يعتقد الكثيرون ممّن يتناولون مفهوم ""التواصل"" أنه مجرد عملية تسير في اتجاه واحد، تبدأ من مرسل وتنتهي عند مستقبل؛ بيد أن الواقع يثبت خلاف ذلك تماماً، فالتواصل منظومة متكاملة تقوم على الحديث والاستماع، والكتابة والقراءة. ولا يقتصر الأمر على ضرورة الإنصات لما يقوله الآخرون فحسب، بل يمتد ليشمل ""الإنصات الذكي"" للغة الجسد، وقراءة المؤشرات، وفك شفرات البيانات؛ لضمان أن تكون هذه الأرقام التي نجمعها ونقيسها بمثابة بوصلة وخارطة طريق تقودنا نحو تحقيق أولوياتنا. ومن هذا المنطلق، تصبح وثائق مثل كتاب البيانات، وبطاقة الأداء المتوازن، ومخططات الهيكل التنظيمي للقبول القائم على التصميم بما تحمله من رصد للمسارات التاريخية والمعلومات المقارنة أدوات لا غنى عنها لإيجاد تواصل حقيقي. فهي تشكل الركيزة الأساسية للاجتماعات الدورية مع مجالس الأمناء، وقادة الصرح الجامعي، وكافة الأطراف المعنية، إذ إن قراءة الماضي لاستنباط التوجهات العامة لا تقل أهمية بحال من الأحوال عن استشراف المستقبل وبناء التوقعات القائمة على الفرضيات المدروسة.
البيانات كمحرك أساسي للغة الحوار
إنني على يقين تام بأن البيانات، سواء تلك التي تبهجنا وتؤكد نجاحنا أو تلك التي كنا نتمنى لو جاءت مغايرة لتوقعاتنا، لا يجوز حجبها أو مواراتها عن الأنظار، بل يجب أن تطرح على طاولة المكاشفة والمشاركة؛ فقد علمتني التجارب الطويلة أن تقديم معلومات موثوقة ومدعومة بمقارنات دقيقة يمنح المؤسسة مصداقية عالية، ويسهم بشكل مباشر في مد جسور الثقة ودفع عجلة البناء إلى الأمام.
إن الأرقام والبيانات، تماماً كالكلمات المنعزلة، لا تنبض بالحياة ولا يتضح معناها إلا إذا وضعت في سياق يربطها بالتوجهات العامة أو صيغت في جمل مفيدة تفصح عن مضامينها. وحينما ننجح في تحويل البيانات الجامدة إلى معلومات حية يثريها التحليل والتفسير، فإننا نرفع بذلك من كفاءتنا وقدرتنا على التواصل الفعال. وفيما يلي استعراض لأبرز الأدوات المنهجية التي أفضّلها في هذا الصدد:
منهجية القبول القائم على التصميم
بدأت في صياغة واستخدام مصطلح القبول القائم على التصميم إبان فترة عملي في كلية رامابو بنيوجيرسي في أواخر ثمانينيات القرن الماضي؛ حيث كان الدارج وقتها في الأوساط الأكاديمية هو مناقشة مسألة القبول والالتحاق بالجامعة من خلال أرقام مجردة تختزل الأمر في أعداد طلاب السنة الأولى، وإجمالي المنتسبين لمرحلتي البكالوريوس والدراسات العليا. غير أن رؤيتي كانت تتجه نحو ضرورة التفكير والتخطيط انطلاقاً من مؤشرات أوسع تبدأ من طلبات الاستفسار الأولية، مراراً بطلبات الالتحاق الفعلية وعروض القبول الممنوحة، وصولاً إلى تحليل مصادر هؤلاء الطلاب وتنوع مشاربهم، كنوعية المدارس الثانوية التي تخرجوا منها أو طبيعة المنتقلين من كليات المجتمع. واقترحت كذلك إخضاع معدلات الاستبقاء والتخرج لرقابة ومتابعة دقيقة تُصنف وفقاً لشرائح الطلاب، مثل المقبولين وفق الشروط العامة، وأبناء الخريجين السابقين، والرياضيين، وذوي المنح والبرامج الخاصة، وغيرهم. وبتعبير آخر، كنا نعمل على رسم لوحة متكاملة لواقع القبول ومستقبله باستخدام ريشة البيانات.
