أؤكد دائماً في كتابي ""القيادة نحو التحرر"" على حقيقة غائبة عن الكثيرين، وهي أننا لا نملك ترف الادعاء بأننا قادة ناجحون، أو أننا نفيض حرصاً على الآخرين، أو نتبنى فكراً شمولياً ينشد العدالة والإنصاف، بل إن المحك الحقيقي يكمن في تقديم الأدلة والبراهين الحية التي تصدق هذا الادعاء.
ومن ذا الذي يملك القول الفصل في تقييم أدائنا ومعرفة مدى إصابتنا للهدف سوى أولئك القابعين في ميدان العمل وعلى أرض الواقع؟ إننا قد نلمس هذا الصدى القيادي عندما يبادرنا البعض برسائل شكر تعبر عن امتنانهم، أو حين يفيضون بعبارات التقدير العفوية في ثنايا اللقاءات والتجمعات. بيد أننا إذا أردنا صياغة منهج قيادي هادف وواعي، فلا بد لنا من التفكير جلياً في إيجاد آلية دورية لقياس أثر قيادتنا، وذلك لنتمكن من تعزيز الممارسات الناجحة واستدامتها، أو تدارك الأخطاء وتصحيح المسار في الوقت المناسب قبل فوات الأوان.
لماذا تشتد حاجتنا إلى تقييم القيادة؟
درج القادة في كثير من الأحيان على اختزال نجاحاتهم في صفحات سيرهم الذاتية، أو في تقارير الأداء السنوية ومقابلات العمل، مدفوعين بالأرقام والمؤشرات المادية، مثل حجم التبرعات والتمويلات التي نجحوا في استقطابها، أو عدد البرامج والمبادرات الجديدة التي أطلقوها، أو حتى ما حققوه من كفاءة استراتيجية في ظل الواقع الراهن للتعليم العالي. ولست هنا بصدد التقليل من شأن هذه المعايير أو إنكار أهميتها، بل إنني أطالب القادة والمسؤولين الذين أتولى تدريبهم وتوجيههم عند مراجعة سيرهم الذاتية بضرورة إبراز هذه الإنجازات المحورية، فكيف للجان الاختيار والتعيين أن تطلع على نجاحاتك وتتميزك ما لم تسردها لهم بنفسك؟
لكن الغائب الأكبر عن موازين القياس في الغالب هو الكيفية التي استطعنا بها تحقيق تلك الإنجازات، والأسلوب الذي سلكناه ل نصل إلى تلك الغايات. إن هذا التفصيل يكتسب أهمية قصوى لأن طريقة العمل وكيفيته هي التي تشكل الهوية الثقافية للمؤسسة والمناخ السائد فيها. وهي أجواء يسهل على الطلاب وعائلاتهم التقاطها واستشعارها بمجرد زيارتهم للحرم الجامعي، كما يلمسها بوضوح كل من يتقدم لشغل وظيفة من الأكاديميين أو الإداريين. بل إن المرشحين للمناصب القيادية يمتلكون حاسة دقيقة لتقييم هذه الأجواء، ولقد عاصرت أناساً آثروا الانسحاب والاعتذار عن مواصلة الترشح بعد زيارة ميدانية واحدة للحرم الجامعي، لمجرد أنهم استشعروا غياب التناغم، أو أحسوا بوجود خلل وبيئة عمل غير صحية. ومن هنا، فإن أسلوبك في القيادة لا يقف عند حدود استقطاب الكفاءات والطلاب والحفاظ عليهم فحسب، بل هو الركيزة الأساسية التي تجسد حجم تأثيرك والإرث الذي ستتركه وراءك، سواء كنت تتطلع إلى فرصة عمل جديدة في السوق أو كنت مستقراً في منصبك الحالي.
كيف تشرع في تقييم قيادتك؟
ما هي الأدوات التي تطوعها لقياس قيادتك بهدف التعلم والمساهمة في إحداث ذلك التغيير التحرري الذي يتيح لكل فرد في المؤسسة أن يزدهر ويخرج أفضل ما لديه؟ إذا كنت تشعر بالارتباك ولا تدري من أين تبدأ، فإليك منهجاً واحداً يمهد لك الطريق، وهو بالطبع ليس المسار الوحيد، وإذا كنت من أهل الاختصاص في العلوم الاجتماعية، فستدرك فوراً كيف تحاكي هذه الخطوات مراحل بناء المفاهيم وتطويرها:
صغ مفهوماً واضحاً لما تعنيه القيادة الناجحة في نظرك: بالنسبة لي، أرى القيادة الناجحة في قالبها التحرري، وهذا أمر متوقع مني. ولكن قبل الاستقرار على هذا المفهوم، كنت قد اخترت مصطلح القيادة الشاملة كإطار لعملي، مستنداً في ذلك إلى تجاربي الشخصية مع قادة آخرين، وصياغتي لرسالتي الذاتية، ومستفيداً من الأدبيات والأبحاث الأكاديمية التي تناولت مفهوم التميز الشامل.
