القائمة الرئيسية

من الأسمدة إلى أسعار الغذاء: لماذا تُعد المرونة الركيزة الأساسية للأمن الغذائي؟

من الأسمدة إلى أسعار الغذاء: لماذا تُعد المرونة الركيزة الأساسية للأمن الغذائي؟
ملخص المقال

يستعرض المقال التوقعات بارتفاع الإنتاج الزراعي والسمكي عالميًا بنسبة 13% بحلول عام 2035، لكنه يؤكد أن زيادة الإنتاج وحدها لا تكفي لضمان الأمن الغذائي، إذ تظل المنظومة الغذائية عرضة لصدمات الطاقة، والتقلبات الاقتصادية، والنزاعات، والظواهر المناخية التي ترفع تكاليف الإنتاج وتؤثر في أسعار الغذاء ودخول المزارعين. كما يوضح أن مكاسب الإنتاجية تعتمد على توافر التمويل والتقنيات والبنية التحتية، وأن ثمار النمو لن تتوزع بالتساوي بين الأقاليم، مع استمرار فجوات الدخل في الدول النامية. ويخلص المقال إلى أن تحقيق أمن غذائي مستدام يتطلب بناء نظم غذائية أكثر مرونة عبر تعزيز التجارة المفتوحة، وتطوير سلاسل الإمداد والبنية التحتية، وتحسين الوصول إلى الموارد والبيانات، بما يضمن قدرة القطاع الزراعي على مواجهة الأزمات وتلبية الطلب العالمي المتزايد.

تُشير التوقعات المستقبلية إلى نمو الإنتاج الزراعي والسمكي بنسبة %13 بحلول عام 2035، ورغم هذه الطفرة المرتقبة، فإن صدمات قطاع الطاقة، وارتفاع تكاليف الإنتاج، والتقلبات الاقتصادية المستمرة، تظل مهددات حقيقية قادرة على تقويض منظومة الأمن الغذائي وهز استقرار الدخل الزراعي. إن أسعار السلع الأساسية كالخبز والأرز والحليب واللحوم لا تتحدد عند عرضها في المتاجر، بل تتشكل تفاصيلها قبل ذلك بكثير، وتحديداً من نقطة البداية التي تشمل تكاليف الطاقة، وأسعار الأسمدة، وأجور العمالة، ونفقات النقل والتخزين.

وفي سياق متصل، يُتوقع أن يتسع حجم الإنتاج الزراعي والسمكي على مستوى العالم بنسبة %13 بحلول عام 2035، ورغم أن هذا المؤشر يعكس زيادة واضحة في حجم المخرجات بفضل تحسن مستويات الإنتاجية، فإنه لا يضمن بالضرورة بناء منظومة أكثر مرونة، فالأنظمة الغذائية تقوم في جوهرها على سلاسل إمداد شديدة الترابط والتشابك تبدأ من الحقل وتنتهي بوجبة المستهلك، مما يجعل أي خلل أو صدمة في حلقة واحدة كفيلاً بالانتشار السريع ليربك النظام بأكمله.

زيادة إنتاج الغذاء مرهونة بالاستقرار الشامل لا بالكفاءة الإنتاجية وحدها

وفقاً لتقرير آفاق الزراعة الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة الأغذية والزراعة للفترة الممتدة بين عامي 2026 و2035، فإن مكاسب الإنتاجية ستكون المحرك الأساسي لمعظم قاطرة النمو خلال العقد المقبل في حال استقرار الأوضاع العامة. وتُشير المعطيات إلى أن المزارعين سينتجون كميات أكبر بالاعتماد على المساحات الأرضية والعمالة والموارد المتاحة حالياً، الأمر الذي يسهم في تلبية الطلب المتزايد دون الحاجة إلى التوسع في الرقعة الزراعية بالمعدل نفسه.

