القائمة الرئيسية

التحدي القادم للأمن القومي يتجسد في نزاهة البحث العلمي

التحدي القادم للأمن القومي يتجسد في نزاهة البحث العلمي
ملخص المقال

يتناول المقال المخاطر المتزايدة لاعتماد الحكومات على الذكاء الاصطناعي في إعداد البحوث والتقارير الإستراتيجية دون تحقق كافٍ، مستعرضًا حالات لجهات رسمية في أوروبا وجنوب إفريقيا والولايات المتحدة استندت إلى مراجع ودراسات مختلقة، مما أدى إلى سحب أو تصحيح وثائقها. ويبين أن المشكلة لا تكمن في التقنية ذاتها، بل في ضعف منظومات التحقق المؤسسية، خاصة مع استمرار النماذج اللغوية في اختلاق المراجع والمعلومات، وهو ما قد ينعكس على قرارات تمس الأمن القومي والدفاع والصحة والسياسة العامة. ويؤكد المقال أن مواجهة هذا التحدي تتطلب بناء منظومة متكاملة لنزاهة المعلومات تشمل التدقيق الإلزامي للمراجع، وربط مخرجات الذكاء الاصطناعي بمصادر موثوقة، والإفصاح عن استخدامه في الأعمال البحثية، وتأهيل كوادر متخصصة للتحقق من الأدلة، وصولًا إلى اعتبار نزاهة البحث العلمي والبراهين بنية تحتية حيوية لا تقل أهمية عن حماية الأنظمة الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي.

وكالة أوروبية معنية بالأمن السيبراني، وإستراتيجية وطنية للذكالي، وتقرير صحي رفيع المستوى صادر عن البيت الأبيض؛ ثلاث جهات رسمية مرموقة أصدرت، في الفترة ما بين مايو ٢٠٢٥ وأبريل ٢٠٢٦، وثائق إستراتيجية استندت في متونها إلى بحوث ودراسات لا وجود لها في الواقع مطلقاً.

ففي العام الماضي، نشرت وكالة الاتحاد الأوروبي للأمن السيبراني (إينيسا) تقارير موسعة عن مشهد التهديدات الرقمية، ليتبين للباحثين المستقلين لاحقاً أنها تعج بمراجع واهية ومختلقة بواسطة الذكالي. وبحسب رصد دقيق، تضمن تقرير واحد ٢٦ حاشية سفلية مغلوطة من أصل ٤٩٢ مراجعاً، مما اضطر الوكالة إلى سحب التقرير وإصدار نسخة معدلة لتصحيح الروابط. وفي جنوب إفريقيا، وجدت الحكومة نفسها مضطرة لسحب مسودة سياستها الوطنية للذكالي بعد أن كشفت الصحافة أن ستة مراجع أكاديمية على الأقل، من أصل سبعة وستين استندت إليها الوثيقة، كانت وهمية تماماً. أما في الولايات المتحدة، فقد جاء التقييم الحكومي المعنون بـ ""لنجعل أطفالنا أصحاء مجدداً"" مستشهداً بدراسات لا أصل لها، وحاملاً لمراجع نُسبت زيفاً لغير أصحابها؛ حيث كشفت صحيفة واشنطن بوست أن عشرات الهوامش في التقرير ذُيّلت بوسم (oaicite)، وهو الرمز الرقمي الذي يتركه نموذج (OpenAI) خلفه عند صياغة المراجع.

إن هذه المفارقات لم تحدث في بقعة واحدة، بل تقاسمتها حكومات متباينة في أقاليم مختلفة، وتناولتها ملفات سياسية شديدة التنوع، ومع ذلك فهي تدق ناقوس الخطر بشأن نقطة ضعف مؤسسية موحدة؛ وهي أن الاعتماد على الذكالي في صياغة البحوث دون تمحيص أفرز مادة معرفية مهزوزة كفيلة بتقويض السياسات العليا للدول وتغذيتها ببيانات مضللة. وفي الوقت الذي تهرع فيه الحكومات حول العالم لتبني تقنيات الذكالي، يتجه جل الاهتمام والإنفاق نحو تأمين النماذج البرمجية ذاتها، وحمايتها من الاختراق، وتحصين الدفاعات السيبرانية ضد الهجمات الخارجية، بينما غاب عن الأنظار تحول صامت وأكثر خطورة؛ ونعني به الطريقة التي يغير بها الذكالي مفهوم ""المعرفة الموثوقة"" من أساسه، ومدى قدرتنا على تصديق ما يُقدم إلينا بصيغة حقائق علمية.

