كثيراً ما يجد المدراء أنفسهم في مقعد القيادة فجأة ودون تمهيد أو تدريب إداري متخصص؛ فقد يكون المدير بارعاً لدرجة الامتياز في أداء مهامه الوظيفية المباشرة، كالإيفاء بالمواعيد النهائية، وضبط الميزانيات، والتنسيق مع شبكة علاقاته لإنجاز العمل على أكمل وجه. ولكن، كيف يمكن لهذا المدير بناء بيئة عمل إيجابية ومستدامة؟ والأهم من ذلك، ما هي السلوكيات والعادات التي قد يمارسها وتنعكس سلباً على ثقافة الفريق دون وعي منه؟
وعلى الرغم من تعدد العوامل التي تؤثر سلباً على بيئة العمل في أي منظمة، إلا أن هناك تصرفات بعينها تشكل خطراً جسيماً إذا غضضنا الطرف عنها. وفي السطور التالية، نسلط الضوء على أبرز الممارسات التي تقتل بيئة العمل وتفكك الروابط حتى في أكثر الفرق تماسكاً. وقبل أن نفند هذه السلوكيات، يجدر بنا أولاً أن نفهم السبب الذي يجعل ثقافة بيئة العمل ركيزة أساسية لا غنى عنها.
هل تعلم أن الرضا الوظيفي يتربع باستمرار على رأس قائمة الأسباب التي تدفع الموظف إما للبقاء في عمله الحالي أو بدء رحلة البحث عن فرصة أخرى؟ فوفقاً لنتائج استبيان عام 2025 لاستبقاء موظفي التعليم العالي، والصادر عن جمعية المهنيين للكليات والجامعات للموارد البشرية، تبين أن الرضا الوظيفي العام هو المحرك الأساسي والأقوى للاستبقاء، تماماً كما كان الحال في عام 2023. ويندرج تحت مظلة الرضا الوظيفي عدة عوامل محورية؛ منها شعور الموظف بتقدير زملائه، والاعتراف بجهوده وإنجازاته، ووجود علاقة متوازنة وصحية مع مديره المباشر. ومن هنا يتضح لنا أن ثقافة العمل هي حجر الزاوية للاحتفاظ بالكفاءات. دعنا الآن نستعرض تلك السلوكيات السلبية التي قد تعصف ببيئة عمل فريقك.
خمسة سلوكيات تقوض ثقافة بيئة العمل
تأمل هذه السلوكيات بكل موضوعية، واجعلها مرآة لتقييم أدائك القيادي لترى إن كنت تمارس أي منها:
1. الانفصال عن القدوة وتطبيق معايير مزدوجة من السهل أن تلتف هالة السلطة حول رأس القائد وتغريه منصبه، وهنا تحديداً يبدأ في توقع معاملة استثنائية تميزه عن بقية موظفيه، تليها رغبة في الخروج عن القواعد التي يلزم بها الآخرين. وفي هذا السياق، ترى أنجيلا فوستر، نائبة مساعد رئيس الموارد البشرية في منظومة جامعة إلينوي، أن القيادة الحقيقية تتلخص في بذل كل جهد ممكن لدعم أفراد الفريق وتوجيههم، وهذا يبدأ أساساً من كون القائد قدوة مستمرة وملموسة. إن تطلع القائد للحصول على معاملة تفضيلية مع إغفال الاحترام المتبادل هو أسرع طريق لتحطيم معنويات الفريق وإطفاء حماسه.
2. حصر التواصل في جفاف العمل ومستجداته لا ينفصل الموظف عن إنسانيته وحياته الشخصية عند دخوله مقر العمل. وحينما يجد الموظفون أنفسهم تحت قيادة شخص لا يلتفت إلى الجانب الإنساني ولا يتواصل معهم إلا لتلقي تقارير المشاريع، يتراجع شغفهم بالعمل تدريجياً. هذا التراجع في التفاعل يمهد الطريق لتوتر العلاقات المهنية، ووقوع الأخطاء، وضغف الإنتاجية العامة. بالطبع، ليس من حق المشرف أو المدير التطفل على الأسرار الشخصية لموظفيه، ولكن من صميم واجبه بناء جسور تواصل حقيقية تذلل عقبات العمل المشترك. وتقدم فوستر، التي تدير فريقاً يضم ثلاثة عشر موظفاً، رؤية عميقة في هذا الشأن قائلة إن التقرب من أعضاء فريقك والتعرف عليهم يبني الثقة تلقائياً، وهذه الثقة هي طوق النجاة الذي يعبر بكم الأوقات العصيبة. إن التواصل المستمر والدائم مع الموظفين يرسخ مفهوم الأمان النفسي، وهو البيئة الخصبة التي تولد الابتكار والتعاون المثمر.
