في صيف عام 2022، شهدت السويد إصابة أربعة أشخاص بمرض الفيالقة، وهو نوع شرس من الالتهاب الرئوي البكتيري الذي يودي بحياة عُشر ضحاياه على الأقل. يستهل هذا الميكروب غزو الجسد بتدمير الأكياس الهوائية الدقيقة في الرئتين مجهضاً عملية التنفس، ثم يتمدد سريعاً نحو بقية الأعضاء الحيوية ليدفعها إلى الانهيار التام. وتتضاعف هذه المأساة إذا ما تفشى المرض داخل المستشفيات أو دور الرعاية الصحية طويلة الأجل، حيث تقفز معدلات الوفيات هناك لتصل إلى 40 بالمئة. أما أولئك الذين يكتب الله لهم النجاة، فلا يسلمون من ندوب غائرة وتلف مستدام في الرئتين، يرافقه اعتلال صحي يمتد معهم طوال العمر، وهو ما بات يُعرف في بعض الأوساط بـ ""كوفيد الفيالقة الطويل"" (LongLEGIO). وفي السويد، كانت هذه الحالات القليلة كفيلة بدق ناقوس الخطر واستنفار أجهزة الصحة العامة.
انطلق فريق من علماء الأوبئة يفتشون في منازل المصابين ومقار عملهم، مقتفين أثر البكتيريا الكامنة في المياه عبر فحص شبكات السباكة، ورؤوس الاستحمام، والصنابير، وكل ما من شأنه بث رذاذ مائي دقيق يحمل الميكروب إلى مجاري تنفس الضحايا الغافلين. وتوضح كارولين شونينغ، عالمة الأحياء الدقيقة في وكالة الصحة العامة السويدية ومسؤولة التحقيق في تلك الواقعة، أن الفريق لم يكتفِ بالمصادر التقليدية، بل ظل يترصد أي بؤر غير مألوفة قد تختبئ فيها هذه البكتيريا.
وعلى الرغم من أن أصابع الاتهام في معظم تفشيات بكتيريا الفيلقية تشير عادة إلى شبكات السباكة المتهالكة أو أبراج التبريد الرابضة فوق أسطح البنايات، إلا أن هذا الميكروب يمتاز بقدرة فائقة على التسلل إلى أماكن لا تخطر على بال بشر.
فقد رصدت السجلات الطبية حالات أصيب فيها أشخاص بداء الفيالقة جراء استخدام أحواض الولادة المائية، أو بسبب الرذاذ المنبعث من أجهزة ترطيب الخضراوات في المتاجر، وأحواض الاستحمام الساخنة، والنوافير التجميلية، وحتى من خزانات سائل مسح زجاج السيارات، ورذاذ آلات تسوية الجليد في صالات التزلج.
وفي مفارقة تبعث على القشعريرة، أصيب شخصان بكادا أن يغرقا في مصب نهري بالقرب من غلاسكو، وبفارق زمني بلغ عشرين عاماً، بذات السلالة من بكتيريا الفيلقية نتيجة المياه التي تسربت إلى رئتيهما أثناء الحادثتين.
ومع مواصلة الفريق السويدي لجهوده المضنية لتحديد بؤرة الوباء، تكشفت مفاجأة تمثلت في أن الضحايا الأربعة، رغم سكنهم في مناطق تفصل بينها مئات الأميال، قد قادتهم خطاهم للإقامة في الفندق نفسه بمدينة أوبسالا قبل إصابتهم. وهنا تقول شونينغ إن الفندق أصبح بطبيعة الحال المتهم الأول في القضية. غير أن المفاجأة الأكبر كانت في إخفاق الفريق، على مدار أشهر من فحص العينات داخل الفندق وفي شبكة سباكة لمغسلة سيارات قريبة ونظام ري لملعب كرة قدم مجاور، في العثور على أي أثر للمخبأ السري للبكتيريا.
ولم يأتِ الانفراج في هذه القضية إلا عندما التفت أحد أعضاء الفريق، ممن يقيمون وزناً للتفاصيل الدقيقة، إلى مدفأة كهربائية تزين ردهة الفندق الفاخرة، وهي عينها المدفأة التي مر عليها المحققون عشرات المرات دون التفات. تعتمد هذه الأجهزة على الاهتزازات فوق الصوتية لتحويل الماء إلى ضباب خفيف يمنح الناظر إيحاءً بصرياً بوجود ألسنة لهب حقيقية. وهناك، في جوف خزان المياه البلاستيكي للمدفأة، كانت بكتيريا الفيلقية تتكاثر بمستويات بلغت حداً شديد الخطورة.
