 شخص هذا العام. كما أظهرت دراسة بريطانية أن 86 في المئة من حالات الإصابة بالميلانوما تعود مباشرة إلى الأشعة فوق البنفسجية، سواء تلك المنبعثة من الشمس أو القادمة من مصادر اصطناعية مثل أجهزة تسمير البشرة. ويعد التعرض الطويل لهذه الأشعة عامل خطر حاسم في الإصابة بسيرطان الجلد وظهور علامات الشيخوخة المبكرة على البشرة، بالإضافة إلى أضرار أخرى محتملة مثل الأمراض الجلدية الالتهابية الناجمة عن الضوء (الاعتلالات الجلدية الضوئية) ومشاكل العيون مثل المياه البيضاء (إعتام عدسة العين).
ومن الملاحظ غياب أي ارتباط واضح بين التعرض للأشعة فوق البنفسجية وإصابة أصحاب البشرة الداكنة بالميلانوما، وإن كان هذا الارتباط يظهر لدى أصحاب البشرة الملونة ذات الدرجات الفاتحة. وتؤكد مؤسسة سرطان الجلد أن سرطان الخلايا الحرشفية لدى المرضى ذوي البشرة السمراء يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتعرض للأشعة فوق البنفسجية. كما أن الإفراط في التعرض لأشعة الشمس يتسبب في اضطرابات التصبغ وظهور بقع غير متجانسة وأضرار بنيوية مختلفة لكل أنواع البشرة دون استثناء. ولذلك، تحث الأكاديمية الأمريكية لأمراض الجلد الجميع على تطبيق واقٍ شمسي بمعامل حماية لا يقل عن 30، مع الاستعانة بوسائل حماية إضافية مثل القبعات، الملابس الساترة، النظارات الشمسية، والحرص على البقاء في الظل خلال الساعات التي تبلغ فيها الأشعة فوق البنفسجية ذروتها.
ومع ذلك، تظهر الأبحاث أن بعض المكونات الكيميائية في واقيات الشمس يمكن أن تخرق حاجز الجلد لتصل إلى مجرى الدم بتركيزات تتجاوز الحدود التي تشترطها إدارة الغذاء والدواء للموافقة دون فحوصات إضافية. ففي عام 2019، كشفت دراسة أشرف عليها باحثون من الإدارة أن أربعة مكونات نشطة شائعة في هذه المستحضرات وهي الأفوبرينزون، الإيكامسول، الأوكتوكريلين، والأكسيبينزون، وصلت إلى الدم بمستويات مرتفعة تستدعي إجراء بحوث تعمقية. وجاءت دراسة لاحقة عام 2020 لتشمل ثلاثة من هذه المكونات مع ثلاثة أخرى، لتؤكد حقيقة الامتصاص المنهجي للجسم لهذه المواد النشطة. وفي عام 2022، أفادت إدارة الغذاء والدواء بأن ثلاثة من المكونات الأربعة الخاضعة للفحص لم تنل تصنيف ""المواد الآمنة والفعالة عمومًا"" نظرًا للحاجة الملحّة إلى مزيد من البيانات العلمية.
ورغم هذه النتائج، حرصت إدارة الغذاء والدواء في خلاصة دراستها لعام 2020، وكذلك في التوضيحات الصادرة عنها عام 2022، على تأكيد أن هذه المؤشرات لا تعني أبدًا توقف الناس عن استخدام واقيات الشمس. وفي بيان مستقل نُشر سابقًا على منصتها الرقمية، أعادت الوكالة التأكيد على أن هذه النتائج لا تعني استنتاج الإدارة بأن المكونات المختبرة غير آمنة، كما أن المطالبة ببيانات إضافية لا تعد مؤشرًا على عدم سلامتها.
وتستند مخاوف هذا التيار المناهض جزئيًا إلى معطيات علمية تبين أن المواد الكيميائية الموجودة في بعض واقيات الشمس تتسرب بالفعل إلى مجرى الدم.