كتاب البيانات المؤسسية
يعد كتاب البيانات مرآة كاشفة تقدم رصداً واقعياً للحاضر وتوثيقاً تاريخياً للمؤسسة عبر لغة الأرقام؛ حيث يستهل التقرير صفحاته بعرض الهيكل القيادي للجامعة، شاملاً مجلس الأمناء، وأعضاء الإدارة التنفيذية، والعمداء الأكاديميين. ويقدم دليلاً بيانياً تراكمياً يوضح تطور نسب الالتحاق بكل وحدة أكاديمية، وتفاصيل عمليات القبول بما تشمله من استفسارات، وطلبات ترشيح، وعروض مقبولة، ونسب الاستجابة الفعلية لعروض القبول، مع تفكيك هذه البيانات وتوزيعها حسب فئات المقبولين. كما يرصد معدلات البقاء والتخرج في كل كلية، وطبيعة المساقات الدراسية المطروحة بما تتضمنه من توزيع لتقديرات الطلاب، وأحجام القاعات الدراسية، والعبء التدريسي الملقى على عاتق أعضاء هيئة التدريس، وعدد المواد الأكاديمية المتاحة. ويمتد التقرير ليشمل تتبع المسارات الخاصة بنسب الطلاب إلى الأساتذة، وحجم المساعدات المالية الموجهة لطلاب البكالوريوس والدراسات العليا وتوجهاتها، ومعدلات الخصم الممنوحة، إلى جانب الميزانيات، والأوقاف، ورأس المال، والهياكل الوظيفية، والبنى التحتية والمباني التابعة للجامعة. ولا يغفل كتاب البيانات إحصاءات المكتبات، وعقد مقارنات إقليمية ووطنية مع المؤسسات المناظرة وتلك التي تمثل نموذجاً تطمح الجامعة للوصول إليه، فضلاً عن قياس توجهات الطلاب وآرائهم حول متغيرات محددة.
بطاقة الأداء المتوازن
تمثل بطاقة الأداء المتوازن لوحة تحكم إستراتيجية ومؤشراً حياً لقياس مدى التقدم المحرز نحو تحقيق الغايات الإستراتيجية المتفق عليها؛ وتتألف هذه البطاقة من مصفوفة تبدأ بصياغة واضحة للرؤية وتحديد مجموعة من الأهداف الرئيسية. ويعنى المحور الأفقي للمصفوفة بتحديد أصحاب المصلحة، وتفصيل أربعة أو خمسة مستهدفات فرعية، واستعراض عوامل النجاح الحاسمة، مع رصد دقيق لحالة المؤسسة في سنة الانطلاق، ووضعها في العام الحالي، والمستوى المستهدف في سنة الغاية، إلى جانب المؤشر المرجعي على المستوى الإقليمي، والمبادرات الجوهرية المعتمدة للوصول إلى كل هدف.
وفي المقابل، يركز المحور الرأسي على تصنيف الفئات المعنية؛ وفي مقدمتهم الطلاب، حيث تتمحور المستهدفات الموجهة إليهم حول رفع معايير انتقائية القبول، وزيادة أعداد الطلاب المحولين، واستقطاب المزيد من طلاب الدراسات العليا، ورفع معدلات الاستجابة لعروض القبول، وزيادة نسب التخرج، وغيرها من الغايات. وتتنوع الفئات الأخرى على هذا المحور لتشمل رابطة الخريجين، والقدرات المؤسسية الداخلية كحالة الاعتماد الأكاديمي للبرامج ورفع نسبة الشعب الدراسية التي يتولى تدريسها أساتذة متفرغون؛ بالإضافة إلى المستهدفات المالية المتمثلة في خفض معدلات الخصم وضمان ميزانية متوازنة؛ والمستهدفات التنظيمية مثل استقطاب أعضاء فاعلين لمجلس الأمناء، وتحديث المخطط العام للمشروعات والمرافق بصفة دورية، وتحقيق السعة الطلابية المثلى في الفروع والمراكز الخارجية التي تقدم برامج أكاديمية.
وتظل بطاقة الأداء المتوازن مجرد لقطة ساكنة لا روح فيها ما لم تخضع لعمليات تحديث وضخ بيانات بصفة مستمرة، إذ إن التحديث الدائم هو الوحيد الكفيل بتحويلها إلى أداة رقابية حقيقية تسعف الإدارة التنفيذية وجهات الحوكمة في اتخاذ القرارات السليمة.
غرس الهوية المؤسسية وقيمها وأولوياتها
لا ينفصل التواصل الفعال بحال من الأحوال عن استيعاب تراث المؤسسة وتاريخها وإعادة تقديمه للجمهور؛ ولقد عاينت مراراً قادة يتحدثون باسهاب عن التغيير والتحديث وتدشين طموحات جديدة، دون أن يربطوا تلك الأفكار بجذور المؤسسة وعمقها التاريخي، والمقصود بالتراث هنا هو منظومة القيم، والثقافة السائدة، والقصة الملهمة التي تميز الكيان، فضلاً عن تاريخه المتمثل في مجموع تجاربه وخبراته المتراكمة.
