في شهر يونيو، أبلغ بنك تي دي موظفيه بعزمه على تفعيل برنامج تقني يُدعى وورك آي كيو على حواسيب العمل، بهدف رصد الوقت الذي يقضونه في تصفح الإنترنت والمحادثات الداخلية ومنصات الاجتماعات. وقد أعاد هذا القرار فتح باب النقاش المجتمعي حول مسألة الرقابة في بيئات العمل، وهي مسألة تتجاوز في أبعادها حدود هذا البنك لتشمل قطاعات أوسع بكثير.
لقد فرض التحول التقني المعاصر أنماطاً جديدة للوظائف، فصارت أكثر رقمية وأقل مركزية واعتماداً على العمل الهجين عن بُعد. وفي ظل هذه التحولات، قد يساور المدراء شعور بالعجز عن متابعة الإنجاز عياناً، مما يدفعهم للاستعانة ببرمجيات تعدهم بتقديم كشف دقيق للحركة اليومية للموظف، مثل رصد الساعات المستغرقة داخل التطبيقات، ومتابعة نشاط المتصفحات، وإحصاء مشاركاته في الاجتماعات، وغيرها من البصمات الرقمية.
ولا يخفى على أحد سر انجذاب أصحاب العمل إلى هذه التقنيات، إذ يتطلعون دوماً لمعرفة مكامن الخلل التي تعوق تدفق العمل وأين تتبدد الطاقات الزمنية، غير أن الإشكالية الحقيقية لا تقف عند حدود فحص أثر الرقابة في تحسين الأداء من عدمه، بل تمتد لتطرح تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة الثقافة المؤسسية التي تنشأ في ظل هذه الأجواء، ومدى قدرة الموظف على الإبداع والعطاء وهو يفتقد الشعور بالثقة والاحترام.
وليس بجديد على الفكر الإنساني القول بأن إدراك الإنسان لكونه تحت المنظار يغير من طبيعة سلوكه، فقد صاغ الفيلسوف الإنجليزي جيريمي بنثام في القرن الثامن عشر تصوراً معمارياً للسجون يُعرف بالبانتوبيكون أو السجن الدائري، وهو تصميم يتيح للمشرفين مراقبة السجناء طوال الوقت دون أن يدرك السجين اللحظة الفعلية لرقابته. ولم تكن الغاية من هذا التصميم تقتصر على رصد التحركات فحسب، بل كانت تتمحور حول فكرة أن مجرد شعور السجين باحتمالية رصده كفيل بتغيير سلوكه وانضباطه تلقائياً.
الرصد الرقمي لا يعني عمق الفهم
تُسوق أنظمة الرقابة المؤسسية عادةً بصفتها أداة لرفع كفاءة الإنتاج وترشيد القرارات المتعلقة بإدارة الموارد البشرية وتوزيع الطاقات. ومن هذا المنطلق، برر بنك تي دي اعتماده لبرنامج وورك آي كيو معتبراً إياه ممارسة اعتيادية في السوق تهدف إلى تمكين القيادات الإدارية من ضبط مسارات العمل، وتقييم الطاقات الاستيعابية للفرق، وتوجيه الأداء بمزيد من الدقة.
ورغم مشروعية هذه المستهدفات لأي منظومة، فإن المعضلة تكمن في أن زيادة مساحة الرؤية والاطلاع على تفاصيل الحركة لا تعني بالضرورة تعميق فهمنا لطبيعة العمل المبذول.
إن البصمة الرقمية قد تثبت بالدليل القاطع أن الموظف قضى وقتاً طويلاً أمام جدول بيانات أو متصفح أو منصة اجتماعات، لكنها تقف عاجزة تماماً عن قياس جودة هذا العمل، وما إذا كان ينطوي على تفكير عميق، أو ابتكار خلاق، أو جهد فكري وعاطفي مضنٍ، أو حتى ما إذا كان هذا الإجراء ضرورياً في الأصل.
فعلى سبيل المثال، قد يبدو موظف ما خاملاً في نظر النظام، بينما هو مستغرق في التفكير لحل معضلة شائكة، أو يمد يد العون لزميل له، أو ينتظر استجابة نظام تقني بطيء. وفي المقابل، قد يظهر موظف آخر في حالة نشاط متواصل وحركة دؤوبة على الشاشة دون أن يقدم في واقع الأمر منجزاً ذا قيمة حقيقية للمؤسسة.