تعيدنا هذه الواقعة السويدية، التي دارت فصولها في فندق فاخر، إلى أجواء الوباء الذي تفشى قبل نصف قرن من الزمان، وكان سبباً في منح هذا الممرض اسمه الذي يُعرف به اليوم.
ففي تموز يوليو من عام 1976، كانت مدينة فيلادلفيا تعيش أجواءً صاخبة احتفاءً بالذكرى المئوية الثانية لتأسيس الولايات المتحدة، وفجأة، داهم زوار المدينة التهاب رئوي غامض غصت به المستشفيات، ولم تمضِ أيام قلائل حتى بدأت الوفيات تتوالى. وعندما انقشعت غمة ذلك التفشي، كان المرض قد أنهك أجساد أكثر من 220 شخصاً، وحصد أرواح 34 آخرين. وقف مسؤولو الصحة العامة آنذاك عاجزين أمام لغز المرض ومصدره، ولم يكن بحوزتهم من الخيوط سوى أنهم يواجهون التهاباً رئوياً فتاكاً يهدد حياة المصابين.
أطلقت عليه مجلة ""تايم"" حينها وصف ""قاتل فيلادلفيا""، بينما آثرت مجلة ""نيوزويك"" تسميته بـ ""الحمى القاتلة""، ليتوافق الإعلام في نهاية المطاف على اسم ""مرض الفيالقة"". وجاءت هذه التسمية لكون غالبية الضحايا من قدامى المحاربين الذين تجمعوا لحضور مؤتمر لرابطة ""الفيالقة الأمريكية"" داخل فندق ""بيلفيو سترتفورد""، الذي يعد من أرقى نزُل المدينة. والمثير في الأمر أن بعض المصابين لم تطأ أقدامهم عتبة الفندق، بل اقتصر جرمهم على المرور بجانبه خلال عطلة نهاية الأسبوع تلك. ومع تدفق التفاصيل واستبداد الرعب بالبلاد، انبرى علماء الأوبئة في مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) يبحثون عن الإبرة في كومة قش تحت مجهر وسائل الإعلام وصحافتها المتلهفة، فيما كان المحللون يبدون أسفهم المرير على مفارقة تراجيدية؛ مفادها أن هؤلاء الجنود الذين نجوا من أتون الحرب العالمية الثانية، عادوا ليموتوا في عقر دارهم بسلاح عدو مجهري خفي.
وإذا ما قفزنا بالزمن إلى عام 2026، سنجد أن هذا الممرض قد توارى عن الأنظار وغاب عن وعي عامة الناس، لكنه لم يتراجع خطوة واحدة إلى الوراء؛ بل على العكس تماماً، تشهد معدلات الإصابة به صعوداً لافتاً. ففي الولايات المتحدة، تضاعفت إصابات بكتيريا الفيلقية تسعة أضعاف في الفترة ما بين عامي 2000 و2018. وفي تقرير حديث صدر عام 2025، حذرت منظمة الصحة العالمية من أن أعداد الحالات المسجلة تشهد ارتفاعاً مطرداً، مؤكدة أن داء الفيالقة لا يزال يقع في منطقة الظل، إما بسبب التشخيص الخاطئ أو لعدم الإبلاغ عن الحالات.
وترى جانيت ستاوت، عالمة الأحياء الدقيقة البيئية التي بدأت رحلتها في تقصي بكتيريا الفيلقية عام 1980 إبان تفشٍ شهده مستشفى للمحاربين القدامى في بيتسبرغ، أن المشكلة تكمن في نظر المجتمع، وحتى الأوساط الطبية، إلى هذا المرض بوصفه أثراً منقرضاً من الماضي، وتقول محذرة إن هذا الاسترخاء الذهني ينطوي على خطورة بالغة.