إن قادة الصروح الأكاديمية يمتلكون منصات وفرصاً لا حصر لها لبث قيم المؤسسة وإبراز أولوياتها، سواء من خلال الأحاديث الودية العفوية أو الخطابات الرسمية المنبرية، والرسائل الموجهة للمجتمع الجامعي، والمقالات في وسائل الإعلام المحلية، أو عبر الإطلالات الإذاعية والتلفزيونية. ويبرز خطاب رئيس الجامعة السنوي حول واقع ومستقبل الحرم الجامعي كفرصة ذهبية ومحطة فارقة لإحياء التراث المؤسسي في النفوس وربطه بالخطط التنموية الراهنة، حيث يتعين على القيادة صياغة خطابات وكتابات تضمن تفاعل الرأي العام الخارجي والمجتمع الأكاديمي الداخلي على حد سواء.
بناء جسور الثقة على أساس الشفافية والمكاشفة
إن القاعدة الذهبية التي يستقيم عليها أي تواصل ناجح تتلخص في شعار ""لا للمفاجآت""؛ وقد كان هذا المبدأ بمثابة العقيدة الإدارية التي التزمتُ بها في علاقتي مع مجالس الأمناء، والإدارة العليا، والعمداء، ومجلس أعضاء هيئة التدريس، والقيادات النقابية، والجامعة بكامل قطاعاتها، فضلاً عن الشركاء الخارجيين. ويفرض هذا المبدأ الصارم على القائد إحاطة مجلس الأمناء وغيره من الفاعلين بالتطورات الطارئة من خلال إرسال تنبيهات متأخرة ليلاً أو إجراء محادثات هاتفية في الصباح الباكر، لإطلاعهم على القضايا والأخبار المتوقع صدورها في الصحف اليومية. إن استباق الأحداث ومنع المفاجآت ركيزة لا غنى عنها في فقه التواصل، ولكن وجب الحذر في الوقت ذاته من بث الذعر ونشر أخبار مبتورة قبل اكتمال الحقائق والتحقق من أبعادها، لئلا تأتي ردود الأفعال متسرعة وتزيد المشهد تعقيداً.
وامتداداً لهذا النهج، كنت أحث على إرسال تقرير سري للأمناء قبل انعقاد كل اجتماع دوري للمجلس، يستعرض حزمة من الملفات الثابتة ويضع تحت المجهر القضايا المطروحة على طاولة النقاش في اللجان الفرعية والمجلس بكامله. وكنا نرفق بالتقرير دليلاً بيانياً يوضح مراحل النمو المؤسسي عبر الزمن، شاملاً أداء حوكمة مجلس الإدارة، وجوانب التميز الأكاديمي، ومعايير انتقائية قبول طلاب البكالوريوس والسياسات السعرية للرسوم، والملاءة المالية، ونسبة تبرعات أعضاء المجلس مقارنة بإجمالي تبرعات الصندوق السنوي، ومعدلات مشاركة الخريجين في دعم الجامعة، والانطباع الذهني السائد لدى الرأي العام، وغيرها من المؤشرات الحيوية.
ويتطلب التواصل المؤسسي الرشيد أيضاً إخضاع الفرضيات لمساءلة ونقد مستمر، وإجراء تحليلات دائمة لقياس مدى حساسية محركات التغيير ومؤشرات التقدم التي قد تحيد عن مسارها المرصود. وإن هذا النمط من المراجعة والمساءلة لا يمكن أن يزدهر إلا في ظل ثقافة مؤسسية مرنة تشجع الكوادر على ""قول الحقيقة للقيادة"" بكل تجرد وشجاعة، مع يقينهم التام بأن أطروحاتهم ومخاوفهم ستلقى من الإدارة كل احترام وتقدير؛ فنجاح أي مؤسسة ليس إنجازاً فردياً، بل هو ثمرة عمل مجتمع متكامل يتسلح بالمعرفة ويتحرك بوعي جماعي نحو أهداف مشتركة.
التخطيط الإستراتيجي كقناة تواصل رفيعة المستوى
ليست الخطة الإستراتيجية مجرد وثيقة تنظيمية، بل هي أداة تواصل جوهرية وركيزة أساسية لتمكين القيادة وتوجيه دفتها؛ فالتخطيط الإستراتيجي يدور في فلك تحديد المبادئ وصياغة الأولويات، وهو أبعد ما يكون عن مبدأ المحاصصة أو توزيع الموارد بالتساوي والتعامل مع كل الملفات على أنها بذات الأهمية. إن حسم هذه الاختيارات وتفضيل ملف على آخر قد يكون أمراً شاقاً ومثيراً للجدل في كثير من الأحيان، ولكن يبقى طوق النجاة هو التمسك بالحوار المفتوح والمكاشفة القائمة على معلومات دقيقة لتوجيه العقول نحو القرار الصائب. وفي الأوقات التي تشتد فيها التحديات الديموغرافية، والتكنولوجية، والصحية، والاقتصادية، يصبح اتخاذ القرارات الحاسمة والصعبة ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل.
