بصفتك قائداً، فإن أثمن ما تملك هو ذلك المتحدث الكامن في أعماقك؛ فالقيادة الملهمة لا تقتصر على إدارة المهام، بل تكمن في معرفة كيف توظف تجاربك وقصصك لبناء جسور الثقة، وتفتيت الصعاب، ورسم معالم الرؤية المستقبلية. إن سرد القصص ليس مجرد أداة للتطوير الشخصي، بل هو لغة إنسانية أصيلة تفتح آفاقاً للتعليم، والتوجيه، وبناء روابط عميقة مع المحيطين بنا، سواء في أروقة العمل أو في تفاصيل حياتنا اليومية.
وفي المؤتمر السنوي الأخير لجمعية الموارد البشرية الجامعية، استعرض ""جاي ستيفنز""، نائب رئيس شؤون الأفراد والثقافة بجامعة مونتانا، موقفاً حياً يبرز القوة الخفية للقصة في عالم القيادة. يروي ستيفنز أنه بينما كان يسير في أرجاء الحرم الجامعي برفقة زملائه، استوقفه مشهد مقلق لامرأة يبدو عليها الذعر الشديد، بينما كان هناك رجل يتعمد اعتراض طريقها مراراً وتكراراً. لم يقف ستيفنز موقف المتفرج، ولم يكمل طريقه متجاهلاً ما يحدث، بل انفصل عن زملائه ليتدخل في الموقف بشكل مباشر، وحرص على إبلاغ أمن الحرم الجامعي لمراقبة المكان، ليترجم بذلك التزامه الفعلي بتوفير بيئة آمنة تضمن سلامة الطلاب والموظفين على حد سواء.
ومن واقع هذه التجربة الحية وغيرها من محطات حياته، قدم ستيفنز ورقة عمل بعنوان ""سحر السرد القصصي""، مبرهناً من خلالها—بالأدلة العلمية والروابط العاطفية—كيف تسهم القصة في ترسيخ المعلومات في الأذهان. إن امتلاك زمام هذه المهارة وصقلها يمنحك أداة استثنائية تقود بها من حولك، أياً كان موقعك في الهيكل المؤسسي.
من عمق التاريخ إلى مختبرات العلم: سر ""يُحكى أن""
لقد ولد السرد القصصي قبل أن تولد الكتابة نفسها، وفي عصرنا الحالي الذي تطغى عليه الأتمتة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، يظل السرد هو الحصن المنيع الذي يحفظ للبشر إنسانيتهم. وفي هذا السياق، يستحضر ستيفنز حكاية بالغة الأثر من تاريخ قبيلة ""بلاك فيت"" في مونتانا؛ حيث تداول أبناء هذه القبيلة جيلاً بعد جيل قصصاً تؤكد استيطان أجدادهم لتلك الأرض منذ أكثر من ثمانية عشر ألف عام، ولم يلتفت العلم الحديث لهذه الروايات إلا مؤخراً، حين جاءت أبحاث الحمض النووي لتقدم دليلاً قاطعاً على أن تلك الحكايات الموروثة كانت تحمل الحقيقة المطلقة طوال الوقت. وكما تعبر الكاتبة وخبيرة السرد ""أنيت سيمونز"" بدقة: ""القصة هي الشفرة الوراثية التي تمنح الأشياء معناها"".
إن السرد القصصي يقف بحق عند نقطة التلاقي بين المشاعر الإنسانية وعلم الأعصاب. فعندما تسرد قصة ما، تتناغم موجات الدماغ (غاما، وبيتا، وألفا) لتعمل معاً في منظومة واحدة، لا لتخزين تفاصيل القصة فحسب، بل لتحويلها إلى أفكار ودروس سهلة الاستيعاب. بل إن الأبحاث العلمية تثبت ما هو أبعد من ذلك؛ إذ يتزامن النشاط العصبي والموجات الدماغية لكل من الراوي والمستمع، مما يخلق حالة من الفهم المشترك والانسجام التام، وهو ما يعطي تعبيراً حقيقياً وملموساً للمفهوم الشائع ""نحن على موجة واحدة"".