ومع ذلك، يظل نمو القطاع الزراعي رهناً بالاستقرار السياسي والاقتصادي تماماً كاعتماده على الكفاءة الإنتاجية، فالنزاعات المسلحة، وأزمات الطاقة، والظواهر المناخية المتطرفة، والهزات الاقتصادية، تملك القدرة على إحداث اضطرابات مفاجئة وعنيفة في تكاليف الإنتاج وحركة العرض والطلب. ومن جانب آخر، يرتبط نمو الإنتاجية ارتباطاً وثيقاً بمدى القدرة على الوصول إلى الموارد والاستفادة منها، فعندما يعجز المزارع عن تحمل التكاليف الباهظة للمدخلات الأساسية مثل الآلات الحديثة، أو التسهيلات التمويلية، أو التقنيات المتطورة، فإن عجلة الإنتاج ستتوقف عن التوسع حتى وإن سجل الطلب مستويات قياسية، وهذا يثبت أن تحقيق النمو الحقيقي يتطلب تلازم الكفاءة مع القدرة على توفير الموارد.

صدمات قطاع الطاقة ترتد مباشرة على الأمن الغذائي

تُمثل الطاقة عصب الحياة لكل مرحلة من مراحل الإنتاج الغذائي دون استثناء، فهي العنصر المحوري في صناعة الأسمدة، وتشغيل المعدات الزراعية، وتسيير خطوط النقل، وعمليات التصنيع والتحويل، وصولاً إلى منظومات التخزين. ونتيجة لهذا الترابط الوثيق، فإن الأزمات التي تصيب قطاع الطاقة سرعان ما تتحول إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي، حيث تؤدي قفزات أسعار الطاقة إلى اشتعال تكاليف الأسمدة، مما يجبر المزارعين على تقليص استخدامها، الأمر الذي ينعكس سلباً على إنتاجية الأرض ويدفع أسعار الغذاء نحو الارتفاع.

وإذا استمرت زيادة أسعار الطاقة بمعدلها المتوسط البالغ %33، وهو الرقم الذي سُجّل في النصف الأول من عام 2026، فإن إنتاج الحبوب العالمي، والذي يشكل القوت اليومي الأساسي للشعوب، مهدد بالانخفاض بنسبة %0.9 في عام 2027، وقد تفوق هذه النسبة لتصل إلى %1.7 في الدول ذات الدخل المنخفض. ولا تتوقف هذه الآثار السلبية عند أسوار المزارع، بل تمتد لتلقي بظلالها على المجتمع ككل، إذ يتسبب تراجع الإنتاج في غلاء أسعار الأطعمة، وتقليص معدلات الاستهلاك، الأمر الذي يضطر الأسر الأكثر احتياجاً وهشاشة إلى الاعتماد على بدائل غذائية رخيصة ومفتقرة للعناصر الغذائية الضرورية، ومن هنا تصبح تقلبات أسواق الطاقة سبباً مباشراً وفورياً لتفشي انعدام الأمن الغذائي.

ثمار نمو الإنتاج لن تقسم بالتساوي بين أقاليم العالم

توضح المؤشرات أن النمو المرتقب في الإنتاج الزراعي سينحصر في أقاليم جغرافية محددة دون غيرها، حيث يُتوقع أن تستأثر منطقة آسيا والمحيط الهادئ بنسبة %58 من إجمالي الإنتاج الزراعي الإضافي بحلول عام 2035، وتتحمل الهند بمفردها العبء الأكبر بتقديم %26 من تلك الزيادة.

وفي المقابل، يُنتظر أن تلعب منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى دوراً كبيراً في هذا المشهد، إذ ستكبر حصتها في نمو الإنتاج العالمي لتصل إلى %16، مقارنة بنسبة %11 فقط خلال العقد الماضي. ولكن، يجب التأكيد على أن زيادة حجم المخرجات الزراعية لا تعني بالضرورة تحسن الدخل المادي للمزارعين، فالعديد من المنتجين في المناطق النامية تواجههم عوائق وعقبات تحول دون حصولهم على الآلات الحديثة، ومرافق التخزين, وشبكات النقل، والتمويلات البنكية، والأسواق الحرة، وتؤدي هذه التحديات المجتمعة إلى كبح مكاسب الإنتاجية وتدني المداخيل، مما يعوق بدوره أي استثمارات مستقبلية في هذا القطاع.

دخل المزارعين يترنح تحت وطأة الأزمات المفاجئة

تُشير التقديرات إلى أن متوسط الدخل الزراعي الإجمالي العالمي لكل عامل سيرتفع بنسبة %9 بحلول عام 2035، ليصل إلى نحو 3800 دولار أمريكي، إلا أن هذا الرقم المتوسط يخفي وراءه فجوات شاسعة وتفاوتات حادة بين الدول. ففي المناطق الفقيرة من إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا، لا يتجاوز العائد السنوي للعاملين في القطاع الزراعي حالياً حاجز 930 دولاراً أمريكياً، وتشير التوقعات إلى أن هذا الدخل لن يشهد سوى تحسن طفيف وتدريجي ليصل إلى قرابة 1100 دولار أمريكي بحلول عام 2035.

