في حفل تخرج جامعة أريزونا الشهر الماضي، وقف إيريك شميت، الرئيس التنفيذي السابق لشركة جوجل، ليخاطب خريجي عام 2026 قائلاً إن مستقبل ""الذكالي"" رهين بسواعدهم وعقولهم، فما كان من الجموع المحتشدة إلا أن قابلت كلماته بوابل من صيحات الاستهجان والرفض. ولم يكن هذا الموقف معزولاً، بل تكرر المشهد ذاته في حفلات تخرج أخرى، حيث تبدأ الكلمات بعبارات منمقة مفعمة بالأمل حول الثورة التقنية، وتنتهي بلفظ الجماهير لها ومقابلتها بالاستنكار.
إن هذا الغضب الذي يعتمل في نفوس الناس حقيقي وله ما يبرره تماماً. فقد دأب أقطاب التكنولوجيا على إخبارنا بأن ""الذكالي"" سيعيد صياغة وظائفنا، ومدارسنا، وعلاقاتنا الإنسانية، بل وحتى حروبنا. لكنهم في الوقت ذاته يريدون منا أن نقتنع مرغمين بأننا سنقطف ثمار هذا التغيير الجذري الذي يفرض نفسه على تفاصيل حياتنا دون أن يطلب أحد موافقتنا، ودون أن تتاح لنا فرصة المشاركة في صياغته. وبالنسبة للكثير من الأمريكيين، وأنا منهم، فإن هذا الوعد يبدو زائفاً ولا يستقيم مع الواقع، إذ يراودنا شعور واثق بأن مستقبنا يُطبخ خلف ظهورنا ويُقرر نيابة عنا لا بأيدينا.
على مدى العقود القليلة الماضية، جرى التعامل مع السياسات الناظمة للتكنولوجيا بوصفها شأناً فنياً بحتاً يدور في فلك ضيق لا يدخله سوى العلماء، والرؤساء التنفيذيين للشركات، والمتعاقدين، والمحامين. غير أن هذا الربيع حمل تحولاً كبيراً عندما نقل البابا والرئيس الأمريكي هذه القضية إلى مصاف المسائل الأخلاقية والسياسية الكبرى. ففي الخامس والعشرين من مايو، أصدر البابا ليون الرابع عشر رسالته العامة الأولى التي جاءت تحت عنوان ""الإنسانية الرائعة"" ليسلط الضوء على العلاقة بين ""الذكالي"" والكينونة البشرية. وفي أعقاب ذلك، وتحديداً في الثاني من يونيو، وقع الرئيس دونالد ترامب أمراً تنفيذياً حمل عنوان ""تعزيز الابتكار والأمن في مجال الذكالي المتقدم"". ولعل المرء لا يجد وثيقتين يتباعد ما بينهما كما يتباعد ما بين هاتين الوثيقتين.
تنطلق الرسالة البابوية من ركيزة إنسانية خالصة، تتوخى ضبط مكامن القوة والنفوذ بضوابط الأخلاق والمبادئ. وعلى النقيض من ذلك، يركز أمر ترامب التنفيذي على هاجس واحد وهو كيف تحافظ أمريكا على تفوقها التقني في وجه الصين. نحن هنا أمام وثيقتين، الأولى تمثل تأملاً عميقاً في صون الكرامة الإنسانية، والثانية تضع استراتيجية لبسط الهيمنة وفرض النفوذ. ومع ذلك، فإن جوهر الحديث في كلا الطرحين يتجاوز حدود ""الذكالي"" بمفهومه المجرد، ليلامس تحولاً خطيراً يتمثل في انتقال سدة الحكم وصناعة القرار من المواطنين إلى الآلات، ومن ساحات النقاش العلني إلى الغرف المغلقة للشركات الخاصة.
