وقعت الشركات في فخ قديم يتجدد مع ظهور كل تقنية حديثة، وهو التعامل مع الذكالي وكأنه مطرقة تبحث عن مسمار لتطرق عليه.
وتنهال علينا الضغوط من كل حدب وصوب، سواء من بيئات العمل أو القادة أو الشركات الموردة، بعبارات رنانة مثل ""يجب أن تكثف استخدامك للذكالي"" أو ""نحن بحاجة إلى المزيد من التقنية لتطوير أعمالنا"". ولم تكن الرسالة التي وجهها ساتيا ناديلا في جولة مايكروسوفت الأخيرة للذكالي خافية على أحد، ومفادها: استخدموا مساعدكم الذكي ""كوبايلت"" وإلا فستتخلفون عن الركب، غير أنه تناسى بذكاء الإشارة إلى التغييرات المرتقبة في خطط الأسعار.
وهذا التوجه يحمل في طياته جانبًا من المنطق، فالتقنية قفزت قفزات هائلة خلال العامين الماضيين، متحولة من مجرد أداة مساعدة إلى شريك ينفذ المهام بنفسه. ونسمع بين الحين والآخر قصصًا ملهمة عن مساهمة الذكالي في تغيير آليات العمل بالكامل، مثل تجربة شركة إيكيا التي وظفت وكلاء الذكالي لإعادة صياغة دور موظفي مراكز الاتصال بدلاً من استبدالهم، ليتحولوا من مجرد مجيبين على الاستفسارات إلى مستشاري تصميم، مما أسفر عن زيادة ملحوظة في الإيرادات. ومع ذلك، يبدو أن مثل هذه النجاحات تشكل الاستثناء لا القاعدة؛ ففي غياب القيادة الواعية لدمج هذه التقنيات، يبدأ المرء بالشعور بأن الذكالي بات يُفرض فرضًا عليه، ومن هنا تحديدا تبدأ المعضلات.
عندما يصبح الذكالي هو الإجابة الجاهزة
إن وتيرة التغير المتسارعة تجعل ملاحقتها أمرًا بالغ الصعوبة، وعندما تقترن هذه السرعة بالضغوط المستمرة لتبني التقنية، ينتابنا شعور بأننا في حالة رد فعل دائم لأحداث تقع خارج نطاق سيطرتنا. فنحن نندفع نحو تبني الأدوات الجديدة لمجرد الشعور بالالتزام، دون رؤية واضحة للأهداف التي نسعى لتحقيقها.
وهذا الواقع يتطلب تغييرًا جذريًا في نمط التفكير. وقد سلط كونور جرينان، المؤلف والمعماري السابق لتقنيات الذكالي في كلية ستيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك، الضوء مؤخرًا على مسألة جوهرية؛ وهي أن الذكالي لا يحل محل أداة قديمة بالطريقة التقليدية التي نعرفها في المشاريع التقنية السابقة، بل إنه يحل محل أداة التفكير نفسها.
وما تزال المكتبات الجاهزة للأوامر البرمجية والنصية تتبع أسلوب ""الأداة أولاً""، وهي تعزز الشعور بأن التقنية تُفرض فرضًا علينا. وحري بنا أن نتوقف عن النظر إلى الذكالي بوصفه مجرد أداة إضافية تتطلب التبني، بل إن الأمر يقتضي في بعض الأحيان التوقف عن الحديث عن التقنية ذاتها، وتوجيه النقاش نحو جوهر ما نقوم به، أي نحو العمل والإنتاج ذاتهما.
إن فرض السيطرة ينبع من القيادة والمبادرة لا من التبعية. ونحن نقود عندما تتضح لنا معالم ما نفعله، والوجهة التي نقصدها، والأسباب الكامنة وراء خياراتنا. وهذا الوضوح يتشكل عادة من خلال الحوارات الجادة والمكاشفة؛ لفهم طبيعة ما يحدث على أرض الواقع، واستيعاب احتياجات الزملاء وأفكارهم ومخاوفهم، وتسليط الضوء على الجوانب الخفية التي يمكن توظيفها لإضفاء قيمة ومعنى على أعمالنا.
