نجح علماء في جامعة إدنبرة في اكتشاف نمط هرموني فريد في دماء النساء المصابات بمرض بطانة الرحم المهاجرة، المعروف أيضاً بـ الدوران الرحمي أو المهاجرة. ويمثل هذا الإنجاز العلمي تحدياً كبيراً للافتراضات الطبية التي سادت عقوداً طويلة حول طبيعة هذا المرض، كما يمهد الطريق لتطوير أول اختبار دم بسيط يعفي المريضات من الإجراءات الجراحية لتشخيص حالتهن.
وقد نُشرت هذه الدراسة العلمية في المجلة الأوروبية لعلم الغدد الصماء، وجاءت ثمرة تعاون مشترك بين جامعات ليفربول وغلاسكو وبرمنغهام.
إعادة النظر في فرضية الإستروجين التقليدية
يُعرف مرض بطانة الرحم المهاجرة بأنه حالة مرضية تنمو فيها خلايا شبيهة بتلك المبطنة للرحم في مناطق أخرى خارج الرحم وتتأثر هذه الخلايا بالتقلبات الهرمونية الشهرية، مما يتسبب في حدوث التهابات حادة وآلام مبرحة وتشكل أنسجة ندبية في الجسم.
ودأب الطب التقليدي على التعامل مع هذا المرض بوصفه اضطراباً ناتجاً بالكلية عن الهرمونات الأنثوية مثل الإستروجين والبروجسترون. ونتيجة لهذه النظرة الأحادية، واجهت الأبحاث المتعلقة بدور الأندروجينات، والتي تُعرف شائعاً بالهرمونات الذكرية رغم وجودها الطبيعي في أجساد الإناث، تهميشاً ومحدودية كبيرة.
ومن هذا المنطلق، غير الفريق الطبي في جامعة إدنبرة وجهة البحث لتركز على هذه الأندروجينات المهملة، وبالتحديد مجموعة فرعية تفرزها الغدد الكظرية تسمى الأندروجينات المؤكسجة بإحدى عشرة ذرة كربون. ومن خلال فحص وتحليل عينات دم تعود إلى مئة وتسع وخمسين امرأة ثبتت إصابتهن بالمرض، ومقارنتها بعينات من سبع وخمسين امرأة سليمة، رصد الباحثون بصمة هرمونية متميزة للغاية، حيث تبين أن المصابات ببطانة الرحم المهاجرة يحملن مستويات مرتفعة بشكل ملحوظ من أندروجين معين يُعرف باسم إحدى عشرة كيتوتستوستيرون.
دقة تشخيصية تتجاوز خمسة وتسعين بالمئة لـ فحص الدم المبتكر
تمكن الباحثون، عبر تتبع هذه العلامة الهرمونية الخاصة، من التمييز بدقة عالية بين المريضات والنساء السليمات، حيث نجح الاختبار في التعرف الصحيح على أكثر من خمسة وتسعين بالمئة من المصابات ببطانة الرحم المهاجرة ضمن المجموعة التي شملتها الدراسة.
وفي حال أكدت التجارب السريرية الواسعة القادمة هذه النتائج، فإن هذه التقنية التي تملك الجامعة براءة اختراعها ستحدث ثورة حقيقية في مسار التشخيص الحالي الذي يعاني من عيوب وثغرات كبرى تتجلى في الآتي:
آلية التشخيص المعتمدة حالياً: يتطلب حسم تشخيص المرض في الوقت الراهن خضوع المريضة لعملية جراحية تنظيرية تداخلية، وذلك لرصد بقع الأنسجة المهاجرة بالعين المجردة واستئصال خزعات منها لفحصها.
المعاناة من تأخر التشخيص لسنوات: يتسبب غياب الوسائل التشخيصية غير الجراحية في امتداد رحلة التشخيص في المملكة المتحدة إلى نحو تسع سنوات في المتوسط.
وخلال سنوات الانتظار الطويلة والمضنية هذه، تحرم المريضات من الحصول على العلاجات الموجهة والمناسبة، مما يمنح هذا المرض المؤلم والالتهابي فرصة للانتشار والتفاقم. ومن هنا، تبرز أهمية توفير تحليل دم موثوق يقدر على تقليص هذه المعاناة الزمنية من سنوات طويلة إلى بضعة أشهر فقط.
الاستثمار التجاري والآفاق العلاجية الواعدة
تتولى إدارة الاستثمار التجاري بجامعة إدنبرة، والمعروفة باسم إدنبرة للابتكارات، البحث بجدية عن شركاء ومستثمرين في القطاع الصناعي والطبي يسهمون في تطوير هذا الاختبار وتحويله إلى منتج تجاري متاح في المختبرات على نطاق واسع بناءً على البصمة الهرمونية المكتشفة.
ولن تقتصر فوائد هذا الاكتشاف على الجانب التشخيصي الفوري فحسب، بل إن فهم الدور المحوري والنشط للأندروجينات في مسار المرض سيفتح أبواباً جديدة ومبتكرة في مجال صناعة الأدوية. فبدلاً من التقيد بالعلاجات التقليدية التي تعتمد فقط على حظر هرمون الإستروجين، يمنح هذا الإنجاز لعلماء الأدوية مساراً حيوياً جديداً لابتكار علاجات موجهة وفعالة تنهي معاناة ملايين النساء اللواتي يواجهن هذا المرض حول العالم.
