القائمة الرئيسية

كيف يوظف العلماء تقنيات الذكالي في بحوثهم؟

كيف يوظف العلماء تقنيات الذكالي في بحوثهم؟
ملخص المقال

يتناول المقال واقع استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، مستعرضًا نتائج دراسات تشير إلى تزايد اعتماد الباحثين عليه لما يحققه من رفع للإنتاجية وتسريع لإنجاز المهام البحثية، خاصة في توليد الأفكار، والبرمجة، وكتابة الأوراق العلمية، مع استفادة أكبر للباحثين الشباب وغير الناطقين بالإنجليزية. وفي المقابل، يسلط الضوء على تحديات بارزة، منها الفجوة بين الجنسين في الاستخدام، وضعف مهارات صياغة الأوامر النصية، وغياب الأطر القانونية والأخلاقية المنظمة، فضلًا عن مخاوف من أن يؤدي الإفراط في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي إلى زيادة الإنتاج العلمي على حساب الجودة وانتشار أبحاث ضعيفة تُخفي قصورها خلف لغة منمقة. ويخلص المقال إلى أن تحقيق الاستفادة القصوى من هذه التقنية يتطلب تدريب الباحثين، ووضع سياسات واضحة، وتطوير معايير تحكيم تركز على جودة المنهجية والإسهام العلمي أكثر من الأسلوب اللغوي.

يبدو أن الذكالي بات يلقي بظلاله على سائر مناحي الحياة اليومية، ومن ثم فليس غريباً أن يمتد هذا التأثير ليتغلغل في صنب الميادين العلمية. وفي هذا الصدد، أظهرت دراسة حديثة أجرتها جامعة سينسيناتي أن العلماء يتملكهم تفاؤل عام بشأن الآفاق الواعدة التي يتيحها الذكالي، وقدرته على ترك بصمة إيجابية ملموسة في مسار البحوث الطبية.

وفي سياق متصل، اتسعت الرؤية في دراسة ثانية نهضت بها جمعيتا ماكس بلانك وفراونهوفر لتشمل المشهد العلمي بزاوية أكثر شمولاً، حيث استطلعت آراء ما يزيد على 6000 باحث ينتمون إلى كلتا المؤسستين للوقوف على كيفية تطويعهم لأدوات الذكالي في مسيرتهم العملية. وكشف الاستطلاع عن حضور فاعل ونشط للباحثين في مضمار استخدام هذه التقنية، على الرغم من بروز فجوة واضحة بين الجنسين، وظهور حالة من الضبابية القانونية والأخلاقية كحاجز أساسي يعيق التوسع في تبني هذه الأدوات.

مسبار البحث في واقع الذكالي

استهدف الاستطلاع الذي أُحيط بالسرية ولم تُكشف فيه هويات المشاركين سبر أغوار الطرق التي يتبعها العلماء لإدماج الذكالي في أعمالهم. وقد استكمل الاستطلاع 6215 باحثاً، أفاد ما يربو على 42% منهم بأنهم على دراية جيدة بهذه التقنية ويستخدمونها بالفعل بشكل أو بآخر في الوقت الراهن. بل إن أكثر من ربع المشاركين أكدوا اعتمادهم على الذكالي بصفة يومية، في حين أوضح نحو 20% منهم أنهم بمعزل تام عن هذه الأدوات ولم يسبق لهم تجريبه قط.

وقد تمخضت النتائج عن أنماط جلية ترسم ملامح هذا التوجه، حيث تبين أن جيل الشباب من الباحثين كانوا أكثر إقبالاً على تطويع الذكالي مقارنة بزملائهم الأكبر سناً. وعلى المنوال ذاته، ظهر أن الحاصلين على درجات علمية رفيعة هم الأكثر ميلاً لتوظيف هذه التقنية، كما سجلت معدلات الاستخدام بين الرجال تفوقاً ملحوظاً مقارنة بالنساء.

