القائمة الرئيسية

أمن الطاقة: الركيزة الأساسية لخلق فرص العمل

أمن الطاقة: الركيزة الأساسية لخلق فرص العمل
ملخص المقال

يبرز المقال أن استمرار حرق الغاز المصاحب لإنتاج النفط يمثل خسارة اقتصادية وإنسانية كبيرة، إذ أُهدر عالميًا نحو 167 مليار متر مكعب من الغاز في عام 2025، وهي كمية تكفي لتلبية استهلاك أفريقيا السنوي. ويوضح أن استغلال هذا الغاز بدلًا من حرقه يمكن أن يعزز أمن الطاقة، ويوفر كهرباء مستقرة، ويخفض الاعتماد على الواردات، ويخلق فرص عمل، ويحفز الاستثمار، فضلًا عن تحسين مستوى المعيشة عبر توفير وقود أنظف للطهي. كما يشير إلى نجاح دول مثل كازاخستان والأرجنتين في خفض الحرق من خلال الاستثمار في البنية التحتية والتنظيم الفعال، مؤكدًا أن الاستثمار في جمع الغاز المصاحب مجدٍ اقتصاديًا، إذ يمكن استرداد تكلفته خلال فترة قصيرة مع تحقيق مكاسب مستدامة للاقتصاد والبيئة.

حينما تعتري سلاسل إمدادات الغاز أي خلل، تبدأ تبعات ذلك في الظهور جلياً على الدول؛ إذ تضطرب منظومات الطاقة، وتتباطأ وتيرة الإنتاج في المصانع، وتلجأ الشركات إلى تقليص نطاق أعمالها، مما يمس بشكل مباشر مقومات العيش اليومي للأفراد. وتتفاقم هذه الضغوط بشكل حاد في الدول التي تعاني من ارتفاع معدلات حرق الغاز، وتتسم فيها سبل الوصول إلى مصادر الطاقة بالهشاشة.

في كل عام، يصدر البنك الدولي ""المرصد العالمي لحرق الغاز""، وفي كل عام نجد أنفسنا أمام التساؤل الجوهري ذاته: لماذا لا يزال العالم يفرّط في كميات طائلة من الغاز الطبيعي المستخرج عرضياً أثناء عمليات إنتاج النفط، رغم ما يمثله ذلك من خسارة اقتصادية فادحة؟

وتشير أحدث التقارير إلى أن العالم قد أحرق خلال عام 2025 ما يقرب من 167 مليار متر مكعب من الغاز، وهي كمية تضاهي إجمالي ما تستهلكه القارة الأفريقية بأكملها في عام واحد. وقد شهدت حقول النفط العالمية تصاعداً في عمليات الحرق للعام 3 على التوالي، وهو نهج ستظل تداعياته ممتدة لسنوات طويلة.

التكلفة الإنسانية لغياب أمن الطاقة

إن أبعاد هذه المشكلة تتجاوز مفاهيم أمن الطاقة التقليدية المرتبطة بالتوازنات الجيوسياسية وسلاسل التوريد والاحتياطيات الاستراتيجية. فبالنسبة للفرد العادي الذي يفتقر إلى أمن الطاقة، المسألة أكثر إلحاحاً وبساطة: هل سيجد التيار الكهربائي متوفراً غداً؟ هل سيتمكن المصنع من مواصلة العمل في وردية إضافية؟ هل سأمتلك المقومات اللازمة لتشغيل متجري؟

تعد الكهرباء الموثوقة حجر الزاوية الذي تُشيد عليه الاقتصادات وتُخلق بفضله فرص العمل. ففي كل مرة ينقطع فيها التيار، يتكبد أصحاب المشاريع الصغيرة خسائر في ساعات العمل الإنتاجية وعوائد مالية لا سبيل لتعويضها. وفوق ذلك، تظل الكهرباء المستقرة شرطاً لا غنى عنه لجذب الاستثمارات الخاصة؛ فمتى استبدت حالة عدم اليقين بجدوى الطاقة أو تكلفتها بالمستثمرين، تضاءلت جاذبية المشاريع، ووجه المستثمرون رؤوس أموالهم نحو وجهات أخرى، مما يحرم الاقتصاد المحلي من فرص عمل كانت ستتحقق لولا هذا العائق.

