تزدحم ردهات متاجر البقالة بالكثير من الإشارات واللافتات التي قد تمر أمام أعيننا دون أن نعي مغزاها الحقيقي في كثير من الأحيان. تخيل نفسك وأنت تتجول في متجرك المعتاد، ألا تنجذب عيناك تلقائياً إلى تلك العبارات البراقة مثل ""الكمية محدودة"" أو ""سارع بالشراء قبل نفاد المخزون""؟
وكم من مرة دفعتك تلك الكلمات إلى إلقاء سلعة إضافية في عربة تسوقك؟ إن واقع الحال يؤكد أنك لم تكن بحاجة فعلية لتلك السلعة، والدليل أنك ستجد نصفها في سلة المهملات مع نهاية الأسبوع. إن هذا السلوك لا ينم عن مجرد سوء تخطيط في الإنفاق، بل هو نتاج محفز نفسي خفي يشكل سلوكياتنا الشرائية دون أن نشعر، وهو سلاح يعتمد عليه تجار التجزئة على نطاق واسع.
ما زال هدر الطعام يشكل معضلة عالمية تؤرق المجتمعات، حيث أشار تقرير صدر عن الأمم المتحدة في عام 2021 إلى أن نحو 60% من إجمالي الأغذية المهدورة عالمياً يعود مصدرها إلى القطاع المنزلي. وتعمل الحملات التوعوية العامة بجد على تشجيع الأفراد لوضع خطط تسوق محكمة، والتدقيق في المشتريات، وحسن استغلال بقايا الطعام وحفظها في المجمد، وهي بلا شك استراتيجيات مجدية، لكنها لا تقدم تفسيراً كاملاً لعمق المشكلة.
وهنا يأتي دور بحثنا ليسلط الضوء على بعد آخر، يكمن في تلك القوى النفسية الكامنة في الأسواق والتي توجه دفة مشترياتنا وتتحكم في كمياتها منذ اللحظة الأولى، مما يفضي بنا في نهاية المطاف إلى منزلق الهدر.
وقد يتبادر إلى الأذهان للوهلة الأولى أن شعور الإنسان بقلة موارده سيجعله أكثر حرصاً وتدبيراً، فيحافظ على ما يملك ويحد من استهلاكه. وهذا الافتراض صحيح في بعض الجوانب، إذ يميل الأشخاص ذوو الدخل المحدود بالفعل إلى أن يكونوا أقل هدراً للطعام.
بيد أن دراستنا تبحث في زاوية مغايرة، وهي ما يحدث عندما يتملك الإنسان شعور عام بالاحتياج، أو ما يمكن تسميته بعقلية الندرة المتوهمة، بغض النظر عن حجم الرصيد البنكي أو كمية الأطعمة المكدسة في ثلاجة منزله، وهنا تحديداً تنقلب الموازين.
فعندما يقع المستهلك تحت تأثير الندرة الوهمية، يستيقظ لديه دافع غريزي ملح نحو الاستحواذ، وهو حافز عقلي يملي عليه ضرورة تأمين المزيد من الموارد لحماية نفسه. وفي ظل توفر السلع واكتظاظ رفوف المتاجر بها مع امتلاك الفرد للملاءة المالية، تدفع هذه العقلية المرء إلى اقتناء بضائع تفوق حاجته الفعلية بمراحل، وتلك الحالة تشبه إلى حد بعيد تهافت الجماهير على تخزين ورق المرحاض إبان أزمة كورونا، لكنها تتكرر هنا مع السلع التموينية اليومية.
إن هذه الفجوة الكبيرة بين ما يشتريه المرء وما يستهلكه فعلياً هي المنبع الأساسي لتزايد هدر الأطعمة. ورغم أن وهم الندرة يستنهض فينا رغبة الشراء المكثف، فإن طاقاتنا الجسدية وقدرتنا على تناول الطعام تظل ثابتة ومحدودة، مما يجعل ذلك الفائض يؤول حتماً إلى سلة النفايات. فالإشارات التي تبثها الأسواق لا تكتفي بتقديم النصح العابر، بل تدفعنا نحو الإفراط المبالغ فيه والاستحواذ على ما يزيد عن حاجتنا الحقيقية.
ولأجل سبر أغوار هذه الظاهرة، قمنا بإجراء سلسلة من التجارب واستطلاعات الرأي للوقوف على دلالاتها.
ففي أحد بوفيهات الإفطار المفتوحة، قمنا بوضع لافتة تعلن عن ""توفر مقاعد محدودة جداً"" للمشاركة في نشاط ترفيهي لا علاقة له بالطعام مطلقاً، ورصدنا أن هذا الإعلان المجرد قد دفع رواد المطعم إلى ترك كميات من الطعام المهدور تفوق بكثير ما رصدناه في الصباح السابق.
ولم نكتفِ بذلك، بل أتبعناها بدراسة مخبرية تم فيها إيهام مجموعة من المشاركين بأن حظهم من الموارد أقل من الآخرين، فكانت النتيجة قيامهم بجمع كميات كبيرة من الوجبات الخفيفة وتركوا جانباً كبيراً منها دون تناول، على العكس من المجموعة التي شعرت باستقرار وضعها المادي. وتوجت هذه الجهود باستطلاعين موسعين أكدا وجود النمط السلوكي ذاته داخل البيوت الحقيقية، حيث تبين أن عقلية الندرة المتصورة تعد ممهداً رئيسياً لارتفاع معدلات الهدر المنزلي.