وفي المقابل، فإن الاندفاع غير المدروس نحو استخدام الذكالي يمثل النموذج التقليدي لتبني التقنيات دون وجود حاجة حقيقية لها. فنحن نقدم الحل على المشكلة، تمامًا مثل تلك الأيام الخوالي التي كانت تُفرض فيها شبكة إنترانت داخلية جديدة لمجرد أن مدير تقنية المعلومات كان معجبًا بمهارات التواصل لدى ممثل الشركة الموردة، لينتهي بنا المطاف مقيدين بأداة إضافية لا طائل منها، تفتقر إلى الهدف الواضح، أو تطلق لتؤدي المهام نفسها التي تقوم بها أدوات قائمة بالفعل.
صياغة الأوامر في سبيل تحقيق الهدف
قد تساعد الأوامر النصية اليومية المبتدئين على قطع خطواتهم الأولى، لكنها لن تصنع تحولاً جذريًا بمفردها. كما أنها تكرس نمطًا فرديًا في استخدام الذكالي، حيث يستعين الموظفون بالتقنية في حالات معزولة ومحددة قد تستنزف وقتًا طويلاً مقابل عائد محدود نسبيا. وفي هذه الحالة، نحن نستخدم التقنية لمجرد أنها متاحة بين أيدينا، وليس لأننا وجدنا لها وظيفة واضحة تسد ثغرة حقيقية.
وهذا يعني أننا نهدر الأوقات في البحث عن طرق لتجربة الذكالي، فنصيغ أمرًا ثم نعيد الكرة، تارة نيأس وتارة نصر على المحاولة. وإن تبني التقنية بهذا الأسلوب العشوائي يجعله خاضعًا للمصادفة؛ وحتى في حال نجاحه، فإن الوقت الموفر قد يكون ضئيلاً للغاية إذا ما حسبنا الساعات المستهلكة للوصول إلى النتيجة المنشودة.
إن النهج القائم على تقديم التقنية أولاً يقودنا إلى ما سماه معهد ذكالي العمل بظاهرة ""جليسة الروبوت""، وهي تلك الجهود المضنية والمستهلكة للوقت التي نبذلها لجعل مخرجات الذكالي قابلة للاستخدام الفعلي، ليتضح أننا نمضي في تهذيب هذه المخرجات وقتًا أطول مما كنا سنمضيه لإنتاج العمل بأنفسنا منذ البداية. ومع ذلك، تبقى هذه الظاهرة أهون بكثير من الكارثة التي تحدث عندما نهمل مراجعة المخرجات وتدقيقها، وهي ما يمكن تسميته ""الهراء الآلي""، ونقصد بها تصدير وتداول أعمال مولدة بالكامل عبر الآلة دون التثبت من صحتها أو استيعاب مضمونها، وبشكل يعجز أصحاب العمل عن الدفاع عن جودته أو تبنيه. وهنا يصبح فرض الذكالي علينا أمرًا صارخًا، لأننا نجد أنفسنا مجبرين على معالجة التبعات الوخيمة الناتجة عن غياب الحكمة والتقدير لدى الآخرين.
وعندما يتجاوز العبء الذهني المستهلك في مراقبة الذكالي الفوائد الإنتاجية المرجوة منه، فإننا نصل إلى ما وصفته مجلة هارفارد بزنس ريفيو ومجموعة بوسطن الاستشارية بظاهرة ""الإنهاك العقلي بسبب الذكالي""، وهو الإجهاد الفكري الناجم عن الإشراف المكثف واللصيق على أدوات تقنية متعددة في آن واحد. فبدلاً من إدارة المهمة الأساسية وتوجيهها، نتحول إلى مدراء لمخرجات الوكلاء الآليين، وهو وجه آخر من وجوه رعاية الروبوتات والوقوف عليها.