حول المفهوم القيادي إلى سلوكيات إجرائية ملموسة: كيف يمكن للمراقب الخارجي أن يصف قائداً يتبنى هذا النهج القيادي؟ ما هي التصرفات الملموسة التي يمكن رصدها أو تتبعها أو إخضاعها للقياس؟ إن الأمر يتطلب منك تحديداً دقيقاً يتجاوز العبارة التقليدية التي تقول بأنني سأعرف التميز عندما أراه أمامي.
عمق بحثك واطلاعك: ارجع إلى الدراسات الأكاديمية والتطبيقات العملية لتستكشف كيف نجح الآخرون في ترجمة المفهوم الذي تنشده إلى واقع ملموس وقابل للقياس. ما هي الألفاظ والمصطلحات التي تتصدر المشهد؟ وما هي السلوكيات الأكثر بروزاً؟ حاول صياغتها في عبارات واضحة يمكن استخدامها كأدوات لتقييم أدائك القيادي.
صمم استبانة القياس الخاصة بك: قد تجد استبانة جاهزة ومعدة مسبقاً لتقييم القيادة تفي بالغرض، وقد لا تجد. وفي تجربتي الشخصية، لم تكن لدي ميزانية تسمح بشراء استطلاع جاهز، ولكن المقال الملهم المنشور في مجلة هارفارد بزنس ريفيو أرشدني إلى صياغة ستة محاور أساسية ضمن استطلاعي السنوي السري الموجه لأعضاء هيئة التدريس والموظفين، حيث اعتمدت الإجابات على مقياس ليكرت الخماسي، والذي يبدأ من غير موافق بشدة ويمثله الرقم واحد، وصولاً إلى موافق بشدة ويمثله الرقم خمسة، مع إتاحة خيار لم تتم ملاحظته، وكانت المحاور كالتالي:
يحرص العميد على تشكيل وتمكين فرق عمل تتميز بالتنوع والإنصاف والشمولية.
يمثل العميد قدوة في العفوية والأصالة والقدرة على مواجهة التحديات بمرونة والانفتاح على الآخرين.
يرفع العميد صوته عالياً ويتخذ مواقف حاسمة ضد الظلم والإقصاء وغياب المساواة.
يبدي العميد شغفاً صادقاً وفضولاً معرفياً لاستيعاب وفهم وجهات النظر المتنوعة.
يظهر العميد تعاطفاً إنسانياً ملموساً مع الآخرين.
يعتمد العميد الشفافية والوضوح ركيزة أساسية في تواصله مع الجميع.
ولم أكتف بهذا القدر، بل أضفت محاور أخرى استقيتها من تجارب عمداء آخرين استخدموها في استطلاعات تقييم الأداء الخاصة بهم.
تواصل بذكاء مع مجتمعك المؤسسي: احرص على أن تشرح بوضوح للأفراد المعنيين والذين تقع عليهم مسؤولية قيادتهم الأسباب والدوافع التي دعتك لإجراء هذا الاستطلاع، وحثهم على المشاركة الفاعلة والكثيفة. وإن إلمامك بطبيعة الثقافة السائدة في مؤسستك سيمنحك القدرة على اختيار النبرة والأسلوب الأنسب للوصول إلى قلوبهم وعقولهم.
اجمع البيانات بدقة وسرية: من الأفضل أن تطلب من قسم أو وحدة إدارية أخرى تولي مهمة جمع البيانات والاحتفاظ بها، وذلك لضمان سرية الهوية وطمأنة المشاركين. وفي تجربتي، تولى مكتب رئيس الجامعة عملية جمع الاستمارات، حيث قام بإرسال الرسائل الإلكترونية واستقبال الإجابات عبر خادم رقمي آمن، ثم وافاني بالنتائج النهائية لأشرع في تحليلها ومراجعتها.
رصد المنحنى القيادي عبر الزمن: كانت الدرجة القصوى المؤشر القيادة الشاملة الخاص بي تصل إلى ثلاثين درجة. وقد استقرت درجتي عند حدود أربع وعشرين درجة أو تزيد في كل عام، وهو ما أعطاني مؤشراً واضحاً على أن الانطباع العام للمشاركين يرانى قائداً شمولياً، مع يقيني التام بأن أبواب التطور والارتقاء تظل دائماً مشرعة.