حينما داهم مرض الفيالقة مدينة فيلادلفيا عام 1976، كانت البيئة العامة في أمريكا مشحونة بالقلق من الأوبئة الوافدة. ففي مطلع ذلك العام، تسبب تفشي إنفلونزا الخنازير في قاعدة ""فورت ديكس"" العسكرية بنيوجيرسي في وفاة جندي ونقل تيرمومتر القلق لدى السلطات إلى أقصى درجاته، مما دفع الرئيس فورد إلى إطلاق حملة تطعيم جماعية مثيرة للجدل عاد وألغاها لاحقاً خوفاً من تكرار سيناريو إنفلونزا عام 1918، بينما استنفر مسؤولو الصحة لمواجهة وباء لم يرَ النور في النهاية. وفي ذات التوقيت، كانت أخبار ظهور حالات من الطاعون الدبلي في كاليفورنيا وبعض الولايات الغربية تفرض نفسها على العناوين الرئيسية للصحف.
وعندما تسلم علماء المختبرات في مراكز السيطرة على الأمراض عينات البلغم المستخلصة من صدور مرضى فيلادلفيا، خضعت الفحوصات لغربلة شملت نحو 50 ممرضاً ميكروبياً معروفاً، من بينها الإنفلونزا وحمى كيو والريكتسيا وحمى لّاسا. وفي غضون أيام قليلة، تأكد العلماء أن الوباء ليس إنفلونزا الخنازير، وهو ما أكده ديفيد فريزر، مدير التحقيقات الميدانية للمراكز آنذاك، في شهادة له عام 2016 قائلاً إنهم استيقنوا خلال أسبوع واحد أنهم يواجهون شبحاً لا صلة له بكل ما هو مدون في سجلاتهم الطبية.
وفي ظل غياب تفسير علمي حاسم لمرض الفيالقة، فتحت الساحة على مصراعيها لسيل من التكهنات والنظريات؛ منها ما هو مبني على بعض المنطق ومنها ما كان ضرباً من الخيال المحض، وفقاً لوصف جورج ديهنر، المؤرخ بجامعة ويتشيتا الحكومية الذي يعكف على تصنيف كتاب حول تاريخ هذه البكتيريا. فقد ذهب بعضهم إلى أن الجواسيس السوفييت استهدفوا المدينة بسلاح كيميائي أو بيولوجي، بينما لمحت أصابع أخرى إلى قاعدة ""فورت ديتريك""، الحاضنة السابقة لبرنامج الأسلحة البيولوجية الأمريكي بين عامي 1943 و1969، زاعمة حدوث تسرب عرضي لعامل ممرض.
ولم يتأخر علماء الأوبئة الهواة عن الدلو بدلوهم؛ فادعى بعضهم أن المرض ليس سوى ""داء الطيور"" الناجم عن استنشاق البكتيريا المتطايرة من فضلاتها، وربط آخرون الوعكات بتناول أسماك ملوثة من شواطئ نيوجيرسي. ولم تسلم وكالة المخابرات المركزية من الاتهامات، تماماً كما طالت الشبهات غاز الفريون المنبعث من مكيفات الفندق، أو التسمم بمركب ""نيكل الكربونيل"" المستخدم في الصناعة.
وقد لخص لويس بولك، مفوض الصحة المؤقت في فيلادلفيا آنذاك، تلك الحالة في تصريح لصحيفة ""نيويورك تايمز"" قائلاً:
""لقد حاصرتنا نظريات تتناول كل ما يتصل بالإنسان من قمة رأسه إلى أخمص قدميه. تلقينا رسائل تزعم أن الوفيات سببتها أطقم الأسنان، أو تناول البصل، أو حتى استخدام ورق المرحاض! وكانت الهواتف تَرِن في الرابعة صباحاً من إنديانا أو أوريغون، ليقدم لنا أشخاص نصائح بالاستعانة بفيتامين سي، أو الوخز بالإبر، أو الخل المخفف، أو دهان الميثولاتوم كعلاج شافٍ!"".
توالت الأسابيع ثم الأشهر، ورغم آلاف الساعات التي قضاها خبراء الأوبئة في التقصي والبحث، عاد فريق مراكز السيطرة على الأمراض بخفي حنين. أثار هذا الإخفاق موجة عارمة من الانتقادات والازدراء، لدرجة أن مجلة ""ساينس"" المرموقة اختارت لتقريرها عنواناً لاذعاً يقول: ""حمى الفيالقة.. تشريح لجثة تحقيق باء بالفشل"".
