القائمة الرئيسية

الخوف من فوات الفرص في الذكالي ليس استراتيجية

الخوف من فوات الفرص في الذكالي ليس استراتيجية
ملخص المقال

يناقش المقال ظاهرة اندفاع الشركات إلى تبني توجهات الذكاء الاصطناعي بدافع الخوف من فوات الفرص، محذرًا من تحويل التصريحات الإعلامية والاتجاهات الرائجة إلى قرارات مؤسسية دون تمحيص. ويوضح أن كثيرًا من السرديات المتداولة حول الذكاء الاصطناعي، مثل الاستغناء عن الموظفين أو تبني نهج ""الذكاء الاصطناعي أولًا""، قد تعكس اعتبارات تسويقية أو استثمارية أكثر من كونها ممارسات ناضجة، مستشهدًا بأمثلة لشركات عدّلت مواقفها بعد تطبيق هذه السياسات. ويؤكد المقال أن على القادة الاستفادة من تجارب الآخرين دون نسخها، من خلال تقييم أي مبادرة وفق احتياجات المؤسسة، وقيمها، وأدلتها، وسياقها التشغيلي، بما يضمن أن يكون تبني الذكاء الاصطناعي قرارًا استراتيجيًا مدروسًا لا استجابةً لضغوط ""التريند"".

من أكثر الهواجس التي أسمعها مؤخرًا من مديري الموارد البشرية والمسؤولين الماليين والتنفيذيين، هو وقوع رؤساء الشركات أو مؤسسيها في فخ ""الهوس باللحاق بالتريند"" أو ما يُعرف بالخوف من فوات الفرص عبر منصات التواصل الاجتماعي مثل إكس. والمقصود هنا هو ذلك الضغط النفسي والمؤسسي الذي يدفع للإتيان بردة فعل تجاه كل صيحة تظهر في عالم الذكالي فور ولادتها. يكتب أحد المؤسسين منشورًا يعلن فيه تحول شركته إلى ""الذكالي أولاً""، أو تعلن شركة أخرى عن تقليص عمالتها بذريعة الأتمتة، أو يتوقع قطب تكنولوجي اختفاء تخصصات وظيفية بالكامل، أو تنتشر تدوينة تزعم ضرورة تقييم أداء الموظفين بناءً على معدل استخدامهم لأدوات الذكالي. وخلال ساعات معدودة، يجد الفريق التنفيذي نفسه تحت المقصلة بسؤال واحد: ""لماذا لا نفعل مثلهم؟""

هذا القلق في الواقع يمكن تفهمه واستيعابه، فتقرير مؤشر الذكالي لعام 2026 الصادر عن مجموعة بوسطن الاستشارية يشير إلى أن الشركات تخطط لمضاعفة حجم إنفاقها على التقنيات الذكالية هذا العام، ليرتفع من 0.8% إلى قرابة 1.7% من إجمالي إيراداتها، كما أن نصف الرؤساء التنفيذيين يرون أن استقرارهم في مناصبهم مرهون بنجاحهم في قيادة دفة استراتيجية الذكالي. لا أحد منهم يريد أن يظهر بمظهر القائد المتثاقل الذي فاته القطار، لكن علاج هذا القلق لا يمكن أن يكون أبدًا بالنسخ الأعمى لما يفعله الآخرون.

أنا لا أدعو الرؤساء التنفيذيين إلى إغلاق آذانهم وعزل أنفسهم عن قادة الفكر وموجّهي الساحة في عالم الذكالي، بل يتعين عليهم متابعتهم بكل تأكيد. لكن المعضلة الحقيقية تنشأ عندما تتحول تلك الأطروحات الخارجية إلى قرارات داخلية ملزمة وملحة، قبل أن تمر على فلاتر الاستراتيجية والأدلة الواقعية وسياق العمل وقيم المؤسسة.