العمل أولاً، والتقنية تأتي لاحقاً
لقد اختلت ترتيب أولوياتنا، والواجب يقتضي أن نبدأ بالعمل ذاته لا بالتقنية. فمن السهل الوقوع في فخ صياغة استراتيجية كبرى وضخمة للذكالي مليئة بلوحات التحكم الأنيقة والمولدة بالآلة بطبيعة الحال، غير أن الصحيح هو أن يدعم الذكالي استراتيجيات الأعمال، لا أن تنبثق الأعمال من استراتيجية التقنية. وفي واقع الممارسة اليومية، يمكن لفرق العمل اتخاذ خطوات مبسطة لإضفاء المزيد من الوضوح على كيفية استخدامهم للذكالي، والأهم من ذلك، تحديد الحالات التي يقررون فيها بوعي عدم استخدامه.
الاتفاق على ضوابط توجيهية مبسطة يتعين على الفريق الاتفاق جماعيًا على تحديد مجالات استخدام الذكالي التي تتطلب مراجعة أو اعتمادًا رسميًا، ورسم ملامح تلك الخطوات بدقة. وعلى سبيل المثال، ما هي نوعية المهام التي تستوجب موافقة مسبقة، وما هي الأمور التي يمكن تمريرها وديًا، ومن هم الأشخاص المعنيون باتخاذ القرار؟ إن هذا التحديد يسهم في توضيح حجم الإشراف المطلوب قبل مشاركة الأعمال على نطاق أوسع.
الكف عن محورية الحديث عن التقنية والتركيز على جوهر العمل تُعد الأوامر النصية وحالات الاستخدام وسيناريوهات التطبيق أدوات مساعدة لاستيعاب قدرات الذكالي، ولكن يجب التوقف عن جعل التقنية نقطة الانطلاق، والبدء بالعمل نفسه. ففي السابق، عندما كانت الاجتماعات تُعقد لحل مشكلة ما بدلاً من ملء جداولنا بآخر المستجدات الروتينية، كنا نتطلع إلى المشاركين لابتكار مسارات الحل والتقدم؛ وينبغي لنا التعامل مع الذكالي بالمنطق ذاته، باعتباره عنصرًا نستحضره في العمل فقط عندما يثري تفكيرنا، أو يساعدنا في الاستكشاف، أو يدعمنا في اتخاذ القرار.
وعلى سبيل المثال، بدلاً من طرح سؤال مثل ""كيف يمكننا توظيف الذكالي في إعداد تقارير العملاء؟""، يجب أن يكون السؤال ""لماذا يستغرق إعداد تقارير العملاء كل هذا الوقت، وأين تكمن مواطن الأخطاء، وما هي الأجزاء التي تتطلب تقديرًا بشريًا خالصًا؟"". قد يظل الذكالي قادراً على تقديم المساعدة هنا، ولكنه سيعمل في هذه الحالة خادمًا للعمل ومسهلاً له لا محركًا ومسيطرًا عليه.
إضفاء الطابع الاجتماعي والتشاركي على العمل أدت واجهات المحادثة الفردية إلى صياغة علاقة شخصية منعزلة مع أدوات الذكالي؛ حيث أصبحنا نعمل في الغالب بمفردنا، معتبرين التقنية مستشارًا خاصًا أو أداة ذاتية. وإن الانتقال بالنقاش إلى مساحات العمل الجماعية وإشراك الآخرين في حواراتنا مع الآلة يحول التقنية من مجرد حيلة لزيادة الإنتاجية الفردية إلى نهج مشترك لتطوير آليات العمل الجماعي. وللأسف، فإن تصميم أدوات الذكالي الحالية لا يساعد على ذلك، فالبداية تكون دائمًا في إطار الحوار الثنائي المغلق بين المستخدم والآلة، ورغم أن إدخال الآخرين إلى المحادثة أمر ممكن، إلا أنه ليس واضحًا أو يسيرًا، مما يضطرنا في نهاية المطاف إلى نسخ المخرجات ولصقها، ومن كان يظن أن اختصارات النسخ واللصق التقليدية ستظل هي الملمح المهيمن على مستقبل العمل؟
الدور البشري الأصيل
إن مصطلح ""العنصر البشري في حلقة التحكم"" يوحي بطريقة غير مباشرة بأن الذكالي هو القائد والممسك بزمام الأمور، بينما يتراجع البشر إلى مرتبة أدنى في سلم القيادة. والصواب هو أن تصاغ الأدوار والمسؤوليات بشكل يبرز القيادة البشرية الصريحة لمخرجات الذكالي؛ فمن هو الشخص المسؤول عن اعتماد الأنشطة عالية المخاطر المعتمدة على التقنية؟ ومن يقود جلسات العصف الذهني المشتركة مع الآلة؟ والأهم من ذلك، متى نتخذ القرار الحاسم بالاستغناء تمامًا عن الذكالي؟ يجب أن ندرك بيقين أننا لسنا مجبرين على إقحام التقنية في كل تفصيل من تفاصيل أعمالنا، فثقل التوقعات قد يقود إلى الإفراط والابتذال بدلاً من الاستخدام العقلاني الرشيد.
