القائمة الرئيسية

معضلات الاعتماد على الذكالي في الترجمة الطبية

معضلات الاعتماد على الذكالي في الترجمة الطبية
ملخص المقال

تكشف دراسة حديثة أن الاعتماد المتزايد على تطبيقات الترجمة العامة، مثل ""ترجمة جوجل""، في المنشآت الصحية يشكل خطرًا حقيقيًا على سلامة المرضى، إذ تُستخدم أحيانًا بديلًا عن المترجمين المؤهلين رغم عدم خضوعها لاختبارات طبية تضمن دقتها وموثوقيتها. وتوضح الدراسة أن أخطاء هذه التطبيقات، مثل تحريف المصطلحات الطبية، وسوء فهم السياق، والعجز عن التعامل مع اللهجات، قد تؤدي إلى تشخيصات خاطئة، ووصف علاجات غير مناسبة، والإخلال بمبدأ الموافقة المستنيرة، فضلًا عن مخاوف تتعلق بخصوصية البيانات الصحية. وتؤكد الدراسة أن الحل يكمن في توفير مترجمين محترفين وإرساء سياسات واضحة للتواصل مع المرضى متعددي اللغات، إلى أن تصبح أدوات الذكاء الاصطناعي الطبية خاضعة لاختبارات وتنظيمات تضمن سلامة استخدامها.

عندما يجد الطبيب نفسه عاجزًا عن التواصل مع مريضه لغياب المترجم، يصبح الهاتف الذكي ملجأه الأقرب، ويتحول تطبيق ""ترجمة جوجل"" المتاح دائمًا إلى طوق نجاة سريع ووهمي لتجاوز هذه العقبة الحرجة. إلا أن دراسة حديثة أجرتها جامعة ليمريك تكشف أن هذا التيسير المؤقت ينطوي على عواقب وخيمة قد تهدد حياة المرضى.

فمن خلال مراجعة وبحث مستفيضين للأدلة والتقارير الدولية الصادرة بين عامي 2017 و2024، تتبع الباحثون التغلغل المتزايد لبرمجيات الترجمة المعتمدة على تقنيات الذكالي داخل المنشآت الصحية. وقد خلصت الدراسة إلى حقيقة صادمة، وهي أن هذه التطبيقات باتت تُستخدم بديلًا عن المترجمين المؤهلين في عيادات الطب العام، دون أن تخضع لأي اختبارات حقيقية تضمن سلامة المرضى. وفي قطاع مثل الطب، يقوم أساسًا على الدقة المتناهية، يصبح هذا الارتجال مغامرة غير مأمونة العواقب.

أزمة تواصل تهدد الحياة

إذا كان سوء الفهم عابرًا ومقبولًا في شؤون الحياة اليومية، فإنه في أروقة المستشفيات يمثل خطرًا داهمًا. فالوصول إلى تشخيص دقيق، وصياغة بروتوكول العلاج، ونيل موافقة المريض المستنيرة، كلها أركان تنهض على وضوح العبارة، واستيعاب الفروق اللغوية الدقيقة، وبناء جسور الثقة. وحين يغيب اللسان المشترك بين الطبيب والمريض، تقع هذه الأركان تحت وطأة ضغط هائل، وجلب أداة من أدوات الذكالي لم تُصمم أصلاً للحوار الطبي المعقد لا يزيد الموقف إلا غموضًا، إذ يحجب تفاصيل حيوية في اللحظات الحرجة التي يتوقف عليها مصير المريض.

وما يزال المترجم البشري المدرب هو الضمانة المثلى والركيزة الأساسية في منظومة الرعاية الصحية متعددة الثقافات، بوصفه وسيطًا محايدًا يمتلك الكفاءة لنقل المعاني الطبية بدقة وعناية بين الطرفين. ورغم هذه الأهمية البالغة، يعاني القطاع الصحي من ندرة المترجمين المؤهلين نتيجة لضيق الوقت ومحدودية الموارد المتاحة، وهذا العجز يدفع بالكثير من الممارسين الصحيين إلى التقاط هواتفهم واستخدام ""ترجمة جوجل"" كحل إسعافي مؤقت.

ولا تحمل الأدلة التي رصدتها الدراسة أي مؤشرات تطمئن القلوب، إذ تبين من خلال الحالات المدروسة أن الأطباء يعتمدون على هذا التطبيق رغم إدراكهم التام لعيوبه القاتلة. وتتنوع هذه العيوب بين تحريف المعاني، والعجز عن صياغة المصطلحات الطبية المتخصصة، وعدم القدرة على مواكبة الحوار العفوي المتدفق الذي تتطلبه جلسات الاستشارة. كما رصدت تقارير عدة أخطاء فادحة كادت أن تؤدي إلى تشخيصات مغلوطة ووصف أدوية لا تناسب حالة المريض، بل وأسفرت في بعض الأحيان عن أضرار صحية بالغة.

غياب الرقابة والاختبار الفعلي

ولعل الجانب الأكثر إثارة للقلق في هذه المسألة هو الغياب التام لآليات فحص السلامة الرسمية. فعلى النقيض تمامًا من الأجهزة والبرمجيات الطبية الخاضعة لرقابة صارمة، لم يمر تطبيق ""ترجمة جوجل"" بأي تقييم طبي يجيز استخدامه في عيادات الطب العام. وقد أثبتت الوقائع الميدانية وقوع التطبيق في زلات فادحة، منها إساءة تأويل المصطلحات الطبية الجوهرية، والخلط بين الأرقام والضمائر، والعجز عن استيعاب اللهجات المحلية واللكنات المختلفة، وصولًا إلى توليد نصوص وهمية ومختلقة تمامًا لكنها مصاغة بأسلوب يوحي بالثقة، وهو ما يُعرف في الأوساط التقنية بظاهرة ""الهلوسة"".

إن الاستمرار في هذا النهج يهدد بإقصاء الكفاءات البشرية من المترجمين، ويسهم في شرعنة استخدام أدوات الذكالي غير المقننة داخل القطاعات الطبية. ومن الصعب أن نتخيل قبول هذه الفوضى في أي جانب آخر من جوانب الممارسة السريرية، حيث يُسمح بتوظيف تقنية غير مختبرة بهذه البساطة والتهاون الشديدين.

وبناءً على هذه المعطيات، يصر المدافعون عن حقوق المهاجرين واللاجئين على ضرورة الاستعانة بالمترجمين البشر، وخاصة في الأقسام الحساسة مثل رعاية الأمومة والصحة النفسية. ومن جهة أخرى، يثير المرضى أنفسهم مخاوف مشروعة تتعلق بآلية منح موافقتهم، ومستقبل بياناتهم الصحية، ومدى سرية معلوماتهم الشخصية وحمايتها من التسريب عند معالجتها عبر أنظمة الذكالي.

وليس الحل لهذه المعضلة مستعصيًا ولا يتطلب طفرة تكنولوجية جديدة، بل يكمن في العودة إلى الأصول؛ فالرعاية الصحية الآمنة للاجئين والمهاجرين تتطلب توفير قنوات اتصال موثوقة ودائمة مع مترجمين مؤهلين، سواء عبر الحضور الشخصي، أو الاتصال المرئي، أو الهاتفي، مع ضرورة إرساء آجراءات واضحة ومدروسة تطبق بدقة في كل منشأة صحية. وإلى أن تتوفر أدوات ذكالي مصممة خصيصًا ومختبرة بعناية فائقة لأغراض الترجمة الطبية، فإن العقل والمنطق يفرضان إبعاد هذه البرمجيات تمامًا عن غرف الكشف والاستشارة.

المصدر

مقالات ذات صلة