اقتصاد البروباجندا وسرديات الذكالي

إن الوعي الحقيقي بالذكالي لدى القيادات التنفيذية اليوم لم يعد يقتصر على فهم التكنولوجيا ذاتها، بل يمتد ليشمل تفكيك ""اقتصاد السرديات"" المحيط بها. إن لقاءات المؤسسين، وعروض المستثمرين، وحفلات إطلاق المنتجات، والمقاطع الترويجية المنتشرة، وإعلانات الاستغناء عن العمالة، والادعاءات العريضة حول قفزات الإنتاجية، والجداول الزمنية للوصول إلى الذكالي العام، ما هي إلا إشارات عامة تُصنع وتُوجَّه داخل سوق محكوم بمصالح معينة. قد تعكس هذه الإشارات أحيانًا تطورًا وتعلمًا حقيقيين، لكنها في أحيان كثيرة تكون وليدة جولات تمويلية، أو ضغوط من العملاء، أو رقابة تشريعية، أو رغبة في جذب الكفاءات، أو مجرد رغبة في التموضع التنافسي وصناعة الهوية الشخصية. الاستفادة من هذه الإشارات ممكنة، لكن التعامل معها كمسلّمات لا تقبل النقاش ينطوي على خطورة بالغة.

ولنتأمل هنا سردية ""فناء الوظائف"". لسنوات طويلة، أطلق سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، تصريحات حادة وصادمة عن التأثير الهدام للذكالي على سوق العمل. ونقلت مجلة تايم مؤخرًا تصريحات سابقة له أكد فيها أن الذكالي سيحل على الأرجح محل أغلب الوظائف الحالية، وأن قطاعات وظيفية كاملة ستندثر تمامًا. لكن في شهر مايو الماضي، عاد ألتمان ليعلن عن سعادته بكونه كان مخطئًا بشأن هذا الكابوس، واعترف بأن حدسه وجانبه الصواب بشأن خسارة الوظائف المكتبية المبتدئة.

ربما كان هذا التراجع نتيجة مراجعة ذاتية صادقة، وربما كان خطوة استراتيجية مدروسة تزامنت مع تجهيز الشركة لطرح أسهمها في الأسواق العامة وما يصاحب ذلك من رقابة وتدقيق. أنا لا أدعي معرفة النوايا، لكن الشاهد هنا هو أن التصريحات العلنية لقادة شركات الذكالي الكبرى لا ينبغي أن تصبح مرجعية تُبنى عليها استراتيجيات القوى العاملة في شركتك، فمحفزاتهم وغاياتهم تختلف تمامًا عن محفزاتك وغاياتك.

بريق الإعلان يخفي نصف الحقيقة

تتكرر الأزمة ذاتها عند تأمل إعلانات الشركات نفسها. لقد طارت الركبان بقصة شركة كلارنا السويدية في توظيف الذكالي في خدمة العملاء نظرًا لكونها قصة رقمية وملموسة. ففي عام 2024، أعلنت الشركة أن مساعدها المعتمد على الذكالي أنجز عملاً يعادل ما يقوم به 700 موظف بدوام كامل، وتولى إدارة ثلثي محادثات الدعم الفني. وبعد مرور عام واحد فقط، تحول تركيز الصحافة الاقتصادية نحو قيام كلارنا بإعادة الاستثمار في العنصر البشري لخدمة العملاء، واعتماد الذكالي كأداة مساعدة تكميلية، لا كبديل مطلق للموظفين.

وفي سياق مشابه تمامًا، تبنت شركة دولينجو لتعلم اللغات فكرة ""الذكالي أولاً"" كشعار أساسي، بل وذهبت إلى حد إدراج معدلات استخدام الذكالي كمعيار في تقييم أداء موظفيها. ولم يمر وقت طويل حتى خرج رئيسها التنفيذي، لويس فون آن، ليعلن تراجع الشركة عن هذا المسار؛ والسبب أن الموظفين أصيبوا بذعر من فكرة إجبارهم على استخدام أدوات الذكالي لمجرد الاستخدام فقط دون جدوى حقيقية. وأوضح أن شركتهم تقدر جودة الأداء الفعلي في العمل قبل أي شيء آخر.