ولعل الجانب المضيء هنا هو أن أنظمة رصد المحتوى المولد بالذكالي تشهد نضجاً ملموساً؛ إذ تحقق أدوات مثل بانغرام، وأوريجيناليتي إي آي, وجي بي تي زيرو، وروبرتا، نتائج طيبة وفقاً لبعض المقاييس، وإن كانت لا تزال قاصرة عن الكمال. بيد أن المعضلة الحقيقية والأكثر إلحاحاً تتمثل في تلمس مواطن القصور في تلك الأدوات الحالية، وفهم طبيعة المخاطر الناجمة عن إخفاقها، وكيفية إعادة هيكلة المؤسسات لتتعامل مع ""نزاهة المعلومات"" كقضية أمن قومي بالغة الحساسية لا تقل أهمية عن أمن الحدود.

على مدى عقود طويلة، شيدت الحكومات صروحاً ومؤسسات صلبة لضمان إنتاج معرفة موثوقة تعتمد عليها الدول؛ فأنشأت أجهزة الخدمة المدنية المهنية، ومراكز البحوث والتطوير الممولة حكومياً، وطورت أدوات العمل الاستخباراتي، وصاغت آليات المراجعة والتحليل متعددة الطبقات. وكانت هذه المنظومات برمتها تنطلق من بديهية ثابتة: أن البشر هم صُنّاع المعرفة وهم من يتولى تدقيقها مؤسسياً. وجاء الذكالي ليزعزع هذه البديهية من جذورها؛ فبينما يفتح للحكومات آفاقاً مذهلة لجمع المعلومات وإعداد التحليلات بسرعة فائقة، فإنه يفرض في الوقت عينه تحديات غير مسبوقة تتعلق بصدقية المحتوى وآليات التثبت منه.

إن معضلة ""تزييف المعرفة واختلاقها"" باتت تؤرق الأوساط البحثية في مختلف العلوم. ففي دراسة أجريت عام ٢٠٢٣ ونشرتها مجلة ""ساينتيفك ريبورتس""، طلب باحثون من نموذج ""تشات جي بي تي"" إعداد مراجعات علمية للدراسات السابقة، فكانت النتيجة الصادمة أن ٥٥ بالمئة من المراجع التي قدمها إصدار (GPT-3.5) و١٨ بالمئة من مراجع إصدار (GPT-4) كانت وهمية ومختلقة بالكامل ولا تمت لأي بحث حقيقي بصلة. وحتى المراجع التي أشارت إلى أوراق بحثية موجودة بالفعل، لم تسلم من الخلل؛ إذ احتوى ٤٣ بالمئة منها في الإصدار الأول و٢٤ بالمئة في الإصدار الثاني على أخطاء جوهرية تشوه مضمون البحث الأصلي. ولم تفلح النماذج الأحدث في الفكاك من هذه المعضلة؛ حيث أظهرت دراسة تجريبية نُشرت عام ٢٠٢٥ في مجلة ""جي مير للمنتال هيلث"" أن نموذج (GPT-4o) يختلق مرجعاً واحداً تقريباً من بين كل خمسة مراجع يصيغها، وعند احتساب الأخطاء البيبليوغرافية، تبين أن ثلثي المراجع المستشهد بها إما وهمية أو مليئة بالأغلاط. والأدهى من ذلك، أن ظاهرة الاختلاق تزداد سوءاً وضراوة في التخصصات الدقيقة والمسائل النادرة مقارنة بالموضوعات الشائعة. وهذه النتيجة الأخيرة هي ما ينبغي أن يقض مضاجع صناع القرار؛ لأن المسائل الفنية الغامضة التي يَعسُر على غير المتخصصين التحقق منها بشكل مستقل، هي ذاتها البيئة الخصبة التي يبلغ فيها اختلاق الذكالي ذروته.

