تجيبنا دراسة حديثة، تضافرت فيها جهود حشد هائل من الصروح الأكاديمية العالمية، بأن أنظمة الذكالي تبدي تفوقًا مبهرًا واستثنائيًا في اجتياز الاختبارات الأكاديمية، لكنها تظهر عجزًا واضحًا وتراجعًا كبيرًا عندما يتعلق الأمر بممارسة ما يمكننا تسميته ""العلم الحقيقي"".
طموحات عريضة وسقوف مرتفعة
شهد عام 2024 قفزة نوعية في مسيرة تطور الذكالي، حيث حطمت النماذج اللغوية الكبيرة الأرقام القياسية في معالجة أعقد شفرات البرمجة، وتفوقت في حل معضلات الرياضيات المتقدمة لطلبة الدراسات العليا، وأظهرت قدرة على التحليل والاستنتاج خُيل للكثيرين معها أننا على عتبة عصر جديد للذكاء الآلي. ورغم هذا الصخب، تأتي هذه الدراسة لتبدد الأوهام؛ وتؤكد أنه في مضمار الاكتشاف العلمي الأصيل، ما تزال حتى الأنظمة الأكثر تعقيدًا وتطورًا تراوح مكانها في منطقة الأداء المتواضع بشكل يثير الدهشة.
التحالف الدولي الذي قاد هذه الدراسة ضم باحثين من شتى الحقول العلمية كالأحياء والكيمياء والفيزياء وعلوم المواد، وقد استحدثوا معيارًا مبتكرًا أطلقوا عليه ""إطار تقييم الاكتشاف العلمي"". ويتميز هذا الإطار عن أساليب التقييم التقليدية التي تكتفي باختبار قدرة الآلة على الإجابة عن أسئلة امتحانية مجردة ومفصولة عن سياقها العملي، إذ يعمد إلى فحص قدرة الآلة على محاكاة الممارسة العلمية الواقعية، وهو فارق جوهري يغير موازين التقييم تمامًا.
انطلقت منهجية البحث من تحديد مشروعات علمية واقعية تمثل أهمية كبرى ومحورية للمتخصصين، ثم قاموا بتفكيك هذه المشروعات إلى ""سيناريوهات بحثية"" جزئية تحاكي أنماط التفكير والاستدلال المتكررة التي يعيشها العلماء يوميًا داخل المختبرات وفي غرف الحوسبة المعقدة.
واعتمادًا على هذه السيناريوهات، صاغ الباحثون 1125 سؤالاً دقيقًا خضعت لتمحيص صارم من كبار الخبراء، لتغطي مساحة واسعة من التحديات، بدءًا من التنبؤ بالتفاعلات الإنزيمية وصولاً إلى تحليل أطياف الرنين المغناطيسي النووي. والركيزة الأساسية هنا أن كل سؤال يرتبط برابط وثيق بتحدٍ بحثي قائم، مما يضمن أن الإجابة الصحيحة تعكس تقدمًا علميًا ملموسًا، ولا تدل مجرد حشو لمعلومات عامة ومحفوظات جافة.
معضلة الفجوة المعرفية
أيقظت النتائج الميدانية الكثير من التوقعات وأعادتها إلى أرض الواقع، حيث حصدت النماذج الأكثر تطورًا من كبريات الشركات العالمية مثل أوبن إيه آي وأنثروبيك نسب نجاح تراوحت بين 60% و75% عبر شتى التخصصات العلمية. ومع أنها تبدو للوهلة الأولى نسبًا مقبولة، إلا أنها تتراجع بشكل ملحوظ إذا ما قورنت بأدائها في الامتحانات والمسابقات التقليدية التي تحرز فيها عادةً ما بين 84% و86% مثل اختبارات ""جي بي كيو إيه دايموند"". هذا التباين يضع أيدينا على حقيقة راسخة؛ وهي أن العبقرية في نيل الدرجات الكاملة في الاختبارات الموحدة لا تعني بالضرورة الجاهزية لابتكار الحلول وصناعة الاكتشافات، تمامًا كالتفوق الدراسي الذي لا يضمن دائمًا ولادة باحث فذ.