هذا التراجع والتحول ليس صك فشل للذكالي، بل هو برهان ساطع على أن الإعلان الأول لم يكن يروي الحصة كاملة. المشكلة أن الصدى الذي يحدثه الإعلان البراق يدوي أسرع وأبعد بكثير من التصحيح اللاحق له. إن قصة من قبيل ""كيف استبدلنا البشر بالذكالي"" تُتداول بنهم في اجتماعات مجالس الإدارات، أما التفاصيل اللاحقة التي تشرح كيف تراجعت الجودة، أو كيف تمسك العملاء بالبشر، أو كيف فهم الموظفون الحوافز بشكل خاطئ، فتُعامل كملحوظة هامشية لا يلتفت إليها أحد.

المانشيت العريض هو البيان الصحفي الأول، أما التراجع فهو تفصيل صغير ينشر في زاوية ضيقة. ومكمن الخطر في متابعة أخبار الذكالي أن القادة يكتفون بقراءة المانشيت ويهملون التفاصيل.

انسخ السؤال ولا تنقل الإجابة

هذا الكلام لا يعني أبدًا تحريض الرؤساء التنفيذيين على إغلاق حساباتهم في وسائل التواصل الاجتماعي أو التوقف عن سماع البودكاست ومتابعة التقارير، وإنما يعني حاجتهم الماسة إلى ""مصفاة ذهنية"" أكثر عمقًا. أحيانًا يكون المجموع على حق، والتاريخ يعج بأسماء شركات قضى عليها التباطؤ في التحول والتطوير. لكن الحكمة تقتضي أن تنسخ منهم السؤال المطروح، لا أن تنقل إجابتهم وتطبقها حرفيًا على نفسك.

  • حين تعلن شركة ما عن تسريح موظفين بسبب الذكالي: بدلاً من الاندفاع وسؤال ""هل يجب أن نسرح موظفينا نحن أيضًا؟""، على الرئيس التنفيذي الحصيف أن يسأل: ""أين يمكن للذكالي أن يطور من اقتصاديات العمل لدينا، أو يقلص زمن الإنتاج، أو يحسن نموذج الخدمة وهيكلة المهام؟""

  • حين تبدأ شركة ما في ربط تقييم الموظف باستخدامه للذكالي: لا تسرع وتقول ""سنضيف هذا المعيار في لوائحنا""، بل اسأل نفسك وفريقك: ""ما هي السلوكيات والنتائج الملموسة التي تثبت أن موظفينا يستغلون الذكالي بكفاءة تخدم العمل؟""

هنا تحديدًا يبرز الدور المحوري لمدير الموارد البشرية، بصفته صمام الأمان والمسؤول التنفيذي الذي يعين المؤسسة على التمييز بين شعور الاستعجال الحقيقي والوقوع في فخ المحاكاة العمياء. إن الزخم المستمر حول الذكالي يخلق ما يمكن تسميته ""الاستعجال المستعار""، وهو شعور بالضغط والذنب يدفعك للتحرك لمجرد أن سياق شركة أخرى أو ظروفها الخاصة جعلت عدم حركتك تبدو وكأنها تقاعس وعدم مسؤولية. قد يكون هذا الاستعجال مفيدًا في شحذ الهمم أحيانًا، لكنه يحتاج إلى غربلة وتطويع قبل التطبيق. وبالمثل، يجب أن يكون هذا الانضباط منصفًا، فلا يتحول عذر ""ظروفنا مختلفة"" إلى لافتة ترفعها إدارة الموارد البشرية للهروب من استحقاقات التغيير والتطوير الإيجابي. الغاية ليست التخندق في مربع الوضع الراهن، بل اتخاذ قرارات ورهانات مدروسة ومربحة.