إن تغلغل هذه التقنيات في مفاصل البحث العلمي يطرح علامات استفهام كبرى حول مستقبل المعرفة الإنسانية. فقد كشف تحليل إحصائي نُشر عام ٢٠٢٥ في مجلة ""ساينس أدوانسز""، تتبع التغيرات المفاجئة في الأنماط اللغوية لأكثر من ١٥ مليون ملخص لبحوث طبية حيوية، أن ١٣.٥ بالمئة على الأقل من ملخصات البحوث في عام ٢٠٢٤ جرت معالجتها وتدبيجها بواسطة نماذج لغوية، بل إن هذه النسبة قفزت لتلامس ٤٠ بالمئة في تخصصات بعينها. وفي السياق ذاته، رصد باحثون من جامعة ستانفورد بصمة واضحة للذكالي داخل تقارير مراجعة الأقران والتحكيم العلمي ذاتها. وتظل هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى للرصد، وهي لا تعيب دقة المحتوى بذاتها، ولكنها تكشف عن حجم الظاهرة؛ إذ تدفقت النصوص المصنوعة بالآلة إلى السجلات الأكاديمية بغزارة، ودون إفصاح في غالب الأحيان. ومما يؤكد هذا الخلل، أن عام ٢٠٢٣ سجل سحب أكثر من ١٠ آلاف ورقة بحثية، وهو رقم قياسي غير مسبوق، كان الدافع وراءه تمدد ""مصانع الأبحاث التجاريّة"" التي تبيع مخطوطات مزورة، وجاءت نحو ٨ آلاف ورقة منها من دار نشر واحدة، مما يبرهن على أن أدوات الذكالي ضاعفت القدرة على إنتاج الزيف وتمريره على نطاق واسع.

وعندما يتطرق الفساد إلى البحث العلمي، فإن أمن الدول التي تُرسم سياساتها بناءً على هذه البحوث يصبح في مهب الريح. فالاستشهادات الوهمية والتحليلات المغلوطة التي تقال بثقة عمياء قادرة على تضليل القرارات الإستراتيجية، وتشويه تقييمات التهديدات في مسارح العمليات العسكرية، وبالتالي حرف مسار السياسات الأمنية التي تحمي المجتمع. ويكمن الخطر الأكبر في ألا يتم تدارك هذا التزييف في الوقت المناسب، لا سيما في ملفات السياسة العامة التي تترتب عليها التزامات مصيرية لا رجعة فيها. ولنا في المحاكم الأمريكية عبرة؛ إذ شهدت أروقتها صدور أحكام قضائية استندت إلى سوابق قانونية وهمية أفرزها الذكالي، مما تسبب في إقرار أحكام ملزمة قبل أن تتنبه محكمة الاستئناف وتبطلها. وإذا كان للقضاء درجات استئناف تملك الوقت لتدارك الخطأ وإصلاح الضرر، فإن صياغة سطر واحد مختلق داخل تقرير لتقييم التهديدات العسكرية، يُبنى عليه قرار ميداني فوري، لا يملك ترف الوقت ولا يجد شبكة أمان لتداركه.