صياغة معايير وأعراف مشتركة في غياب الأعراف والتقاليد المشتركة داخل الفريق، يؤول استخدام الذكالي سريعًا إما إلى ممارسات فردية منعزلة أو إلى تجنب صامت وتوجس من التقنية. وتجني الفرق ثمارًا كبرى عندما تضع اتفاقيات واضحة ومبسطة تحدد المقبول والمرفوض، وتوضح متى ينبغي الاستعانة بالتقنية ومتى يحظر ذلك، وكيفية مراجعة الأعمال وتقييمها، والسبيل الأمثل لرفع المخاوف والتحفظات. والسر هنا يكمن في عدم فرض هذه القواعد بشكل فوقي من الإدارات العليا، بل في صياغتها وتطويرها بشكل تشاركي مع أعضاء الفريق لضمان بناء فهم واعد ومشترك لكيفية دمج التقنية في نسيج أعمالهم اليومية.
الذكالي ليس رياضة فردية
إن صياغة رسائل البريد الإلكتروني، والبحث عن المعلومات، وتلخيص البيانات، وإنتاج المواد المرئية، كلها ممارسات تعكس التركيز الفردي على أدوات التقنية، وغالبًا ما تمخض عن مخرجات متواضعة القيمة؛ فهي منخفضة المخاطر لكنها قليلة العوائد والمكاسب. وإذا أضفنا إلى ذلك الوقت المستهلك في عمليات التدقيق والتهذيب اللصيقة وتبعات المخرجات المغلوطة، نجد أن العائد في بعض الأحيان بالكاد يستحق العناء المبذول.
ولكن عندما نوجه بوصلة جهودنا نحو تحقيق مستهدفات مشتركة، كإعادة تصميم مسارات العمل الجماعي، تزداد القيمة الفعلية وتتضاعف. وتنبثق هذه القيمة من الفهم الدقيق للمشكلة، واستيعاب الاحتياج، واقتناص الفرصة السانحة. وفي هذه المساحة التشاركية، نستعيد زمام المبادرة عبر تحويل النقاش من كونه مجرد حديث عن تقنيات الذكالي إلى حديث أصيل عن جوهر العمل. ونحن ندمج خبراتنا ومهاراتنا الجماعية لبلورة رؤية واضحة ومخرجات تفوق التوقعات، حيث يصبح التقدير المشترك، والممارسة العملية، والمعرفة التراكمية، وقبل كل شيء، التعاون البشري الوثيق هو المحرك الأساسي لكل خطوة. إن الفرصة الحقيقية لا تكمن في دفع الجميع نحو زيادة استخدام الذكالي بشكل عشوائي، بل في تمكين الفرق من فهم طبيعة أعمالهم بشكل أعمق، واتخاذ قرارات جماعية أكثر ذكاءً، وقصر استخدام الذكالي على المواطن التي يقدم فيها نفعًا حقيقيًا ملموسًا. وبهذه المنهجية وحدها، نوقف فرض الذكالي علينا ونبدأ في إخضاعه لخدمتنا.