مقومات الحكواتي الناجح
حين تبحث عن مساحات مشتركة تجمعك بزملائك من خلال مواقفك وتجاربك، فإنك تفتح لهم نافذة ليروا شخصيتك الحقيقية بلا رتوش، مما يعزز الفهم المتبادل ويزرع بذور الثقة بينكم. وفي هذا الصدد، يستعرض ستيفنز عشرة أسباب تجعل من السرد القصصي أداة لا غنى عنها لكل قائد، وهي أفكار صاغها خبير قصص الأعمال الشهير ""بول سميث"":
العفوية والبساطة التي تجعلها قريبة من القلوب والقولب.
الخلود؛ فالقصص باقية ومستمرة ما دام في هذا الكون بشر يتنفسون.
تجاوز الحدود الفردية؛ إذ لا يقف العرق أو العمر أو الجنس حائلاً دون تأثير القصة.
سرعة الانتشار، فالحكايات الصادقة تعدي بجمالها كل من يسمعها.
سهولة التذكر والرسوخ في الذاكرة مقارنة بالأرقام الجافة والتقارير الإحصائية المعتادة.
القدرة العالية على الإلهام وتحريك الساكن، بعيداً عن رتابة الشرائح والعروض التقديمية المملة.
مراعاة الفروق الفردية، فهي تخاطب كافة أنماط المتعلمين على اختلاف مشاربهم.
المرونة العالية، إذ تندمج بسلاسة في مختلف مجالات ومراحل التعلم داخل بيئة العمل.
تهيئة عقل المستمع ووضعه في حالة شغف واستعداد تام للاستيعاب.
تقدير الحضور واحترام ذكائهم ووقتهم.
وعلى الرغم من أن السرد القصصي لغة عالمية يفهمها الجميع، إلا أنه من الضروري بمكان الالتفات إلى خصوصية كل قطاع، وطبيعة كل بيئة وثقافة. فالتعليم العالي، على سبيل المثال، يمثل بيئة فريدة تصنع فيها كل جامعة لغتها الخاصة وقصصها المستقلة؛ فالكليات الصغيرة ذات العامين تواجه تحديات وتحتفل بنجاحات تختلف تماماً عن الجامعات الكبرى ذات السنوات الأربع، وبالتالية فإن طبيعة القصص ستختلف باختلاف المكان. الخلاصة هنا: افهم جمهورك جيداً، واعرف ما يلامس وجدانهم، وكن مرناً ومتجدداً مع تولد حكايات جديدة.
الأنواع الستة للقصص: متى وكيف نرويها؟
قد يبدو اعتلاء منصة الحكواتي أمراً يبعث على الرهبة في البداية، وتتزاحم في عقلك التساؤلات: ""متى يكون طرح هذه القصة مناسباً ومؤثراً؟"" أو ""هل ستجد كلماتي صدى لدى الحاضرين؟"". لتجاوز هذه المخاوف، يستند ستيفنز إلى أطروحة سيمونز ليقسم القصص القيادية إلى ستة أنواع أساسية:
قصص الهوية (""من أنا""): وهي مواقف شخصية ترويها لتذيب جليد الشك وتبني جسور الثقة، خاصة في بداية اللقاءات أو الاجتماعات التعريفية.
قصص الغاية (""لماذا أنا هنا""): تهدف إلى توضيح المعنى والهدف من وراء وجودك أو مشروعك، وتبرز أهميتها عندما تطلب دعماً كبيراً أو قراراً مصيرياً.
قصص استباق الخواطر (""أعلم ما يدور في ذهنك""): نوع ذكي من السرد يتناول مخاوف الحاضرين، ويفند شكوكهم وتوجساتهم قبل أن ينطقوا بها.
قصص تجسيد القيم (""المبادئ في حيز التنفيذ""): مواقف تركز على الأفعال والممارسات لترسيخ المبادئ والقيم المؤسسية في نفوس الموظفين.
قصص الرؤية المستقبيلية: استشراف الغد وصناعة الأمل والدافعية، سواء من خلال التشبيهات والمجاز البلاغي أو من خلال نماذج واقعية ملهمة.
قصص التوجيه والتعليم: أداة تعليمية بامتياز تُستخدم لتدريب الطاقات، وصقل المهارات، أو لتدارك الأخطاء وعلاج المشكلات قبل تفاقمها.