وثمة محفزات لا حصر لها تبعث في النفس هذا الإحساس الوهمي بالحبس والقلة، ومن أبرزها العبارات التسويقية المباشرة مثل ""حتى نفاد الكمية"". ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل التقارير الإخبارية التي تطالعنا يومياً عن التضخم وارتفاع الأسعار أو نقص بعض السلع في الأسواق، فضلاً عن عامل ضيق الوقت المستغرق في التسوق، بل وحتى منصات التواصل الاجتماعي التي تعرض حياة الآخرين بأسلوب يولد لدينا شعوراً بالحرمان من نعم يرفلون بها.
تتضافر هذه المؤثرات لتخلق في وعينا إحساساً دفيناً وقوياً بالقصور، مما يوجهنا نحو مراكمة السلع دون إدراك حقيقي للدوافع. وخلاصة القول إن البيئة المحيطة بنا تصيغ بداخلنا ذلك الإحساس بالندرة، مما يوقعنا في فخ الإفراط في الشراء، وينتهي بنا المطاف إلى مستنقع الهدر.
ولا ينفرد شعور الندرة المتوهمة بإشعال فتيل هذه الأزمة، بل تشاركه نزعات نفسية أخرى، منها رغبة الإنسان الفطرية في التنوع، والتي تجعلنا نبالغ في تقدير عدد البدائل والخيارات التي قد نحتاجها مستقبلاً، فنشتري أصنافاً شتى ثم نهملها لنعود إلى ممارساتنا واختياراتنا الروتينية المعتادة.
ويظهر هنا أيضاً ما يُعرف بانحياز التفاؤل، حيث نشتري الأغذية الطازجة سريعة التلف مثل الخضروات الورقية بنوايا صادقة لإعداد وجبات صحية، لكننا نفشل في استغلالها قبل تلفها. ويزيد الطين بلة وقوعنا تحت تأثير ظاهرة خصم الوقت، وهي نزعة نفسية تؤثر الحاضر على حساب المستقبل.
وعلى الصعيد العملي، يترجم هذا الانحياز عندما نمني أنفسنا قائلين ""سأطهو هذه المكونات قبل أن تفسد""، لنتراجع لاحقاً أمام خيارات أكثر سهولة وجاذبية في اللحظة الراهنة مثل طلب الوجبات الجاهزة أو إعداد طبق سريع، مما يؤدي إلى ركن تلك الأطعمة التي كنا عازمين على استخدامها في زوايا الثلاجة حتى يصيبها العفن.
خطوات عملية للمواجهة
تؤكد هذه المعطيات بمجملها أن هدر الطعام ليس مجرد عجز في التخطيط، بل هو معضلة سلوكية تتداخل في تشكيلها عوامل نفسية متعددة، وعليه، ما الذي يمكن للأفراد فعله لاتخاذ قرارات شرائية سديدة وقطع الطريق أمام هدر النعم؟
الخطوة الأولى تتمثل في رصد إشارات الندرة، فبمجرد أن يمتلك المستهلك الوعي الكافي بخبايا الرسائل الترويجية المبنية على ""العروض المحدودة"" أو ""الفرص الأخيرة""، تضعف السطوة النفسية لتلك العبارات عليه ويفقد السماسرة تأثيرهم.
الخطوة الثانية تتطلب التمهل وإمعان الفكر قبل وضع السلعة في العربة، وذلك عبر طرح تساؤلات ذاتية صريحة مثل: هل تتوفر لدي خطة واضحة ومحددة لطهي هذه المادة؟ ومتى سأستخدمها بشكل واقعي؟
الخطوة الثالثة ترتكز على مبدأ البدء بالقليل، إذ إن التسوق على فترات متقاربة وبكميات صغيرة يحد بشكل كبير من حمى الشراء الزائد. وإذا ما تواجدت في مطعم يقدم خدمات البوفيه المفتوح، ضع نصب عينيك دائماً أن بإمكانك العودة للحصول على حصة ثانية وثالثة، فلا داعي لملء طبقك بما يفوق طاقتك الاستيعابية منذ البداية.
الخطوة الرابعة تكمن في استشراف المستقبل والتخطيط له، وذلك عبر توزيع الأطعمة والمكونات المتوفرة على وجبات الأسبوع مسبقاً، سواء كان ذلك عبر ترتيبها ذهونياً أو تسجيلها في مفكرة مكتوبة.
ومع أهمية هذه التحولات السلوكية الفردية في حماية الأسر من بريق الإعلانات، إلا أنها تظل شقاً واحداً من منظومة الحل، إذ لا يمكننا إغفال تأثير المناخ العام، فالإشارات المحفزة لغريزة الندرة متغلغلة في بنية قطاع التجزئة ووسائل الإعلام، وتلعب دوراً حيوياً في توجيه مشاعرنا وصياغة قراراتنا اليومية.
ولأن القطاع المنزلي يتحمل العبء الأكبر في فاتورة الهدر، فإن كبح جماح هذه الظاهرة يتطلب من كبار التجار وشركات صناعة الأغذية مراجعة خططهم، وتصميم بيئات تسوق ذكية تعزز العادات الإيجابية للمستهلك، وتتناغم مع تركيبته النفسية بدلاً من التلاعب بها واستغلال نقاط ضعفها.