ولننظر إلى ملف الحد من التسلح والأمن النووي، حيث أُسست أطر التحقق الصارمة تاريخياً لأن الثقة في الأدلة والبراهين تعد في حد ذاتها أصلاً إستراتيجياً لا يقبل الشك. ورغم خلو السجلات المعلنة حتى الآن من حالة أدت فيها مراجع الذكالي إلى تقويض تقييم نووي، فإن الاحتمال يظل قائماً، وعواقبه إن حدثت ستكون كارثية على البشرية جمعاء. وقد بلغ القلق من إقحام الذكالي في القرار النووي أعلى الهرم السياسي؛ ففي نوفمبر ٢٠٢٤، اتفقت الولايات المتحدة والصين رسمياً على ضرورة إبقاء التحكم في الأسلحة النووية بيد العنصر البشري حصراً، بعيداً عن سطوة الآلة. ويشدد خبراء الدفاع على ضرورة امتلاك القادة القدرة على تتبع وفحص الدور الذي يلعبه الذكالي في صياغة التقارير الاستخباراتية والتوصيات التي يتخذون بناءً عليها قرارات الحرب والسلم.

هذا التوجس ذاته يلقي بظلاله على أروقة الدفاع والاستخبارات، على الرغم من أن حركة الواقع تسير بسرعة نحو تبني هذه التقنيات والتوسع فيها. ففي الولايات المتحدة، أُلزمت الوكالات المدنية بإدارة أدوات الذكالي وفقاً لمذكرة مكتب الإدارة والموازنة رقم (M-25-21)، وهي توجيهات تضع تسريع التبني في مقدمة الأولويات، مع وضع حد أدنى من الضمانات للأنظمة ذات التأثير الحساس. وقد صدرت هذه المذكرة تفعيلاً للأمر التنفيذي رقم ١٤١٧٩ الصادر عن الرئيس دونالد ترامب، لتلغي توجيهات سابقة كانت أكثر تحفظاً. وتسير أنظمة الدفاع في المسار ذاته عبر أطر مستقلة لكنها تخدم الهدف نفسه. وإن هذا الاندفاع نحو التبني له وجاهته المنطقية؛ فالذكالي يملك قدرة فائقة على ترجمة الوثائق الفورية، واكتشاف الأنماط عبر محيطات من البيانات الضخمة، واختزال شهور من البحث والمطالعة في دقائق معدودة. ولكن السرعة، مهما بلغت، لا يمكن أن تغني عن التحقق، ومع تسارع وتيرة التلخيص الآلي، تصبح المؤسسات المعنية بتمحيص الأدلة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

ولم يعد هذا التبني مجرد خطط حبر على ورق، بل غدا واقعاً يومياً؛ إذ يستخدم آلاف المحللين في ثماني عشرة وكالة استخبارات أمريكية منظومة أوزيريس، وهي أداة ذكالي أنشأتها وكالة الاستخبارات المركزية لتحليل المصادر المفتوحة، ويحدث هذا رغماً عن تحذيرات رئيس الشؤون التكنولوجية في الوكالة ذاتها من أن النماذج الحالية لا تزال تقع في فخ ""الهلوسة"". وإن مخاطر هذا الركض السريع يمكن قياسها بدقة؛ ففي دراسة أجرتها جامعة ستانفورد، وضعت خمسة من النماذج اللغوية الكبيرة في بيئة محاكاة لأزمات عسكرية ودبلوماسية، فأظهرت جميعها بلا استثناء نزعة واضحة نحو تصعيد الصراع وتعميق الأزمة، حتى في السيناريوهات التي بدأت بأجواء ومواقف محايدة تماماً.

ولا تقل المخاطر في أروقة الدبلوماسية والتنمية الدولية عنها في مجالات الدفاع؛ إذ باتت وزارات الخارجية ووكالات الإغاثة والمنظمات الأممية تعتمد بشكل متزايد على التلخيص الآلي السريع لتقارير الدول، وتقييمات الأوضاع الإنسانية، والأبحاث المنشورة باللغات المحلية. ويبدو الذكالي هنا أداة واعدة بحق لتوسيع نطاق المعرفة، وتجاوز عوائق اللغات، ومساعدة الهيئات المثقلة بالأعباء على قراءة المشاهد المعقدة بسرعة. غير أن المفارقة تكمن في أن هذه البيئات بالذات هي الأضعف من حيث القدرة على المراجعة والتدقيق، نظراً للتراجع الحاد في الموارد المادية والبشرية، مما يرفع من احتمالات تمرير البيانات المختلقة. إن تقييماً واحداً لبلد ما، يُصاغ على عجل وبأدوات آلية، كفيل بتحويل مسار أموال التنمية، وتوجيه قوافل الإغاثة الإنسانية، وصياغة المواقف الدبلوماسية، والخطأ في هذا المضمار يحمل عواقب أمنية وخيمة في الداخل عندما تتطاير شرارات عدم الاستقرار من الخارج.