ولعل من البديهي أن ينعكس هذا الاستخدام المنتظم على مواقف هؤلاء الباحثين، إذ أبدوا تفاؤلاً كبيراً إزاء الثمار الإيجابية للتقنية وسائر آثارها الممتدة من جودة أبحاثهم الخاصة إلى المجتمع بأسره. ولا يعني هذا أن الفئات الأقل استخداماً للذكالي قد شككت في قدرته على إحداث تحولات جذرية في طبيعة أعمالهم، بل تكمن المسألة في أنهم لم ينظروا إلى هذا التحول الحتمي بوصفه مكسباً في جميع الأحوال.

أبعاد الفجوة بين الجنسين

تتواتر المؤشرات من دراسات أخرى لتؤكد أن النساء يملن إلى توظيف الذكالي بمعدلات تقل عن الرجال، وهو الاتجاه الذي التمسه هذا الاستطلاع أيضاً داخل الأوساط العلمية. غير أنه عند إخضاع البيانات للتحليل المعمق، تبين للباحثين أن هذا التباين بين الجنسين لا يعود مطلقاً إلى تفاوت في القدرات والمهارات، ولا إلى اتخاذ مواقف سلبية مسبقة تجاه التقنية، وإنما يرجح أن يكون وليد الافتقار إلى الألفة والاعتياد على أدوات الذكالي. وتأكد هذا الطرح حين وجد الباحثون أن النساء بمجرد انخراطهن في تجربة الذكالي، يجدنه مفيداً ونافعاً بالقدر ذاته الذي يلمسه الرجال.

وتكشف هذه النتائج عن تغلغل الذكالي في شتى مراحل العمل البحثي، حيث تمثلت أبرز مجالات استخدامه في اختبار الأفكار وصياغتها، وكتابة الرموز البرمجية، وصولاً إلى تحرير المسودات النهائية للأوراق العلمية. ومن الطبيعي في هذا السياق أن يوجه الباحثون طاقات هذه التقنية نحو إنجاز المهام التقليدية التي تستنزف القسط الأكبر من وقتهم وجهدهم.

وعلى الرغم من إجماع غالبية الباحثين على أن الهدف الأساسي من وراء استعانتهم بالذكالي هو رفع كفاءة أعمالهم واختصار الوقت، فإن النتائج تؤكد أن جني هذه الثمار يظل رهناً بامتلاك مهارة خاصة، لاسيما في كيفية صياغة التوجيهات والأوامر النصية بدقة.

مهارات الصياغة تحت مجهر الاختبار

عمد القائمون على الدراسة إلى اختبار مهارات المشاركين في التعامل مع الذكالي، حيث عُرضت عليهم صورة لظاهرة بصرية معينة، وطُلب منهم صياغة أمر نصي محكم يُمكّن التقنية من التعرف على ماهية تلك الظاهرة. وقد وُصفت محاولة الصياغة بالناجحة إذا استطاعت محاولة واحدة على الأقل من أصل 10 محاولات توليد الإجابة الصحيحة.

ومن المثارات العميقة للاهتمام أن 21% فقط من المشاركين نجحوا في اجتياز هذا الاختبار، وهو ما يراه الباحثون دليلاً قاطعاً على الأهمية البالغة لاكتساب مهارات جديدة ومتخصصة تضمن الاستفادة المثلى والموفقة من معطيات الذكالي.

ولم تقتصر التحديات على المهارات الفردية، بل برزت أهمية الدعم المؤسسي جلياً من خلال عوائق أخرى ساقها الباحثون، وعلى رأسها غياب اليقين القانوني، ناهيك عن عدم توفر الأدوات الأكثر كفاءة وتطوراً في مؤسساتهم. كما شكا الباحثون من غياب المبادئ والخطوط التوجيهية المنظمة لآليات استخدام الذكالي، وهو أمر تشتد الحاجة إليه خصوصاً في المساحات التي تكتنفها الضبابية التشريعية. ويرى الخبراء أن هذه التوجيهات يجب أن تصدر عن المؤسسات المشغّلة ذاتها، أو عبر هيئات دولية وتشريعية كبرى مثل الاتحاد الأوروبي.