إن المراقبة الآلية قد تبرع في إحصاء الجوانب الكمية والظاهرية للعمل، لكنها في الوقت ذاته تخاطر بإغفال وإهمال الجوانب النوعية الجوهرية.
أوهام المكاسب الإنتاجية
تستمد المراقبة الإلكترونية جاذبيتها الكبرى من الوعد القاطع بتحسين معدلات الأداء، إلا أن دراسة تحليلية شاملة صدرت حديثاً وضمت أربعاً وتسعين دراسة سابقة شملت أكثر من ثلاثة وعشرين ألف مشارك، قد خلصت إلى عدم وجود أي رابط حقيقي أو أثر ملموس للمراقبة الإلكترونية في الارتقاء بمستوى الأداء. وجاءت هذه النتيجة مطردة سواء تم قياس الأداء بناءً على سرعة الإنجاز وكميته، أو استناداً إلى روح التعاون والمساعدة بين الزملاء، أو حتى بالنظر إلى السلوكيات الوظيفية السلبية والمضرة بالعمل.
ولا يعني هذا أن المراقبة عديمة الجدوى في جميع الأحوال، ففي بعض البيئات المهنية النمطية التي تعتمد على مهام متكررة وسهلة القياس الكمي، قد تسهم الرقابة في دفع العاملين نحو الإسراع في الإنجاز، أو تسليط الضوء على الإجراءات العقيمة التي تفتقر إلى الكفاءة.
ولكن الشاهد أن جل الوظائف العصرية بات يعتمد بالدرجة الأولى على الملكات الفكرية، والقدرة على حل المشكلات، ومساحة الثقة الممنوحة للموظف، وهي خصال لا يمكن للمقاييس الرقمية الجافة رصدها أو الإحاطة بها. وحينما تختزل المؤسسات الأداء المهني في مجرد حركات رقمية، فإنها تسقط في فخ قياس الأمور السهلة والمتاحة عوضاً عن قياس الأمور الجوهرية والمؤثرة.
وعلاوة على ذلك، فإن الموظفين يطورون سلوكياتهم لتتوافق مع آليات القياس المفروضة عليهم، فيتقنون فن التظاهر بالانشغال بدلاً من التركيز على جودة العطاء. وفي هذا السياق، كشفت دراسة أجريت في مصنع ضخم لإنتاج الهواتف المحمولة في الصين أن خطوط الإنتاج التي حُجبت عن أعين المراقبين بوضع ستائر قد سجلت معدلات عيوب مصنعية أقل بكثير مقارنة بخطوط الإنتاج المكشوفة التي ظلت تحت الرقابة المباشرة. ولم يكن السبب في ذلك راجعاً إلى تراجع حرص العمال على جودة المنتج، بل لأن توفر قدر من الخصوصية أعفاهم من عناء إخفاء ابتكاراتهم وأساليبهم غير الرسمية التي وجدوها أكثر فاعلية وإنجازاً للعمل.
وعليه، فإن المراقبة قد تزيد من وتيرة الحركة الظاهرية، لكنها لا تضمن بأي حال الارتقاء بالجودة، بل قد تؤدي إلى وأد المبادرات الفردية والحلول المرنة التي تضمن استمرار العمل وانسيابيته خلف الكواليس.
تصدع جدار الثقة
تتجلى وحدة النتائج وبراهينها بشكل أوضح عند التمعن في الأثر النفسي والمسلكي لهذه المراقبة على الموظفين.
إذ تشير الأبحاث بانتظام إلى وجود ارتباط وثيق بين الرقابة الإلكترونية وارتفاع معدلات التوتر النفسي، وتراجع الرضا الوظيفي، واهتزاز قناعة الموظف بعدالة المؤسسة، فضلاً عن تنامي الشعور بانتهاك الخصوصية الشخصية. ورغم أن هذه الآثار قد لا تبدو جسيمة في بعض الأحيان، إلا أن خطورتها تكمن في قدرتها على تغيير المناخ العام والروح السائدة في بيئة العمل.