وتأتي الهزات والأزمات المفاجئة لترفع منسوب الغموض وتزيد من قتامة المشهد، ففي حال استمرار موجات التقلب الاقتصادية التي شهدناها مؤخراً، فإن هناك احتمالاً بنسبة %25، أي فرصة من بين كل 4 فرص، بأن تتراجع المداخيل الزراعية في عام 2035 لتصبح أقل بكثير مما هي عليه في الوقت الراهن.

حركة التجارة وكفاءة البنية التحتية: صماما أمان المرونة الغذائية

لا يتأسس الأمن الغذائي على قدرات التصنيع والإنتاج فحسب، بل يرتكز بالقدر نفسه على كفاءة آليات التوزيع، وتتيح حركة التجارة الزراعية المتسمة بالانفتاح والشفافية إمكانية نقل السلع الغذائية بسلاسة من المناطق التي تتمتع بفائض في الإنتاج إلى تلك التي تعاني من عجز شديد، مما يسهم في تخفيف حدة الأزمات وتطويق آثار النقص المحلي في المعروض.

بيد أن نجاح العملية التجارية يظل مشروطاً بوجود سلاسل إمداد قوية وفعالة، وتلعب البنية التحتية، المتمثلة في شبكات الطرق والموانئ ومستودعات التخزين وسلاسل التبريد والأنظمة الرقمية الحديثة، الدور الفيصل في تحديد مدى سرعة وكفاءة وصول الغذاء إلى الأسواق الاستهلاكية. إن الاستثمار في تشييد بنية تحتية متطورة من شأنه أن يحد من نسب الهدر والتلف، ويخفض التكاليف التشغيلية، ويعزز فرص الوصول والاستفادة للمزارعين والمستهلكين على حد سواء، مما يجعلها الدعامة الأساسية لبناء منظومة غذائية مرنة ومستدامة.

المرونة وليست معدلات النمو هي المعيار الحقيقي لمستقبل الأمن الغذائي

يحمل العقد القادم في طياته ملامح إيجابية تتمثل في إمكانية تحقيق طفرة إنتاجية، ورفع مستويات الدخل، وابتكار نظم غذائية أكثر فاعلية وكفاءة، وتشير التقديرات إلى أن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناجمة عن الأنشطة الزراعية ستشهد زيادة بنسبة %6.5، وهي نسبة تظل منخفضة وراء وتيرة نمو الإنتاج العام.

ومع ذلك، تظل كل هذه المكاسب المأمولة معلقة بشرط جوهري وهو امتلاك صفة المرونة، إذ يتعين على المنظومات الغذائية أن تطور قدرتها الذاتية على امتصاص الصدمات واحتوائها قبل أن تتفاقم وتتحول إلى أزمات إنسانية واقتصادية طاحنة. ومن هذا المنطلق، يصبح لزاماً على الحكومات وصناع القرار توجيه الدعم لتعزيز الإنتاجية، وتسهيل سبل الحصول على المواد الأولية والتمويلات اللازمة، وتحديث البنية التحتية، وضمان استمرار تجارة عالمية مفتوحة وقائمة على أسس واضحة، علاوة على ذلك، تبرز الأهمية القصوى لتوفير بيانات دقيقة ومحدثة حول تكاليف مدخلات الإنتاج، وحجم المخزونات الاستراتيجية، وحركة الأسعار، والمخاطر المحيطة بسلاسل الإمداد. وفي ختام القول، مع التزايد المستمر في أعداد سكان العالم وتنوع أنماطهم الغذائية، تصبح زيادة إنتاج الغذاء ضرورة حتمية لا غنى عنها، وإن التركيز على بناء وتطوير نظم غذائية تتسم بالمرونة العالية هو السبيل الوحيد الذي سيمكن هذا القطاع الحيوي من تلبية الطلب المتنامي وضمان توزيع ثمار هذا النمو بشكل عادل وشامل على الجميع.

المصدر

مقالات ذات صلة