والأدهى من ذلك أن الحلول السحرية التي قادت الطفرات الأخيرة للذكالي، والمتمثلة في تضخيم أحجام النماذج وزيادة الفترات الزمنية المخصصة للتفكير والتحليل أثناء الاختبار، بدأت تواجه تراجعًا في العوائد؛ حيث أظهر نموذج ""جي بي تي 5"" تحسنًا ضئيلاً يكاد لا يُذكر عند رفع طاقته الاستدلالية من المستويات المتوسطة إلى العليا، إذ تأرجحت النسبة في حقل الأحياء بين 0.70 و0.69، وفي علوم المواد بين 0.74 و0.75. فرغم تفوق هذه الأنظمة المستمر في مسابقات البرمجة والرياضيات، إلا أن منحنى قدرتها على الاكتشاف العلمي وصل إلى مرحلة من الثبات والجمود.
ولعل المشهد الأكثر دلالة يتضح عند عقد مقارنة بين النماذج المتنافسة لأبرز الشركات مثل أوبن إيه آي وأنثروبيك وإكس إيه آي وديب سيك، إذ تبين أنها تقع في أنماط الأخطاء ذاتها بدقة تثير الريبة، وتجمع في كثير من الأحيان على الإجابة الخاطئة نفسها. هذا التماثل يفيد بأنها تعاني من نقاط ضعف هيكلية موحدة، يرجح أن يكون سببها تشابه البيانات التي غُذيت بها أثناء مرحلة التدريب، وليس بسبب تصميمها البرمجي. وبمنظور عملي، فإن محاولة دمج مخرجات عدة نماذج من شركات مختلفة لن يجدي نفعًا ولن يحقق تحسنًا يُذكر في حل المعضلات العلمية بالغة التعقيد.
عندما تتوارى الفجوات المعرفية
يبرز الابتكار الأهم في هذا الإطار التقييمي في تصميمه ثنائي المستويات؛ إذ لم يشأ الباحثون الاكتفاء باختبار مهارة الآلة في التعامل مع أسئلة منفصلة، بل أرادوا قياس كفاءتها في إدارة مشروعات بحثية متكاملة، وقدرتها على صياغة فرضيات مبتكرة، وتصميم نماذج المحاكاة، ثم مراجعة الأفكار وصقلها. هذا التقييم الشامل على مستوى المشروع كشف عن قصور بنيوي تعجز الاختبارات التقليدية الجامدة عن رصده.
وجاءت النتائج لتكسر القوالب الجاهزة؛ فقد أبانت النماذج عن براعة فائقة في المشروعات القائمة على بيانات واضحة البناء ومعارف مبرمجة ومصنفة، كإعادة تصميم البروتينات، أو تحسين الخواص الفيزيائية للمواد، أو الانحدار الرمزي، بينما تعثرت بشدة في المهام التي تطلب تخطيطًا استراتيجيًا طويل الأمد كخطوات التخليق الكيميائي المتشعبة.
ومن المثير للدهشة أن التميز في السيناريوهات الفرعية لم يكن تذكرة مرور للنجاح على مستوى المشروع ككل؛ فقد حققت النماذج اللغوية نتائج مذهلة في تحسين المركبات المعدنية الانتقالية رغم إخفاقها الواضح في الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بخصائصها الذاتية. ويشير هذا إلى أن القدرة على استشراف مسارات التحسين وتحديد اتجاهاتها تفوق أهمية المعرفة النظرية المباشرة بالعلاقة بين البنية والخواص.