إن هذه السياسات تفضي بالموظف إلى الشعور بأنه ملاحق بالأنظار، وموضع شك مستمر، ومطالب بتقديم كشف حساب دقيق عن كل دقيقة من يومه، مما يقوض من قيمة العمل بصفته نشاطاً إنسانياً كريماً يقوم على الاحترام المتبادل والثقة المشتركة.
وهنا يلعب السياق المؤسسي دوراً مفصلياً، إذ تختلف ردة فعل الموظفين وتتسم بالإيجابية إذا ما استُخدمت البيانات بشكل تجميعي عام بهدف رصد الاختناقات في تدفق العمل وتخفيف الضغوط، بينما تنقلب إلى ضغوط سلبية إذا ما استُغلت تلك البيانات الفردية لترصد العثرات وتصنيف الموظفين وتوبيخهم. كما يشتد الضرر الناتج عن المراقبة إذا ما اتسمت بالفضول الفج واقتحام الخصوصية، أو غاب عنها الوضوح والتبرير المقنع.
نحو طرح تساؤلات أكثر عمقاً
لا شك أن الإدارة الرشيدة تتطلب توفر تدفق مستمر للمعلومات، ولكن يتعين على أصحاب العمل، قبل الاندفاع نحو تبني أدوات المراقبة التقنية، تحديد ماهية المشكلة التي يسعون لعلاجها بدقة ووضوح.
فإن كانت المعضلة تكمن في تكدس المهام، فقد يكون منشأ المشكلة حقيقة هو فرط الأعباء، أو شح الموارد المتاحة، أو رداءة تصميم الأنظمة الإدارية. وإن كان الخلل في الأداء، فإن العلاج يتطلب صياغة معايير تقييم موضوعية وذات دلالة، وليس الاكتفاء برصد الحركة الرقمية. أما إذا كانت الأزمة في جوهرها أزمة ثقة، فإن تشديد الرقابة لن يزيد الأمر إلا سوءاً.
كذلك، ينبغي على أصحاب العمل إرساء قواعد تتسم بالشفافية المطلقة بشأن طبيعة البيانات المستهدفة بالجمع، والجهات المخولة بالاطلاع عليها، ومدى ارتباطها بتقييم الأداء الفردي، والضمانات المتاحة لمنع إساءة استخدامها، إذ لا بد من وجود عقل إداري واعي يحدد دلالة هذه الأرقام، ومتى يجب الاعتداد بها ومتى يتعين التغاضي عنها.
وتثير هذه الممارسات جملة من التساؤلات القانونية والتقنية والتنظيمية التي لم يضع لها القانون الكندي سوى إجابات منقوصة، فعلى سبيل المثال، يلزم القانون في مقاطعة أونتاريو الشركات التي تضم خمسة وعشرين موظفاً فأكثر بصياغة سياسة مكتوبة ومعلنة تبين ما إذا كانت المؤسسة تطبق نظام مراقبة إلكترونية، وتوضح آلياته والغرض منه.
بيد أن هذه التشريعات تركز في جوهرها على مبدأ الشفافية والإفصاح فحسب، وهي لا تمنح الموظف حقاً عاماً في رفض المراقبة، ولا تضع قيوداً صارمة تحد من كيفية توظيف أصحاب العمل للبيانات المتحصلة من هذه الرقابة.
ختاماً، يجب النظر إلى الرقابة في بيئة العمل بوصفها تدخلاً جوهرياً ومؤثراً في طبيعة العلاقة التعاقدية والإنسانية بين الموظف والمؤسسة. فإذا كانت الغاية منها رصد مواطن الاختناق، وتخفيف الأعباء غير الضرورية، وتحسين كفاءة توزيع الطاقات البشرية، فإنها قد تؤدي دوراً بنائياً ومثمراً. أما إذا تحولت إلى مقصلة للإدارة التفصيلية الخانقة، وأداة للضغط على العاملين لتبرير كل حركاتهم وسكناتهم طوال اليوم، فإن خسائرها المتمثلة في هدم الروح المعنوية ستبدد حتماً أي مكاسب رقمية مرجوة.
إن الرهان الحقيقي الذي يواجه أصحاب العمل لا يكمن في جمع فيض من المعلومات حول حركات الموظف، بل في استيعاب طبيعة العمل بعمق يتيح تطويره والارتقاء به، دون تحويل الحياة الوظيفية اليومية إلى ساحة للتفتيش المستمر والمحاكمة الدائمة.