وهنا يبرز شعار تردده جنبات المؤسسات التعليمية بصفة دائمة ومفاده أن ""ملف القبول والالتحاق هو مسؤولية كل فرد، لكي يضمن كل فرد البقاء في وظيفته""؛ وهذا المفهوم يمتد ليشمل الأستاذ في قاعته الدراسية، والمرشد الأكاديمي الذي يفتح بابه بعد المحاضرات، والمساعد الإداري في مكتبه، ورجل الأمن والسلامة عند بوابات الجامعة، تماماً كما يشمل موظف القبول والتسجيل. إن التواصل الصادق والحماسي مع الطلاب المحتملين وعائلاتهم يترك أثراً بالغاً في رفع نسب الإقبال والالتحاق الفعلي بالجامعة. وعلى نفس القدر من الأهمية، يأتي التواصل المستمر مع الطلاب المنتظمين، ومشاركتهم نجاحاتهم والإنصات لمخاوفهم، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على جهود الاستبقاء ورفع معدلات التخرج.
صناعة الروابط المجتمعية من خلال التواصل الإنساني
إن التواصل في جوهره يتمحور حول الإنسان؛ فلا تقتصر غايته على الإنصات للأفراد أو إمدادهم بالمعلومات فحسب، بل تمتد لتشمل حسن اختيارهم، والاعتناء بتطويرهم وصقل مهاراتهم وتدريبهم. كما يشمل هذا المفهوم مد جسور التعاون مع كفاءات وخبرات من خارج الحرم الجامعي للمشاركة في المجالس والهيئات الاستشارية الرسمية منها والودية؛ حيث تقدم هذه النخب دعماً كبيراً في مراجعة الخطط وتقييم الفرضيات ونقدها بموضوعية قبل صياغتها في شكلها النهائي وعرضها على مجلس الأمناء.
وتتسع دائرة الشركاء لتضم الداعمين، والمانحين، والمستهدفين بالاستقطاب، والجيران المحيطين بالجامعة؛ إذ يتوجب علينا الإنصات إليهم بعناية، وإبقاؤهم في قلب الحدث، وإشراكهم في مبادراتنا، والثناء على دعمهم، ومشاركتهم قصة الجامعة الملهمة، ومطالبتهم بتقديم مرئياتهم حول الرؤى والخطط المستقبلية. كما تقتضي الحكمة أن نكون معهم جنباً إلى جنب في مناسباتهم الإنسانية والشخصية تماماً كما نشاركهم في المحافل المهنية؛ ففي الأوقات العصيبة، يمكننا تقديم الدعم والمواساة أو مساعدتهم في توسيع شبكة علاقاتهم، وفي جميع الأوقات، يمكننا فتح المجال أمامهم لتقديم النصائح المهنية والتوجيه المهني لطلابنا.
ويعنى التواصل أيضاً برسم سقف التوقعات والسعي للحصول على شهادات واعترافات وإشادات من جهات تقييم خارجية، كتحويل الحرم الجامعي إلى محمية نباتية أو إدراج مرافقه كمتاحف معترف بها، فضلاً عن نيل الاعتماد الأكاديمي الرسمي ومراجعة البرامج الدراسية، وإجراء عمليات تدقيق الأداء التشغيلي، ووضع المستهدفات السنوية، وتقييم الأداء في مرحلة ما بعد التثبيت الوظيفي. ورغم أن هذه الاستثمارات قد تبدو للبعض بعيدة عن النشاط الأكاديمي البحتي، إلا أنها في الحقيقة تمثل علامات فارقة ومصدر فخر واعتزاز للمجتمع المؤسسي بأكمله. فعلى سبيل المثال، يمكن لجمال الحرم الجامعي وتنسيقه أن يكون أحد السمات البارزة والعلامات التجارية المميزة للمؤسسة؛ وكثيراً ما تظهر الاستبيانات أن الطلاب يختارون جامعتنا بناءً على ارتباطهم العاطفي وإعجابهم بالبيئة المحيطة والمرافق، وليس فقط تأثراً بمستوى هيئة التدريس، أو سمعة الطلاب، والفرق الرياضية.
إن التواصل ليس مجرد أداة مساندة، بل هو حجر الزاوية وعنصر إستراتيجي فاعل ومحوري في سبيل تحقيق الرؤى والغايات المنشودة.