وعلى الضفة الأخرى، عجزت النماذج التي نالت درجات رفيعة في مسائل التخليق الرجعي عن صياغة مسارات تخليق موثوقة ومتعددة المراحل، ووقعت مرارًا في مطب انتهاك البديهيات والقواعد الأساسية للتفاعلات الكيميائية. وتوضح هذه المفارقة أن مرونة الاستكشاف القائم على المصادفات الموجهة قد تعوض أحيانًا الفجوات المعرفية الدقيقة، في حين أن الاستيعاب الحرفي للتفاصيل لا يمثل صك أمان للوصول إلى اكتشاف حقيقي.
آفاق وتحديات المستقبل
ما الذي يقف خلف هذا القصور العلمي لأنظمة الذكالي؟ تتعدد الأسباب وتتشابك، لعل أبرزها أن المنهجية المتبعة اليوم في تدريب هذه النماذج تركز على اتساع رقعة المعلومات وشموليتها على حساب عمق التحليل والاستدلال العلمي. فضلًا عن ذلك، تواجه النماذج عقبات جمة في استيعاب الأدوات والبرمجيات المتخصصة التي توظفها المختبرات بشكل يومي.
كما توصل الباحثون إلى أن تقنيات التعلم المعزز المبنية على التغذية الراجعة، والتي حققت نجاحات باهرة في عوالم البرمجة والرياضيات، تفقد الكثير من بريقها وتأثيرها عند تطبيقها على التحديات العلمية الأخرى؛ مما ينبهنا إلى ضرورة ابتكار أدوات ومنهجيات مغايرة تمامًا إذا أردنا فتح بوابات الاكتشاف العلمي أمام الآلة.
إن هذه المعالجات المحددة هي المفتاح الحقيقي لتمكين الذكالي من إحداث نقلة نوعية في العلوم، إذ يتوجب علينا الكف عن زيادة أحجام النماذج بشكل عشوائي، وتوجيه بوصلة التطوير نحو آليات بناء الفرضيات واختبارها عمليًا. كما أن تنويع مصادر بيانات التدريب الأولي يمثل خطوة أساسية لتلافي العيوب وأنماط الفشل المشتركة التي تلازم الأنظمة المطروحة حاليًا في الأسواق.
حقيقة صادمة
تبعث هذه الدراسة برسالة مشوبة بالواقعية والصدمة لجميع الذين يبشرون بقرب بزوغ فجر ""الذكاء العلمي الخارق""، إذ تؤكد أنه لا يوجد نموذج واحد يمتلك زمام الصدارة المطلقة في جميع المشروعات التي خضعت للاختبار، بل تتبادل النماذج المواقع والريادة تبعًا لطبيعة المهمة. وما تزال كافة الأنظمة الحالية تفصلها مسافات شاسعة عن امتلاك قدرة علمية عامة ومتكاملة. فالآلات التي تسحر الألباب بقدرتها على تحصيل أعلى الدرجات في قاعات الامتحانات، ما تزال تتعثر في خطوات العمل الدؤوب والمحاولات التكرارية الصبورة التي تصنع الاكتشافات الحقيقية.
هذا التشخيص لا يدعو بالطبع إلى الإحباط أو التفاؤل المفرط، فالنماذج اللغوية الكبيرة تحمل في طياتها وعودًا مبشرة في مجابهة معضلات علمية شتى، وتفلح أحيانًا في تقديم حلول حتى وإن بدت خلفيتها المعرفية في هذا الجانب شحيحة. وعند اقترانها بالإشراف البشري الواعي، تصبح أداة جبارة لتسريع قراءة الأدبيات العلمية، واستنباط الفرضيات، وإجراء عمليات المحاكاة الحسابية المعقدة. بناءً عليه، فإن السؤال الجوهري المطروح اليوم ليس حول قدرة الذكالي على صياغة مستقبل البحث العلمي، بل حول مدى قدرته على التمرد على دور ""المساعد المطيع والكفء"" ليرتقي إلى مصاف ""المكتشف المستقل"".
وتشير كافة الشواهد والوقائع إلى أن هذه الرحلة ستكون أطول مسارًا وأكثر مشقة مما تصوره لنا موجات الزخم الإعلامي المحيطة بهذا العالم.