إذا أُحسنت حوكمته ووضع أطره الصحيحة، فقد يغدو الذكالي واحداً من أثمن الأدوات البحثية التي عرفتها الحكومات في التاريخ الحديث. بيد أن التحدي القائم يتلخص في بناء منظومة تحقق قادرة على ملاحقة سرعة التوليد الآلي، والمنعطف الإيجابي في هذه المعركة هو أن اللبنات الأساسية لهذه المنظومة متوفرة بالفعل لدى المجلات العلمية، ودور النشر، وهياكل المجتمع المدني.

إستراتيجيات المواجهة وبناء الجاهزية الرقمية

  • أولاً: ينبغي للحكومات أن تتوقف عن اعتبار تدقيق المراجع مجرد خطوة شكلية أو تحسين تجميلي يُترك لنهاية العمل، بل يجب إدراجها كبنية تحتية روتينية وإلزامية. إن الأنظمة الحالية تعتمد على سياسات ترقيعية تقوم على رد الفعل، وتتكئ بشكل مفرط على الإفصاح الطوعي وحسن النوايا. يجب ألا يمر سطر واحد أو مرجع في تقرير حكومي صِيغ بمساعدة الآلة دون تتبعه إلى مصدره الأصلي الموثوق، وهو عمل يمكن أتمتة جل مساراته. وتدير دور النشر الكبرى حالياً عمليات فحص للنزاهة على نطاق واسع عبر شبكات مشتركة مثل مركز نزاهة النشر العلمي (STM) وبرمجيات كشف مصانع الأبحاث، كما بدأت مبادرات مستقلة تابعة للمجتمع المدني، مثل مشروع ""الملعقة السوداء"" (Black Spatula)، في تسخير الذكالي نفسه لرصد الأخطاء الحسابية والوقائعية في المتون المنشورة. وبناءً عليه، يمكن للجهات الحكومية التي تطلب إجراء بحوث إستراتيجية أن تشترط خضوعها لعمليات تدقيق معرفي صارمة قبل إجازتها ونشرها، تماماً كما تشترط إخضاع الميزانيات المالية لتدقيق الحسابات قبل اعتمادها.

  • ثانياً: يتوجب على مطوري البرمجيات والباحثين والمحللين الفاعلين في صياغة التقارير الإستراتيجية تغيير طريقة التعامل مع هذه الأدوات من أساسها، وألا يقتصر جهدهم على فحص المخرجات النهائية فحسب. يجب ضبط وتوجيه المساعدين البحثيين الآليين ليربطوا ادعاءاتهم بمصادر مسترجعة وحية يمكن تتبع روابطها، بدلاً من ترك النماذج تولد المراجع والاستشهادات من ذاكرتها الافتراضية؛ إذ أثبتت التجارب أن هذا الخيار التصميمي هو الكفيل بقطع دابر الاختلاق والحد منه. وفي حال عجز النموذج عن العثور على مصدر حقيقي يوثق المعلومة، يجب أن تظهر هذه الفجوة للمستخدم بوضوح كعلامة تحذير، بدلاً من أن تقوم الآلة بـ ""تنعيم"" النص وتغطية النقص باختلاق مرجع وهمي.

  • ثالثاً: على صناع السياسات صياغة معايير وطنية واضحة وموحدة تكافئ وتثمن الإفصاح الشفاف عن استخدام الذكالي في العمل البحثي. ولا يحتاج القارئ أو المسؤول إلى الاطلاع على السجل الكامل للأوامر المدخلة (Prompts)، ولكن من حقه معرفة ما يكفي لمعايرة حجم الثقة التي يمنحها للنص، وهو المنطق ذاته الذي بنيت عليه تقنيات العلامات المائية ومعايير توثيق أصل المحتوى الرقمي التي بدأت تنتشر في الفضاء المعلوماتي.