وفي تشرين الثاني نوفمبر من عام 1976، انصاع فندق ""بيلفيو سترتفورد"" لواقع المقاطعة وسوء السمعة التي طالته بعد أن هجره الرواد، ليغلق أبوابه بعد مسيرة دامت 72 عاماً. ونظرت سلطات المدينة في فكرة هدم المبنى التراثي الذي بدا وكأن لعنة قد حلت به. ورغم خضوعه لاحقاً لعملية تجديد هائلة وافتتاحه تحت إدارة واسم جديدين، إلا أن ظلال تلك الأزمة ظلت تلاحقه.
وفي سياق متصل، شن عضو مجلس النواب الأمريكي عن ولاية نيويورك، جون ميرفي، هجوماً حاداً خلال جلسة استماع بالكونغرس خصصت لمساءلة الجهات المقصرة، معلناً أنه بعد كل هذا الصخب والنظريات، ما زلنا نقف على أرض جهل تام بماهية الوباء، وعاجزين عما يمكن فعله لو تكرر مجدداً. وفي استعادة لتلك الأجواء، أوضح فريزر عام 2016 أن ميرفي وضع إصبعه على كافة الأخطاء التي اقترفتها مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في إدارة الأزمة، واصفاً تلك الجلسة بأنها كانت ساعتين من التوبيخ القاسي والتقريع المستمر.
وبلغ اليأس ببعض المسؤولين حداً دفعهم لإطلاق تصريحات سوداوية؛ إذ صرح ليونارد باكمان، وزير الصحة في ولاية بنسلفانيا، بأن فرص العثور على مسبب المرض تتلاشى مع انقضاء كل يوم، مؤكداً حاجة البلاد الماسة إلى معجزة علمية تنتشلها من هذا النفق المظلم.
جاءت تلك المعجزة بعد نحو شهر واحد، وكان وراءها نقاش حاد غير متوقع خاضه عالم الأحياء الدقيقة في مراكز السيطرة على الأمراض، جوزيف مكديد، مع شخص غريب خلال حفل بمناسبة أعياد الميلاد. ففي استرجاع لتلك الحادثة عام 2016، ذكر مكديد أن ذلك الشخص واجهه قائلاً إن الجميع يدرك أن علماء مراكز السيطرة على الأمراض يغلب عليهم الغموض، مستدركاً بأن المجتمع يعول عليهم لحل هذه المعضلات، فهناك قاتل طليق يحصد الأرواح وقد يضرب مجدداً، والبقاء في حالة جهل به أمر يثير الرعب الحقيقي.
واستطرد مكديد واصفاً أثر تلك الكلمات في نفسه: ""لقد أصابتني تلك الكلمات في مقتل على المستويين الشخصي والمهني؛ فلم تفارق ذهني طوال الأيام التالية، حتى استسلمت تماماً لطبيعتي الإلحاحية وشغفي بالعمل"".
ومع بدء عطلة الأعياد، عاد مكديد إلى معمله وحيداً، وأعاد وضع العينات تحت المجهر في محاولة شبهها في حديث لتعليق نشرته مجلة ""تايم"" بالبحث عن عدسة لاصقة مفقودة في ملعب كرة سلة، بينما لا تبعد عيناك سوى بوصات قليلة عن الأرض. ومن رحم تلك المحاولة المضنية، التقطت عيناه تجمعاً لبكتيريا عصوية الشكل سقطت سهواً من الفحوصات السابقة. كانت تلك هي البصمة الوراثية للقاتل، وجنساً جديداً بالكامل من البكتيريا، اختار له اسم ""الفيلقية"" (Legionella) تخليداً لذكرى ضحايا فيلادلفيا.
وبالتعاون مع زميله في المركز تشارلز شيبارد، نجح مكديد في إثبات أن السلالة التي أحدثت ذلك الهلع، والتي سميت ""الفيلقية المستروحة"" (Legionella pneumophila)، كانت هي المتهم الخفي وراء سلسلة من الأوبئة الغامضة والقاتلة في عقود خلت؛ ومنها تفشٍ وقع عام 1965 في مستشفى للأمراض النفسية بواشنطن العاصمة حصد أرواح 16 شخصاً، وحادثة أخرى أودت بحياة شخصين في مؤتمر لجمعية الأخوة (Odd Fellows) في فيلادلفيا عام 1974، والمفارقة أنها وقعت في ذات الفندق، ""بيلفيو سترتفورد"".