وتصل الفجوة بين الرؤيتين إلى ذروتها عند الخوض في غمار الحرب والأمن القومي. فالتحذير الأشد لهجة في الرسالة البابوية ينص على أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال تفويض القرارات المصيرية القاتلة التي لا رجعة عنها إلى الأنظمة التقنية الاصطناعية. فلا يمكن للآلة أن تملك حق الفصل في من يحيى ومن يموت. قد ينجح السلاح في رصد البصمة الحرارية، ومطاردة الأهداف، والتوصية بتوجيه ضربة عسكرية، لكنه يفتقر تماماً إلى استيعاب المعنى الحقيقي لزهق الأرواح وإنهاء الحياة. إن الآلة لا يمكنها أن تقف لتجيب على تساؤلات عائلة مكلومة، أو تمثل أمام محكمة، أو تحاسب أمام التاريخ. وكما صاغها البابا ليون بكلمات بليغة إذ قال إنه لا توجد خوارزمية على وجه الأرض يمكنها أن تمنح الحرب غطاءً أخلاقياً مقبؤلاً.
وفي المقابل، نجد أن ترامب قد أقحم الولايات المتحدة في أتون صراعات خارجية شتى، بما في ذلك المواجهة المستمرة مع إيران. ومن هذا المنطلق البراغماتي، يتعامل أمره التنفيذي مع الأنظمة التقنية المتطورة من زاوية تكتيكية بحتة، حيث أقر بأن مسؤولي إدارته سيتولون اختبار النماذج الأكثر تقدماً في أجواء من السرية التامة. ورغم أن الأمر لا يمنح ضوءاً أخضر صريحاً لاستخدام الأسلحة المستقلة ذاتياً، إلا أنه يرسم بوضوح معالم الساحة التي ستُصنع فيها القرارات المتعلقة بأنظمة ""الذكالي"" المتطورة واستخداماتها العسكرية، وهي ساحة تقع خلف الأبواب المغلقة. وبناءً على ذلك، فإن الأسئلة الأكثر خطورة وتأثيراً حول قدرات ""الذكالي"" العسكرية والسيبرانية والمجتمعية سيجري البت فيها عبر مراجعات سرية وتنسيق خاص يجمع شمل شخصيات بعينها، مثل وزير الخزانة سكوت بيسنت، ووزير الحرب بيت هيغسيث، ووزير التجارة هوارد لوتنيك.
إن أبسط قواعد الديمقراطية تقتضي أن تُناقش مثل هذه المسائل المصيرية في العلن، تحت قبة البرلمان، أو من خلال جلسات استماع عامة، أو عبر سجلات رسمية تتيح محاسبة المسؤولين. أما اليوم، فإن هذا الأمر التنفيذي يكاد يدفع بهذه القضايا إلى مساحات معتمة بعيدة عن مرأى ومسمع المجتمع، حيث لا يملك المواطن العادي حق النقاش أو القدرة على إسماع صوته.
وعلى سياق أوسع، يضع الأمر التنفيذي لترامب مقاليد عملية التقييم والمراجعة برمتها في يد الحكومة وحفنة من المؤسسات التي سُميت صراحة بصفتها جهات تطوير وأبحاث ""الذكالي""، أو ما يُعرف بقطاع صناعة ""الذكالي"". وفي المرحلة المقبلة، ستنفرد هذه الوكالات الحكومية بتحديد النماذج المسموح بطرحها في الأسواق بناءً على معايير تقييم سرية تشترك في وضعها الشركات التي صممت تلك النماذج نفسها. ويتولى هؤلاء معاً اختيار من يصفونهم بالشركاء الموثوقين الذين يُسمح لهم بمعاينة الأنظمة الأكثر تطوراً قبل أن يعلم عنها الجمهور شيئاً، بل إن الحكومة تحتفظ لنفسها بحق إلقاء نظرة فاحصة على هذه النماذج قبل ثلاثين يوماً كاملة من وصولها إلى هؤلاء الشركاء. ولا يتضمن هذا الأمر أي مهلة لتلقي ملاحظات العموم، ولا يحدد أي موعد لجلسات استماع، بل إنه ينص صراحة في بنوده على أنه لا يترتب عليه أي حق موضوعي أو إجرائي يمكن لأي طرف استخدامه للطعن فيه. إن المشاركة هنا غدت قائمة على مبدأ الاختيار، والمقصود بـالاختيار هنا أنها تتم عبر دعوات خاصة وتوزيع بطاقات حضور، بحيث يساهم المطورون الذين صاغوا البنية الأساسية في اختيار من يشاركونهم الغرفة، بينما يكتفي عامة الناس بقراءة أخبار النتائج بعد الفراغ منها.