فهل تستدعي مسألة وصول هذه المكونات إلى الدم كل هذا القلق؟ من الأهمية بمكان الالتفات إلى أن تجارب إدارة الغذاء والدواء أُجريت في ظروف استخدام قصوى مكثفة، حيث طُليت أجساد المشاركين بنسبة 75 في المئة بمعدل أربع مرات يوميًا وعلى مدار أربعة أيام متتالية. ومع ذلك، رصدت دراسة عام 2020 نسب الامتصاص حتى بعد استخدام واقي الشمس لمرة واحدة فقط، ووجدت أن كافة المكونات النشطة ظهرت في مجرى الدم بتركيزات تخطت السقف المحدد من قِبل الإدارة لتجاوز فحوصات السلامة الإضافية. ورغم أن الدراسة شددت على أن هذا الأمر لا يدعو لترك واقيات الشمس، إلا أن الأشخاص الذين يتوجسون من دخول هذه المركبات الصناعية إلى أجسادهم يمكنهم الاستعاضة عنها بالاعتماد على الواقيات الشمسية المعدنية.
وتنقسم تركيبات واقيات الشمس إجمالاً إلى فئتين رئيستين: الكيميائية والفيزيائي. وتعتمد الواقيات الكيميائية على الجزيئات العضوية، في حين تحتوي الواقيات المعدنية على مركبات غير عضوية مثل ثاني أكسيد التيتانيوم وأكسيد الزنك. وخلافًا للتصور الشائع بأن الواقيات الفيزيائية تعمل كمرآة تعكس الأشعة فوق البنفسجية فيزيائيًا، فإن كلا الفئتين تقومان بامتصاص الأشعة وتحويل طاقتها إلى حرارة، مع قيام الواقيات المعدنية بتشتيت جزء ضئيل جداً من الضوء. ويمتاز ثاني أكسيد التيتانيوم وأكسيد الزنك بعدم قدرتهما على اختراق الجلد للوصول إلى مجرى الدم، ولذلك اقترحت إدارة الغذاء والدواء إدراجهما رسميًا ضمن فئة ""المواد الآمنة والفعالة عمومًا"" دون إلزام الشركات بإجراء اختبارات سلامة إضافية عليها.
وعند النظر إلى المشهد العلمي بكافة أبعاده، يحذر اختصاصيو أمراض الجلد من أن الامتناع التام عن استخدام واقيات الشمس ينطوي على مخاطر جسيمة تفوق بكثير المخاوف المثارة حول امتصاص الجسم لبعض مكوناتها.
وفي هذا الصدد، يرى آلان جيلر، الباحث في مجال الوقاية من سرطان الجلد بكلية هارفارد تي إتش تشان للصحة العامة، أن التجربة العشوائية القائمة في أستراليا تمثل الدليل الأبرز على فاعلية واقيات الشمس في مكافحة الميلانوما. وثمة تجارب عشوائية منضبطة أخرى شملت فترات متابعة ممتدة أكدت أن الاستخدام المنتظم لواقي الشمس يحد بوضوح من نسب الإصابة بسيرطان الخلايا الحرشفية والميلانوما. وبيّنت دراسة رصدية موسعة أُجريت في النرويج أن النساء اللواتي استخدمن واقياً شمسيًا بمعامل حماية 15 أو أكثر تراجعت لديهن معدلات الإصابة بالميلانوما بنسبة 33 في المئة مقارنة بمن استخدمن درجات حماية أقل.
ومع وجود براهين قاطعة على أن واقي الشمس يقلل بنسبة كبيرة من خطر الإصابة بسيرطان الخلايا الحرشفية، فإن الأدلة المتعلقة بقدرته على منع الميلانوما لا تزال شحيحة نسبيًا، والأهم من ذلك أن المعطيات المتوفرة ليست حاسمة تمامًا. فعلى سبيل المثال، لم يؤكد تحليل شمولي أُجري عام 2018 المنافع الوقائية المفترضة لواقي الشمس ضد سرطان الجلد لدى عموم الناس. وتزامنًا مع ذلك، شهدت العقود الأخيرة ارتفاعًا مستمرًا في معدلات الإصابة بالميلانوما في الولايات المتحدة، على الرغم من الإقبال المتزايد على استخدام واقيات الشمس.