قادت هذه الطفرة العلمية، والربط الذكي بالقضايا القديمة، مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها إلى استنتاج حاسم؛ وهو أن برج التبريد الرابض فوق سطح الفندق كان الحاضنة والمنطلق لذلك الوباء. فحرارة الصيف اللاهبة وفرت للمياه الراكدة داخل البرج البيئة المثالية والحرارة النموذجية لتكاثر بكتيريا الفيلقية. ومع تبخر قطرات الماء المحملة بالميكروب، جرف الهواء الرطب الملوث أسفل واجهة المبنى ليتسلل عبر فتحات نظام سحب الهواء، مصيباً المخضرمين في الداخل والمارة في الشوارع المحيطة بالفندق.
وعلى الرغم من وضوح النتائج، يتذكر مكديد أن الإعلان لم يمر دون تشكيك، حيث جابه الفريق جبهة معارضة ضمت أتباع نظريات المؤامرة، وأطرافاً دافعت عن فرضيات أخرى تخدم مصالحها، فضلاً عن فئة سخرت من فكرة التوصل إلى عامل معدٍ جديد تماماً.
لكن مكديد ورفاقه نجحوا في نهاية المطاف في إفحام المشككين عبر تقديم أدلة دامغة تثبت وجود البكتيريا في عينات وباء فيلادلفيا، وقدرتها على حل ألغاز العديد من الأوبئة التي قُيدت سابقاً ضد مجهول.
وعلى مدار العقود الخمسة الماضية، حقق العلم قفزات نوعية في سبر أغوار بيولوجية بكتيريا الفيلقية وسلوكها البيئي؛ إذ نجح الباحثون في تصنيف ما يزيد على 77 سلالة مختلفة. ومع ذلك، تظل ""الفيلقية المستروحة"" سلالة عام 1976 ذاتها مسؤولة عن أكثر من 90 بالمئة من حالات التفشي حول العالم.
كما فك العلماء شفرة المهارة الفائقة لهذه البكتيريا في التخفي، وتبين أنها تستوطن كائنات الأميبا وتتخذ منها دروعاً واقية تحميها كحصان طروادة، بل وتحولها إلى مأدبة دسمة تتغذى على عناصرها الحيوية، بانتظار اللحظة المواتية لتنتقل إلى مضيفين أكثر حيوية مثل البشر.
بيد أن الثابت الذي لم يتغير مع توالي الأوبئة، سواء أكانت فيروس هانتا، أو نقص المناعة البشرية، أو الحصبة، أو كورونا، هو أن الشائعات والمعلومات المضللة تمتلك دائماً أجنحة أسرع من حركة الكشف العلمي والتواصل الرسمي. وما إن تتم السيطرة على المرض، حتى يميل الوعي الجمعي إلى تهميش خطورته، على الرغم من بقائه خطراً كامناً يهدد الجميع.
ويرى المؤرخ ديهنر أن المجتمعات البشرية جُبلت على محو ذكريات صدماتها الميكروبية؛ فعندما كان فيروس كوفيد 19 يحصد الأرواح، ساد اعتقاد بأن هذا الوباء سيغير وعينا إلى الأبد، ولكن الواقع يشير إلى أن الناس شارفوا على نسيانه الآن. والأمر ذاته تكرر مع الإنفلونزا الإسبانية التي أودت بحياة ما بين 40 إلى 50 مليون إنسان، حيث تجاوزها الوعي البشري سريعاً؛ فالإنسان بطبعه يميل إلى طي صفحة الذكريات الأليمة ويرفض العيش في جلباب المخاوف، مفضلاً إلقاءها في دهاليز النسيان.
لقد وُصف تفشي بكتيريا الفيلقية عام 1976 بـ ""وباء القرن""، واليوم يعيش هذا الممرض حالة من النسيان المطبق رغم كونه حاضراً في كل مكان؛ فلو فحصت أي نظام مائي طبيعي، فثمة احتمال كبير أن تعثر عليه. ويؤكد ديهنر أن البنية التحتية لشبكات المياه في المدن توفر، للمفارقة، مناخاً مثالياً يضمن ازدهار هذه البكتيريا ونموها.