التعلم وسط أمواج الممارسة

أفرزت الوتيرة المتسارعة لطفرات الذكالي واقعاً يتسم بالارتجال والتعلم أثناء الممارسة، حيث يقبل الأفراد على تبني هذه التقنيات واستخدامها قبل أن تتاح الفرصة للقوانين واللوائح التنظيمية لمواكبتها وتقنينها.

هذا الاندفاع السريع والمنفلت من عقال التنظيم بات يترك ظلالاً واضحة وآثاراً قابلة للقياس على حركة النشر الأكاديمي. وفي هذا الصدد، كشفت دراسة مشتركة بين جامعتي كاليفورنيا في بيركلي وكورنيل عن معطيات مثيرة، فبمجرد أن يبدأ الباحث في الاستعانة بأدوات الذكالي، تشهد إنتاجيته قفزة عملاقة، حيث ترتفع معدلات المخرجات بنسبة تتراوح بين 36% و60% تبعاً لطبيعة المنصة المستخدمة. وتأتي الفئة التي لا تتحدث الإنجليزية كلغة أم في طليعة المستفيدين من هذه الطفرة، إذ سجلت بعض المجموعات البحثية زيادة هائلة بلغت 89% في نشر المسودات العلمية الأولية عقب إدماجهم لأدوات الذكالي في منظومة عملهم.

بيد أن هذا الانفجار الإنتاجي يحمل في طياته وجهاً آخر يبعث على القلق الشديد، حيث أثبتت الدراسة أن التعقيد اللغوي المصطنع الذي يضفيه الذكالي على الكتابة الأكاديمية بات ينعكس سلباً على فرص قبول الأوراق ونشرها، وهو عكس النمط المعهود تماماً في النصوص التي يصيغها البشر بجهدهم الذاتي. وبتعبير آخر، يقع الكثيرون في فخ استخدام الذكالي لمداراة ضعف المادة العلمية الركيكة خلف ستر من الألفاظ المعقدة والعبارات المنمقة، بدلاف من توظيفه في تجويد البحوث الرصينة والمنضبطة أصلاً.

ومع تحول الذكالي إلى جزء بنيوي لا ينفصم عن الأدوات اليومية المستعملة في الأوساط العلمية، بدءاً من برامج تحرير النصوص وصولاً إلى منصات البريد الإلكتروني، فإن فكرة الانكفاء على الذات وتجنب هذه التقنية ستغدو ضرباً من المستحيل في القريب العاجل. هذا الواقع يفرض على المؤسسات التعجيل بصياغة أطر توجيهية وابتكار معايير تقييم صارمة بشكل عاجل لا يحتمل التأجيل. فالمرتكزات التقليدية التي كانت تتخذ من تعقيد الأسلوب وفخامة اللفظ دليلاً على الرصانة العلمية قد تهاوت وتفككت، مما يستدعي تفعيل منظومة تحكيم علمي أكثر صرامة من قِبل النظراء، منظومة تصوب نظرتها نحو المنهجية المتبعة والمساهمة المعرفية الجوهرية، عوضاً عن الانشغال بالمظاهر السطحية والزخرفة اللفظية.

إن المحك الحقيقي الذي يواجه المنشآت البحثية اليوم بات واضح المعالم، ويتمثل في تقديم البرامج التدريبية المكثفة، وتشييد الأطر الأخلاقية المحكمة، وصياغة منظومات الدعم التي تكفل اقتناص المنافع الحقيقية للذكالي، بالتوازي مع بناء سدود منيعة وضمانات حازمة تقف في وجه الطوفان الذي بات الباحثون يطلقون عليه اليوم وصف ""النفايات العلمية للذكالي"". ودون إرساء هذه التدابير الرادعة، فإن الآمال المعقودة على هذه التقنية في تحقيق تكافؤ الفرص والمعرفة للباحثين من غير الناطقين بالإنجليزية أو لأولئك الذين يخطون خطواتهم الأولى في مسيرتهم المهنية، تواجه خطر الانطمار والضياع تحت سيل جارف من الغث والإنتاج رديء الجودة، الأمر الذي يهدد بتقويض أركان النزاهة والمصداقية التي يقوم عليها النشر العلمي بأسره.

المصدر

مقالات ذات صلة