  • رابعاً: يتعين على الدول الاستثمار في بناء وتأهيل الكوادر البشرية القادرة على التحقق من الأدلة في عصر الخوارزميات. إن برمجيات الكشف تتطور يومياً لكنها لن تبلغ الكمال، والاعتماد الأعمى عليها قد يؤدي إلى نتائج إيجابية خاطئة تظلم باحثين جادين وتخدش سمعتهم العلمية دون وجه حق. ومن ثم، فإن الوثائق والتقارير الإستراتيجية ذات التبعات الخطيرة تستدعي إيجاد دوائر متخصصة تملك الكفاءة والمسؤولية لفحص الأصول وتقدير نسب الشك. وهذا يعني ضرورة الإنفاق على إعداد جيل جديد من ""تقنيي المصلحة العامة"" والمراجعين المدربين ليكونوا صلة الوصل وجدار الحماية بين القادة وصناع القرار من جهة، والنماذج الرقمية التي يرتكزون عليها من جهة أخرى.

إن هذه الأطروحات والحلول ليست غريبة أو مستحيلة، بل هي قائمة ومطبقة في مساحات أخرى وإن كانت لا تزال غائبة عن أروقة السياسة العامة التي تعاني من سياسات مجزأة. فالمجلات العلمية العريقة والمنشورات المعنية بالأمن القومي تعتمد منذ أمد بعيد على مبادئ التحقق من المصادر، والإفصاح الكامل، والمراجعة التحريرية الدقيقة لحفظ رصيدها من الثقة. وعلى سبيل المثال، تلزم مجلة نيتشر كتابها بالإفصاح عن مجالات استخدام الذكالي في أبحاثهم، في حين ترفض منصة وار أون ذا روكس، عبر نافذتها المتخصصة ""تروس الحرب""، استقبال أي مقالات يُشتبه في أن الآلة تولت كتابتها.

ولا يرمي هذا التحذير بحال من الأحوال إلى دعوة الحكومات لمقاطعة الذكالي أو إبطاء وتيرة تبنيه؛ فالتقنية تقدم اليوم خدمات جليلة للمحللين في معالجة الوثائق المكتوبة بلغات متعددة، ورصد التهديدات الناشئة، وتوسيع آفاق الوصول إلى الأدلة، مما يرفع من جودة الاستجابة للسياسات العامة. ولكن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان أن تقوم المؤسسات بتحديث وتطوير آليات ""التحقق والتمحيص"" بالسرعة والجدية ذاتها التي تطور بها آليات ""التوليد والإنتاج"".

على مدى عقود خلت، كان صناع القرار يتعاملون مع البنية التحتية الحيوية للدول باعتبارها كيانات مادية ملموسة؛ فيحمون شبكات الطاقة، ومنظومات الاتصالات, وشبكات النقل، والأقمار الصناعية. وفي عصر الذكالي، برز نوع آخر من البنية التحتية يستحق الحماية والتحصين بالقدر ذاته؛ ونعني به تلك المؤسسات والصروح التي تفصل في الحقائق، وتحدد ما تؤمن الحكومات بأنه صدق لا مرية فيه.

إن سباق التسلح بالذكالي في أروقة الحكم قد انطلق بالفعل، وأمضت الدول سنوات طويلة وهي تعد العدة لصد الهجمات التي تستهدف البنى الرقمية. واليوم، أصبحت الجبهة القادمة التي يتعين حمايتها والاستماتة في الدفاع عنها هي ""نزاهة الأدلة والبراهين"" التي تستند إليها القرارات المصيرية العليا للدول؛ ففي عصر الذكالي، تحولت نزاهة البحث العلمي لتصبح هي البنية التحتية الأكثر حيوية للأمن القومي.

المصدر

مقالات ذات صلة