وتبرز أبراج التبريد على وجه الخصوص كعنصر أساسي وخفي في البنية العمرانية للمدن الحديثة، وتتولى طرد الحرارة الزائدة من أنظمة التكييف والتهوية في المباني الشاهقة. وفي فصل الصيف، تقفز حرارة المياه داخل هذه الأبراج لتتراوح بين 29 و35 درجة مئوية، وهو المناخ الذهبي لتكاثر بكتيريا الفيلقية. ومع ذلك، تشير ميشيل بريفوست، المهندسة البيئية بجامعة بوليتكنيك مونتريال، إلى أن غياب القوانين الصارمة أو غياب الرقابة والضغط المجتمعي يجعل الكثير من مديري البنايات يتكاسلون عن فحص مستويات البكتيريا في شبكات المياه بانتظام.
وفي عام 2015، وفي ما يشبه الصدى الحزين لسيناريو عام 1976، تسببت بكتيريا الفيلقية المستروحة الكامنة في برج تبريد لأحد فنادق حي برونكس في وفاة 16 شخصاً وإصابة 138 آخرين من القاطنين على بعد أميال من المبنى.
ويوضح ديهنر أن حالتي فيلادلفيا وبرونكس تشابهتا في رد الفعل الإعلامي الصاخب الذي رصد الضحايا، وتابع بدقة مسارات التحقيق حول المصدر، ووجه أسئلة حادة حول التقصير وكيفية حدوث الأمر والإجراءات المتبعة لحماية الناس. غير أن نقطة التحول بعد تفشي برونكس تمثلت في مسارعة ولاية نيويورك لفرض تشريعات تلزم ملاك المباني بإجراء فحص دوري وإلزامي لتقصي بكتيريا الفيلقية.
وتؤكد ستاوت أن استئصال بكتيريا الفيلقية من شبكات المياه بشكل نهائي يعد أمراً مستحيلاً، لكن السيطرة على مستوياتها وإبقائها في الحدود الآمنة أمر ممكن تماماً، شريطة توفر الإرادة السياسية لسن القوانين. وتعرب ستاوت عن أسفها للبطء الشديد الذي اتسمت به المنظومة التشريعية في الولايات المتحدة، مقارنة بدول مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا وأستراليا وتايوان، والتي تبنت إجراءات وقائية استباقية وحاسمة لإدارة مخاطر بكتيريا الفيلقية، عبر إلزام المنشآت بالفحص الدوري والتدخل الفوري عند رصد أي ارتفاع في مستويات البكتيريا، لافتة إلى أن هذه المنظومة كانت مفعلة هناك منذ تسعينيات القرن الماضي، بينما لم تصدر مراكز السيطرة على الأمراض في أمريكا توصيتها بالفحص الروتيني إلا في عام 2021. ورغم ترحيبها بهذا التقدم، إلا أنها تشدد على أن الطريق لا يزال طويلاً.
وحتى في ظل وجود القوانين الصارمة، يمكن لبكتيريا الفيلقية أن تبغت الجميع في مواقع غير متوقعة، وما حادثة المدفأة الكهربائية بفندق أوبسالا في السويد إلا برهان ساطع على ذلك؛ إذ سجل الاتحاد الأوروبي تضاعفاً في أعداد المصابين بالمرض في الفترة ما بين عامي 2010 و2019.
ويرى فريدريك هاميس، عالم الأحياء الدقيقة بالمعهد الفيدرالي السويسري لعلوم وتكنولوجيا الأحياء المائية، أن هذا الارتفاع يعود إلى تشابك عدة عوامل؛ فالكثير من المجتمعات تعاني من شيخوخة السكان، وهي الفئة الأكثر عرضة للمرض. يضاف إلى ذلك توجه قطاع الإنشاءات نحو استبدال الأنابيب المعدنية النحاسية والفولاذية بأنابيب البوليمر الاصطناعية (البلاستيكية)، والتي توفر للأسف بيئة خصبة لالتصاق ونمو الأغشية الحيوية للبكتيريا. كما أن تقنيات العزل الحراري الحديثة في المباني باتت تحافظ على الدفء داخل المنازل، لكن ضريبة ذلك هي ارتفاع حرارة الأنابيب لتصبح حاضنة دافئة للبكتيريا. ويمتد الأمر إلى سلوكيات توفير الطاقة، حيث يعمد بعض المستهلكين إلى خفض حرارة سخانات المياه دون عتبة 60 درجة مئوية، وهي الدرجة الكفيلة بالقضاء على البكتيريا، مما يتسبب في مفعول عكسي يضاعف من وجود الميكروب بمعدل عشرة أضعاف إلى مئة ضعف، وفقاً لما نبهت إليه بريفوست.