ولم يكن توقيع هذا الأمر التنفيذي هو بداية هذا النهج، بل إن هذه الديناميكية كانت تتجلى بوضوح للعيان قبل ذلك بمدة. فقد كشف موقع أكسيوس أن شخصيات مثل مارك زوكربيرج وإيلون ماسك وديفيد ساكس قد أجروا محادثات مباشرة مع ترامب قبل أن يتقرر تأجيل مسودة سابقة للأمر، في حين أشارت صحيفة واشنطن بوست إلى وجود ضغوط واتصالات مكثفة من أقطاب الصناعة للاعتراض على بعض الصياغات الواردة في المسودة. ومهما كان فحوى ما دار خلف الكواليس في تلك اللقاءات، فإنها فضحت خللاً عميقاً في ميزان القوى، إذ باتت الشركات التي تبني هذه الأنظمة تملك خطاً ساخناً وقناة اتصال مباشرة لتشكيل القواعد التي تحكم عملها، في حين يقف المجتمع في طابور الانتظار الطويل باحثاً عن موطئ قدم أو سبيل للدخول.
وهنا تبرز القيمة البالغة لرسالة البابا البليغة التي صاغت بوضوح طبيعة الخطر المستتر وراء هذه التفاهمات. فعندما تقع البيانات، والخوارزميات، والمنصات الرقمية، والبنى التحتية في قبضة قلة احتكارية، فإن هذه الأدوات والوسائل التي كان من المفترض أن تفتح آفاقاً جديدة للبشرية وتوسع مداركها، قد تتحول بين عشية وضحاها إلى أدوات شرسة للإقصاء والتهميش. والسؤال الحقيقي هنا يكمن في المسار الذي سنمضي فيه، فهل سيصبح هذا الذكاء بمثابة بنية تحتية مشاعية ومتاحة للجميع، بحيث تملك المؤسسات العامة والمجتمعات المحلية القدرة على توجيهها وتشكيلها؟ أم أنه سيتحول إلى مجرد مساحات طاقة حوسبية مؤجرة، تعيد بيعها للمجتمع شركات معدودة تملك وحدها رأس المال الضخم اللازم لبنائها؟
والحق أن هذا التحول لم يعد نبوءة للمستقبل، بل هو واقع نعيش فصوله اليوم. فـ""الذكالي"" يتدخل في مصائر الناس بشكل مباشر وآني، سواء عبر القرارات التي تصدرها الآلة بشأنهم، أو عبر ما يمكن أن تسلبه من أرزاقهم وحيواتهم. فالبرمجيات هي من تصنف اليوم مدى الموهبة الأكاديمية والوعود المستقبلية للطفل، وهي من تحدد فوائد القروض، وهي من تفرز المرضى لتحديد من يستحق الرعاية الطبية، وهي التي تقرر في نهاية المطاف أي طلبات التوظيف يمكن أن تقع تحت عين مسؤول التوظيف البشري. ومع تغلغل هذه الأنظمة وإدارة مساحات شاسعة من تفاصيل حياتنا اليومية عبرها، سنصل إلى زمن تصدر فيه الأحكام وتُتخذ فيه القرارات المصيرية دون أن نملك أدنى وسيلة لمعرفة الحيثيات والأسس التي بُنيت عليها تلك الأحكام.