3. ممارسة الإدارة الدقيقة بأساليب ملتوية وخفية جميعنا يعرف مصطلح الإدارة الدقيقة أو الميكرومانجمنت، وعانى الكثير منا وطأتها مع قادة يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة. بيد أن هناك وجوهاً خفية لهذا الأسلوب قد لا تتبادر إلى ذهنك، ومن أبرز أمثلتها فرض عرف غير مكتوب يلزم الموظف بأن تظهر حالته نشطاً طوال الوقت على برامج المحادثة الفورية للشركة. عندما يتحول التواجد الرقمي الدائم والرد اللحظي على الرسائل إلى ضغط نفسي وعرف سائد، يولد ذلك شعوراً عارماً بالإحباط والاحتقان لدى الموظفين. يعود هذا الأمر في جوهره إلى مدى ثقتك بموظفيك وقدرتهم على إدارة أوقاتهم، فليس هناك موظف يرغب في الشعور بأنه مراقب أو سيحكم عليه سلباً لمجرد أنه ابتعد عن مكتبه للحظات ليأخذ قسطاً من الراحة.
4. إغفال التقدير وتجاهل التعبير عن الامتنان هذا السلوك تحديداً يلقى دائماً هجوماً ودفاعاً مستميتاً من بعض القادة؛ فالانتظام في تقدير الموظفين وشكرهم لا يعني بالضرورة الثناء عليهم لمجرد الحضور والقيام بالحد الأدنى من واجباتهم، بل ينبع من حقيقة أن النفس البشرية جبلت على حب الثناء والاعتراف بجهودها وتميزها ككيان مستقل. وتتعدد أساليب التقدير بتنوع الشخصيات؛ فبينما يبهج البعض أن يُشاد بإنجازاتهم علناً في اجتماعات الفريق، يفضل آخرون رسالة بريد إلكتروني صادقة ومكتوبة بالتفصيل ليتسنى لهم الرجوع إليها من وقت لآخر لشحذ هممهم. خصص جزءاً من وقتك لمعرفة ما يحفز موظفيك وما يترك أثراً في نفوسهم، واجعل من التقدير والثناء جزءاً لا يتجزأ من هويتك القيادية، وسترى كيف ستزدهر ثقافة العمل من حولك.
5. الهروب من مواجهة المشكلات الكبيرة الواضحة يجد القادة الذين ينفرون من النزاعات مشقة كبيرة في معرفة التوقيت والطريقة المثلى للتعامل مع التوترات الجماعية، أو الموظفين ذوي النزعات السلبية، أو أي مشكلات تطفو على سطح الفريق. والواقع المرير هنا هو أنه عندما تشتعل شرارة مشكلة ما داخل الفريق، فإن الجميع يراها ويدرك أبعادها، وينتظرون بشغف خطوة المدير لحلها. إن ترك المشكلات لتتفاقم وتكبر بمرور الوقت كفيل بنشر ثقافة الشك وعدم الثقة بين الجميع. قد لا تجد في نفسك ميلاً فطرياً لخوض النقاشات الصعبة والمواجهات الجريئة، ولكن خوض هذه التجربة يستحق العناء؛ فالناس حتى وإن لم يتفقوا مع قرار القائد النهائي، فإنهم سيكنون له كل الاحترام والتقدير لأنه امتلك الشجاعة وواجه الأزمة فوراً دون تسويف.
ختاماً، لا تقف حدود الأخطاء القيادية عند هذه النقاط الخمس فحسب، فهناك سلوكيات أخرى قد تؤذي ثقافة الفريق دون قصد. غير أن نزع هذه العادات الخمس من أسلوبك الإداري سيحدث نقلة نوعية في بيئة عملك، ويعزز ثقة موظفيك في قدراتك القيادية. وتصنف هذه النقاط اليوم ضمن المهارات الناعمة التي كانت تُهمش في الماضي لصالح المهارات التقنية، إلا أن القادة القادرين على استيعاب وتطبيق هذه المهارات هم وحدهم المؤهلون لبناء فرق عمل متماسكة وصلبة، وهو أمر يتساوى في الأهمية مع الخبرة التقنية والفنية في بيئة العمل المعاصرة.