ولا يمكننا في هذا السياق إغفال بصمة التغير المناخي؛ فبعد أن كانت أبراج التبريد تعمل لشهرين أو ثلاثة أشهر في العام، أصبحت اليوم تدور لعطلة تقارب خمسة أشهر سنوياً بسبب امتداد موجات الحر الصيفية.
ولمحاصرة هذه المخاطر، تدعو بريفوست إلى إقرار لوائح تفرض على مديري العقارات فحص أنظمة المياه شهرياً، وفي حال رصد مستويات مرتفعة من بكتيريا الفيلقية، يُمنح الملاك مهلة محددة وصارمة لتطهير الشبكة، مع تكثيف وتيرة الفحص اللاحق حتى يثبت خلو المياه من الممرض.
وإلى جانب القوانين، ترى ستاوت ضرورة مد جسور التوعية نحو المجتمع والأوساط الطبية على حد سواء؛ إذ يجمع الباحثون على أن غياب ثقافة الفحص في الطوارئ والمراكز الطبية هو السبب الرئيسي وراء تراجع الأرقام الحقيقية للمرض. فعندما يستقبل الأطباء مريضاً يصارع الموت بسبب التهاب رئوي حاد، تنصب كل الجهود غريزياً نحو إنقاذ حياته أولاً.
وهنا يبادر الأطباء بوصف مضادات حيوية قوية واسعة الطيف دون انتظار أخذ عينة من البلغم لتحليلها وتحديد نوع البكتيريا بدقة. فإذا تماثل المريض للشفاء، تكون المضادات قد طهرت الجسد واختفى أثر بكتيريا الفيلقية دون توثيقها، وإن وافت المنية المريض، فلا تتوفر دوافع قوية لإجراء تشريح للجثة لمعرفة المسبب الدقيق، ويكتفي الجميع بتدوين الوفاة نتيجة التهاب رئوي، وهي تهمة فضفاضة تشترك فيها مئات الميكروبات.
إن تفعيل الفحص الدقيق والإبلاغ المنهجي من قبل الأطباء من شأنه دعم الحراك التشريعي وتحسين فرص نجاة المرضى. فالتقدم في السن، والتدخين، وإدمان الكحول، وضعف المناعة، كلها عوامل ترفع من احتمالات الوفاة بسبب بكتيريا الفيلقية. والوعي الطبي بهذه المخاطر سيدفع الأطباء إلى منح الأولوية لفحص هذه الفئات، وتقديم نصائح وقائية للمرضى الذين يعانون من نقص المناعة، مثل حثهم على تركيب مرشحات دقيقة (فلاتر) على رؤوس الاستحمام، وتوخي الحذر الشديد عبر استخدام مياه مفلترة ومعقمة في أجهزة ترطيب الجو المنشورة في المنازل.
ومع استشراف المستقبل، تأمل شونينغ أن ينجح العلم في فك لغز التباين في الاستجابة المناعية للبشر تجاه هذه البكتيريا، مشيرة إلى أن الكثيرين يستحمون يومياً بمياه تعج ببكتيريا الفيلقية دون أن يمسهم سوء. ويتطلع باحثون آخرون إلى فهم السلوك المتقلب لهذا الميكروب؛ وكيف يقضي فترات طويلة مسالماً في جوف الأميبا، ثم يتحول فجأة إلى وحش ضارٍ يفتك بالخلايا البشرية.
وبعد مرور نصف قرن على تلك الفاجعة التي شهدتها فيلادلفيا، تظل الحكمة الصادرة عن أحد أبرز رموز تلك المدينة، بنجامين فرانكلين، هي الدرع الأقوى لمواجهة هذا الخطر الكامن، حين قال إن ""درهم وقاية خير من قنطار علاج"".