وفي هذا المقام بالذات، يكتسب دفاع رسالة البابا ليون عن الكرامة الإنسانية أهمية قصوى. فالأب، والمريض، والعامل، والطالب، والمتقدم لشغل وظيفة، يجد كل منهم نفسه مكبلاً بحكم قطعي صادر عن نظام برمجى لم يختره ولا يملك حتى حق استئنافه أو الاعتراض عليه. ولو كنا في ساحة قضاء حقيقية، لكان لكل واحد من هؤلاء الحق في الوقوف والمرافعة والدفاع عن نفسه، أما في عالم القرارات المؤتمتة التي تقلب مسار الحياة رأساً على عقب، فإنه يجرد من كل سلطة ويصبح بلا صوت.
إن الهاجس الذي يسيطر على ردهات صناعة القرار في واشنطن وروافد وادي السيليكون هو أن أي تباطؤ أو توقف لتقييم تداعيات ""الذكالي"" على حياة البشر سيعني تلقائياً تسليم مفاتيح المستقبل إلى الصين. ولذا، يرفعون شعاراً واحداً مفاده تحركوا بأقصى سرعة، ولا تكثروا من الأسئلة، وضعوا ثقتكم الكاملة في المطورين والبناة. لكن المجتمع الحر لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يقبل بالسرعة كبديل عن مبدأ التراضي والموافقة. إن تحولاً بهذا الحجم لا يحدث فجأة، بل يتسلل ببطء شديد عبر عقود المشتريات، واتفاقيات استخدام النماذج، والبنود الصغيرة التي لا يقرأها أحد في أسفل الصفحات، حتى إذا ما اكتمل بناء الأنظمة واستقرت الإعدادات الافتراضية وصارت واقعاً، يصبح التراجع عن هذا الوضع أمراً باهظ التكلفة ويستحيل إلغاؤه. ونحن اليوم لا نزال نعيش في تلك المرحلة البطيئة التي تسبق نقطة اللاعودة.
إن الترياق الناجع لهذا الخطر يكمن في تفعيل آليات الديمقراطية بمفهومها البسيط والتقليدي، من قبيل تنظيم جلسات استماع علنية للمجتمع قبل أن تقدم أي منطقة تعليمية على شراء خوارزمية لتصحيح درجات الطلاب، وكفالة الحق القانوني لكل شخص في معرفة متى خضع لحكم تقييمي صادر عن نموذج برمجى ومنحه حق استئناف هذا الحكم، وإتاحة المجال للمراجعة الشعبية لقرارات النماذج المتطورة بعيداً عن كواليس السرية الحكومية، فضلاً عن صياغة قواعد مشتريات واضحة تطرح الأسئلة الجوهرية وهي من المستفيد؟ ومن الذي يتحمل المخاطر؟ ومن يملك سلطة الطعن في هذه النتائج؟
وهنا تحضرني تلك الدعوة الملهمة والقوية التي وردت في وثيقة ""الإنسانية الرائعة"" حين قالت لا ينبغي لنا أن نتهيب أو نخشى من أن تتسخ أيدينا في ""موقع بناء"" هذا العصر الذي نعيشه. إن أولئك الطلاب الذين أطلقوا صيحات الاستهجان في ربيع هذا العام يدركون بفطرتهم ما استغرق صناع السياسات سنوات طويلة للاعتراف به، وهو أن موقع بناء المستقبل قد جرى تسييجه وعزله بالكامل عن الأنظار، وأن القرارات الحيوية تصاغ وتطبخ في الداخل. ومع ذلك، لا تزال الشعوب الحرة تملك القدرة على استعادة زمام المبادرة وامتلاك هذه القرارات، ولكن بشرط واحد، وهو الرفض القاطع لسياسة الانتظار السلبي لتلقي الإملاءات حول ما جرى تقريره مسبقاً خلف الأبواب المغلقة.