أفسح مجالاً للأسئلة المفتوحة ذات الإجابات الحرّة: إن البيانات النوعية والتعليقات المكتوبة تمنح الأرقام والنتائج الكمية سياقاً حياً وعمقاً تفسيرياً. ففي أحد الأعوام، عبرت ثلة من أعضاء هيئة التدريس عن اعتقادهم بأن الشمولية لا تعدو كونها موجة عابرة أو صرعة مؤقتة، أو أنها قد تضعف من معايير التميز الأكاديمي. حتى إن أحدهم ختم تعليقه بعبارة تهكمية قائلاً بأن التقييم العام للعميد هو مقبول مرتفع، ورغم أن هذا التقدير يضمن النجاح للطلاب، فإنه بالتأكيد لا يليق بمنصب العميد. ورغم ذلك، فإن سبعين بالمئة من المشاركين أكدوا موافقتهم أو موافقتهم الشديدة على العبارة التي تفيد برضاهم العام عن أداء العميد، ولم يعترض سوى ستة عشر بالمئة فقط، بينما وقف الباقون في منطقة الحياد. ولم تقتصر فائدة هذه البيانات الكمية والنوعية على تمكيني من تقييم أثر قيادتي، بل فتحت عيني على طبيعة التحديات والصعوبات التي يواجهها الطلاب والموظفون وأعضاء هيئة التدريس في أقسامهم ووحداتهم المختلفة.
أعلن نتائجك واقرنها بالخطوات التنفيذية المقبلة: إن شجاعتك في طرح النتائج وشفافيتك في التعامل معها ستبني رصيداً كبيراً من حسن النية والثقة المتبادلة، ولكن الالتزام بتنفيذ الوعود ومتابعتها هو المحك الحقيقي والمكسب الأكبر على المدى الطويل. وكما أردد دائماً في لقاءاتي ومحاضراتي، فإن هذا النهج سيكسبك أنصاراً مخلصين ورفقاء درب صادقين يسيرون معك كتفاً بكتف في هذه الرحلة.
ولا بد من التأكيد على أن الاستطلاعات السرية مجهولة المصدر ليست الدرب الوحيد لقياس كفاءتك القيادية، إذ توجد وسائل وأدوات أخرى، مثل التماس الآراء المباشرة والصادقة من زملاء العمل الذين يصدقونك القول دون مجاملة، أو الاستعانة بمجموعات التركيز التي يديرها شريك أو مستشار خارجي، أو الخضوع لتقييمات الأداء الشاملة والمحيطية من جميع الزوايا. وقد أفضت في شرح هذه الأفكار وتوسيعها في الفصل السادس من كتاب القيادة نحو التحرر.
وأنا أدرك تماماً أن الإقدام على تقييم أسلوبك في القيادة قد يبدو عبئاً ثقيلاً ومهمة شاقة تتطلب الكثير من الجهد والجسارة. ولكن إذا أمعنا النظر، سنجد أن التقييم يمثل ركناً أساسياً وجزءاً لا يتجزأ من منظومة التعليم العالي، فالطلاب يقيمون الأساتذة والمحاضرين بصفة مستمرة، وأعضاء هيئة التدريس والموظفون يضعون خططاً وأنظمة تقييم صارمة للمقررات والبرامج الدراسية. وما دام التقييم أمراً طبيعياً واعتيادياً في صلب العمل الأكاديمي، فمن الإجحاف والظلم أن يُستثنى القادة والمسؤولون من هذه القاعدة وأن يُعفوا من تقييم أنفسهم. وإذا كنت في حيرة من أمرك ولا تدري كيف تخطو خطوتك الأولى، فإن الكوادر المتخصصة في شؤون التدريس والتعلم والتقييم داخل مؤسستك يمكنهم تقديم عون كبير، فضلاً عن أعضاء هيئة التدريس في قسم علم النفس التنظيمي والصناعي، ومتخصصي التطوير الإداري والتنظيمي في منشأتك.
إن إخضاع قيادتنا لميزان التقييم يسهم بشكل فعال في مد جسور الثقة، ويمنحنا في الوقت ذاته بيانات صادقة وصورة حقيقية تخبرنا إن كنا نعيش رؤيتنا القيادية ونطبقها في واقعنا أم أنها مجرد شعارات. إن الأشخاص الذين تقع علينا مسؤولية قيادتهم يملكون الخبر والقول الفصل في مستوى أدائنا، فهل نملك الشجاعة الكافية لنسألهم ونستمع إليهم؟