مصفاة إشارات الذكالي

كخطوة عملية وبداية واضحة، أقترح ما أسميه ""مصفاة إشارات الذكالي"". فقبل أن تحول أي قصة قرأتها في الإعلام إلى قرار ملزم داخل شركتك، اجتمع بفريقك القيادي واطرحوا هذه الأسئلة بكل تجرد:

  • الاستراتيجية: ما هي المعضلة الحقيقية في عملنا ونحاول حلها بهذه التقنية؟

  • القيمة: كيف سيترجم هذا القرار إلى قيمة ملموسة لعملائنا، أو موظفينا، أو لكيان المؤسسة ككل؟

  • السياق: ما هي الظروف والمعطيات التي توفرت في الشركة التي نُعجب بها، وقد لا تكون متوفرة لدينا؟

  • الأدلة: هل هذا التوجه يمثل ممارسة ناضجة ومجربة، أم مجرد تجربة أولية، أم بروباجندا علاقات عامة، أم رسالة موجهة لطمأنة المستثمرين؟

  • الحوافز والمصالح: من المستفيد الأكبر والمباشر إذا صدقنا وسرنا وراء هذه الرواية؟

  • نموذج التشغيل: ما هي طبيعة الوظائف، وسير العمل، والمسؤوليات، والقدرات التي يجب أن تتبدل فعليًا لتطبيق هذا التحول؟

  • القيم: هل سنشعر بالفخر والرضا تجاه هذا القرار لو نُشر تفاصيله غدًا على العلن؟

  • الخط الرجعي (المرونة): هل نحن بصدد تجربة محدودة الأثر ومنخفضة المخاطر، أم نغامر برهان تنظيمي ومؤسسي قد يصعب التراجع عنه؟

ولعل السؤال الأخير المتعلق بالقدرة على التراجع هو الأهم على الإطلاق. إن مسيرة التحول نحو الذكالي لا يمكن تركها لتقلبات أمزجة السوق وأهوائه؛ ففي شهر ترى الساحة تضج بضرورة استبدال العمالة، وفي الشهر التالي ينقلب الحديث نحو تعزيز وصون الجانب الإنساني في العمل. وفي شهر يحتفل الجميع بحجم استهلاك الرموز البرمجية والبيانات، وفي الشهر الذي يليه تصطدم الشركات بالواقع المالي المرير لتكلفة التشغيل وبمحدودية مقاييس النشاط الجوفاء.

إن قلق الرؤساء التنفيذيين ومجالس الإدارات وحرصهم على مواكبة العصر أمر مشروع ومطلوب، لكن شتان بين من يتحرك لأن الخطوة تخدم صلب عمله وتدعم أرقامه، وبين من يتحرك لمجرد أن خبيرًا يشار إليه بالبنان كتب تدوينة حماسية على منصات التواصل الاجتماعي. إن القادة الملهمين هم من يتقنون ترجمة وتطويع الإشارات الخارجية دون الانقياد الأعمى لها، يدرسون السوق بعناية دون أن يرهنوا قرارهم به، ويخوضون غمار التجربة والابتكار دون أن يفرطوا في استقلاليتهم وحسهم النقدي. إنهم يستطلعون تجارب الآخرين، لكنهم يوقعون قراراتهم بناءً على استراتيجيتهم الخاصة، وإمكاناتهم الذاتية، ومتطلبات عملائهم، وقيمهم الراسخة، وحجم المخاطر التي يستطيعون تحملها. يتابعون الأخبار وعناوينها الصاخبة، لكنهم عند إدارة الشؤون اليومية يعودون دائمًا إلى القواعد الذهبية والمبادئ الراسخة في عالم المال والأعمال. وفي زمن الهوس بالذكالي، قد تكون هذه الرصانة وهذا الانضباط الفكري هما طوق النجاة الأهم للقيادة الناجحة.

المصدر

مقالات ذات صلة