وقد طرح بعض الباحثين فرضيات لتفسير هذا التناقض الظاهري، وتنوعت هذه التفسيرات لتشمل شعور الناس الخادع بالأمان مما يدفعهم لقضاء أوقات أطول تحت أشعة الشمس لمجرد وضعهم للواقي، أو عدم تطبيق المستحضر بكثافة كافية، بالإضافة إلى تأثيرات التغير المناخي، وزيادة الوعي بالمرض التي أدت لزيادة الفحوصات، وتطور الأدوات التشخيصية، وحتى احتمالية الإفراط في تشخيص الحالات. وبتعبير آخر، قد تعود زيادة الإصابات إلى عوامل أخرى تمامًا لا صلة لها بمدى كفاءة واقي الشمس.
وينفي المتخصصون تمامًا المزاعم القائلة بأن واقي الشمس نفسه قد يسبب السرطان، حيث صرحت زاكيا رحمان، الأستاذة الإكلينيكية لأمراض الجلد بكلية الطب بجامعة ستانفورد، في مراسلة إلكترونية قائلة: ""إن منصات التواصل الاجتماعي تفيض بالمعلومات المغلوطة، وأظن أن متابعيها يجهلون أن واقيات الشمس ووسائل الحماية منها تمثل خط الدفاع الأول الذي يوصي به الأطباء لمنع نشوء سرطان الجلد. إن ادعاء ضررها يشبه تمامًا القول بأن أحزمة الأمان هي السبب وراء حوادث السيارات"".
ولكن، ماذا عن الجانب الآخر المتعلق بالفوائد الحقيقية لأشعة الشمس؟
في عام 2020، طرحت مجموعة من الباحثين من الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا ورقة علمية حملت عنوان ""الحرمان من أشعة الشمس غدا مشكلة حقيقية تواجه الصحة العامة"". وأوضح الباحثون أن الأدلة العلمية المتراكمة على مدار العقد الماضي تشير إلى أن غياب التعرض الكافي للشمس قد يكون مسؤولاً عن مئات الآلاف من الوفيات سنويًا حول العالم.
شهدت العقود الأخيرة ارتفاعًا مستمرًا في معدلات الإصابة بالميلانوما في الولايات المتحدة، على الرغم من الإقبال المتزايد على استخدام واقيات الشمس.
إذ تحفز الشمس قدرة الجسم الذاتية على إنتاج فيتامين د، وهو الركيزة الأساسية لصحة العظام وكفاءة جهاز المناعة. وثمة آليات حيوية أخرى تتجاوز مسألة الفيتامينات، حيث تبين أن الموجات الضوئية الطويلة تحسن من أداء الميتوكوندريا (مراكز الطاقة في الخلايا)، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على وظائف حيوية مثل جودة الرؤية.
وتأسيسًا على ذلك، قامت هيئات الصحة العامة في أستراليا بتحديث إرشاداتها لتوازن بين منافع الشمس وضرورة مراعاة لون البشرة عند تقديم النصح الطبي. فبينما يُطالب أصحاب البشرة الشاحبة الشديدة أو البشرة الحنطية والفاتحة ممن يمتلكون عوامل خطر أخرى بتوخي ""أقصى درجات الحذر""، يُسمح لأصحاب البشرة الداكنة بالاستغناء تمامًا عن واقيات الشمس، إلا في حال قضاء فترات طويلة في الهواء الطلق تحت مؤشر أشعة فوق بنفسجية معتدل أو مرتفع. أما من تقع طبيعة بشرتهم بين هاتين الفئتين، فيصنفون ضمن الفئات متوسطة الخطورة ولهم بروتوكول وقائي خاص.
وعندما يدعي مناهضو واقيات الشمس أن هذه المستحضرات تحرم الإنسان من هبات الطبيعة وأشعتها المفيدة، فإنهم يتبنون نظرة قاصرة ومبسطة للأمور؛ إذ يتناسون دور الواقي كدرع حماية أساسي، ويتغافلون عن وجود طرق آمنة تمامًا للاستفادة من الشمس عبر التعرض المعتدل لها. وفي هذا السياق، تشير الدكتورة رحمان إلى أنها شخصيًا تحرص على المشي في وقت الغروب، وتعتمد على التعرض لضوء الصباح الباكر لضبط ساعتها البيولوجية عند السفر بين مناطق زمنية مختلفة. ومثل هذه الأنشطة، التي تتم خارج أوقات الذروة للأشعة فوق البنفسجية، تمثل النموذج المثالي للجمع بين محاسن أشعة الشمس وتجنب أخطارها.