واللافت للنظر أن هذا الغاز الذي يُهدر حرقاً في حقول النفط في كثير من الدول، هو ذاته الغاز الذي يمكنه تشغيل شبكات الكهرباء الوطنية وضمان ديمومة الأعمال. ومن المفارقات أن العديد من هذه الدول تضطر لاستيراد الغاز بتكلفة باهظة بينما تحرق في الوقت ذاته كميات ضخمة من غازها الخاص، مما يضع قطاع الطاقة لديها تحت رحمة صدمات الأسعار العالمية، ويحمل مواطنيها أعباء مالية كان يمكن تجنبها.

استغلال الغاز المحروق: رافعة للتنمية الاقتصادية

غالباً ما ينصبُّ التركيز عند الحديث عن وقف الحرق الروتيني للغاز على الجوانب البيئية والحد من الانبعاثات، وهو أمر بالغ الأهمية بلا شك، إلا أن الجدوى الاقتصادية لهذا التوجه لا تقل أهمية. فاستغلال الغاز المصاحب لتوليد الطاقة محلياً لا يقتصر أثره على تأمين التيار الكهربائي فحسب، بل يمتد لخلق فرص عمل في مختلف مراحل سلسلة القيمة.

تبدأ الفائدة بخلق وظائف مباشرة عالية القيمة، من مهندسين وفنيين وعمال متخصصين في بناء وتشغيل بنية الغاز التحتية. وتتوسع الدائرة لتشمل آثاراً غير مباشرة؛ كإتاحة الفرصة للمشاريع الصغيرة للعمل باستقرار، وتمكين المصانع من رفع طاقتها الإنتاجية، وجذب استثمارات جديدة إلى مناطق لم تكن مؤهلة من قبل. كما يمكن معالجة الغاز المصاحب لتحويله إلى غاز البترول المسال، الذي يُعد من أنظف وأكثر أنواع وقود الطهي توفراً. ويشير تقرير ""تتبع الهدف 7 من أهداف التنمية المستدامة"" إلى أن 2 مليار نسمة لا يزالون يعتمدون على تقنيات ووقود ملوث للطهي، مما يهدد صحتهم. إن تحويل هذا الغاز إلى غاز بترول مسال يخفف العبء اليومي عن الأسر، ولا سيما النساء اللواتي يستهلكن ساعات طوال في جمع وقود الكتلة الحيوية التقليدي، مما يمنحهن وقتاً ثميناً للتعليم أو العمل أو تطوير مشاريعهن الخاصة.

وقد نجحت دول عديدة في تحويل هذه التحديات إلى فرص اقتصادية وبيئية؛ فكازاخستان، على سبيل المثال، استطاعت خفض عمليات الحرق بنسبة 87% خلال العقد الأخير بفضل الصرامة التنظيمية والاستثمار الواعي في البنية التحتية. وفي الأرجنتين، تشهد منطقة ""فاكا مويرتا"" تخفيضات ملموسة في حرق الغاز من خلال توسيع خطوط الأنابيب ومعامل المعالجة، مما يثبت للعالم أن زيادة الإنتاج والحد من الهدر وجهان لعملة واحدة.

جدوى الاستثمار: حجة لا تقبل الجدل

إن القضاء على الحرق الروتيني للغاز يتطلب استثمارات تتراوح ما بين 70 و100 مليار دولار. وإذا ما قارنا هذا الرقم بالقيمة الاقتصادية للغاز الذي يُحرق سنوياً، والتي تناهز 54 مليار دولار، نجد أن استعادة رأس المال قد لا تتجاوز عامين، تليها سنوات طويلة من العوائد المالية، وتوفير تكاليف الواردات، ورفد خزينة الدولة بالإيرادات الضريبية، وخلق فرص العمل المستدامة.

بالنسبة لدول كبرى تعتمد على استيراد كميات ضخمة من الغاز مثل مصر والهند والعراق، فإن تجميع الغاز المصاحب ليس مجرد استراتيجية طاقة رشيدة، بل هو ضرورة مالية ملحة. فكل متر مكعب يُنقذ من شعلة الحرق ويوجه للسوق المحلي يغنينا عن استيراد متر مكعب من الغاز المكلف، ويخفض فاتورة الاستيراد وعبء الدعم الحكومي.

ومع ما شهده العالم في السنوات الأخيرة من تقلبات، أصبحت الحاجة إلى تعزيز أمن الطاقة ودعم الميزانيات الحكومية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. ونحن ندعوكم للاطلاع بعمق على تفاصيل ""المرصد العالمي لحرق الغاز"" لهذا العام، لما يحمله من تحليل شامل لهذه الفرص الواعدة.

مقالات ذات صلة