ولا تعني هذه التصنيفات قوالب جامدة تحصر قصتك في إطار ضيق، بل هي بمثابة بوصلة تسترشد بها وأنت تخطو خطواتك الأولى نحو دمج السرد في استراتيجيتك القيادية.
الصدق والأصالة: روح الحكاية
قد يقع بعض الرواة في فخ المبالغة والتهويل رغبة في جذب انتباه الحضور ونيل إعجابهم، ولكن في زمن تزدحم فيه منصات التواصل الاجتماعي، وتتداخل فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي مع تباعد فرق العمل، يصبح من الصعب التصدي للشائعات والعثور على نوافذ حقيقية للتواصل الصادق. وهنا يطلق ستيفنز صرخة تحذير واضحة بأن غياب التواصل الحقيقي يمهد الطريق لنتائج وخيمة.
وصحيح أنك لا تملك وحدك عصا سحرية لمحو كل زيف أو معلومة مغلوطة، إلا أن ما تملكه حقاً هو التركيز على بناء روابط متينة وصادقة مع فريقك ومجتمعك. فالقصص التي تنبع من ذاتك وتعبر عن قيمك الحقيقية تترك أثراً عميقاً في النفوس يتجاوز بكثير تلك الروايات المتكلفة والمبالغ فيها. اجعل من حكاياتك الصادقة حجر أساس لبناء جدار من الثقة، حتى إذا ما ثارت عواصف الشائعات والمعلومات المضللة، تطلع الجميع إليك لتكون أنت صوت العقل واليقين.
توظيف الحكاية لصناعة الأثر الإيجابي
يمتلك الحكواتي البارع قدرة هائلة على صياغة ثقافة الحرم الجامعي والمساهمة في إنجاح المؤسسة. وبصفتك قائداً، يتعين عليك دائماً أن تزن كلماتك بميزان القيم والمبادئ، وتتجنب تضخيم الأنا الشخصية أمام مستمعيك، لتضمن أن قصتك تؤدي غرضها السامي في التعليم، أو الربط الإنساني، أو التوجيه. ويرى ستيفنز ضرورة إدراج مهارة السرد القصصي ضمن برامج تأهيل القادة الجدد، وأن تتحول هذه المهارة إلى ممارسة يومية وتواصل مستمر عبر اللقاءات المباشرة أو المنصات الافتراضية. ومن أبرز القنوات التي يمكن من خلالها بث هذه القصص:
النشرات الدورية والرسائل الموجهة للموظفين.
جلسات الاستماع والحوارات المفتوحة.
اللقاءات التوجيهية الثنائية.
اجتماعات فرق العمل والفعاليات المشتركة.
المآل والغاية
لا يشترط فيك أن تكون خطيباً مفوهاً تهتز له المنابر، أو أديباً يشار إليه بالبنان لكي تكون حكواتياً مؤثراً؛ فبيئة العمل اليومية تفتح أمامك أبواباً مشرعة لتدريب قلمك وصوتك في تفاصيل الحياة العملية. وإليك بعض الخطوات العملية لإيقاظ هذا الشغف في داخلك:
ارسم لنفسك حضوراً مميزاً كقائد وراوٍ يعتمد عليه، واصنع لنفسك سمعة مبنية على الصدق تجعل الجميع يصغون إليك بشغف واهتمام.
حوّل الشعارات الرنانة والأفكار المجردة لخطط العمل ورسائل المؤسسة إلى أهداف ملموسة، واروِ لهم حكايات تجسد قهر المستحيل والاحتفاء بالنجاحات الصعبة.
سخّر القصة لخدمة أهدافك، واستثمر أوقات التدريب وجلسات الإرشاد الوظيفي لتقدم مواقفك وتجاربك كجسر يضمن الوصول إلى مستوى عميق من الفهم والانسجام.
إن السرد القصصي ليس مجرد وسيلة لقتل الوقت أو التسلية، بل هو استراتيجية قيادية بالغة الأثر تخدم تطلعاتك وتجمع القلوب من حولك على صعيد إنساني دافئ. ولسوف تدهشك تلك السلاسة التي ستنتقل بها من رواية الحكايات البسيطة حول مواقد النار، إلى قيادة المنظومات وسرد القصص المؤثرة في أروقة العمل وميادين القيادة.
