إن الاحتراق الوظيفي ليس مجرد عَرَض عابر، بل هو تجربة إنسانية ومهنية قاسية قد يمر بها أي منا على الصعيد الشخصي، أو يلحظ آثارها تتسلل إلى أفراد فريقه في العمل. ولكي نتمكن من مجابهة هذا التحدي، يجدر بنا أولاً سبر أغواره وتحديد ماهيته، فالاحتراق الوظيفي يُعرف في البيئات المؤسسية بأنه ظاهرة مهنية تنشأ عن ضغوط العمل المستمرة، حيث يعيش الموظف حالة تتداخل فيها الأعراض البدنية والنفسية، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار الرضا الوظيفي وتراجع مستويات الإنتاجية. ورغم وجود قاسم مشترك لفهم هذه الظاهرة، إلا أنه لا يمكن صياغة قالب موحد أو تشخيص جامد ينطبق على كافة الحالات والبيئات.
وتبدأ هذه الحالة في غالب الأمر بشعور طاغٍ بالإعياء والإنهاك المستمر، حيث يجد الموظف نفسه مستنزف الطاقة، خائر القوى، وعاجزاً عن استجماع نشاطه مجدداً مهما نال من قسط للراحة. ومع تفاقم الأمر، تتبدل الحماسة ويحل محلها نوع من اللامبالاة أو النظرة السلبية القاتمة تجاه العمل، ويظهر الموظف في صورة شخص فاقد للشغف ومنفصل وجدانياً عن مهامه اليومية. وتتوج هذه المراحل بتراجع ملحوظ في معدلات الأداء الفعلي، يرافقه شعور بالإحباط والدونية تجاه الإنتاجية الشخصية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل قد تمتد المظاهر لتشمل تشتت الانتباه، وضَعف الذاكرة، والميل نحو الاكتئاب، وسرعة الانفعال عند أدنى سبب. وعندما تبلغ الضغوط ذروتها، تبدأ الأوجاع البدنية في التعبير عن نفسها من خلال أعراض واضحة كالصداع المزمن، واضطرابات الجهاز الهضمي، وتسارع دقات القلب.
ومن هنا، فإن التعامل مع هذه الحالات يتطلب من المشرف حنكة ومرونة، إذ لا بد من تطويع أسلوب التوجيه ليناسب خصوصية كل فرد وحجم المعاناة التي يمر بها. وسنتناول في هذا السياق بعض القنوات الداعمة والحلول الاستراتيجية التي قد تكون متوفرة بالفعل في جعبة مؤسستكم دون أن تنتبهوا لوجودها، بالإضافة إلى أدوار الشبكات المهنية المتخصصة.
وتأتي إدارة الموارد البشرية كإحدى أهم القنوات التي قد تغيب عن بال الكثيرين عند تشخيص بوادر الاحتراق الوظيفي لدى مرؤوسيهم، على الرغم من أن هذه الإدارة تمثل حصناً مجهزاً بالخبرات والأدوات الكفيلة باحتواء الأزمة، مما يجعل الاستعانة بها وتفعيل دورها أمراً بالغ الأهمية.
وفيما يلي استعراض لأبرز المسارات والآليات التي يمكن للموارد البشرية من خلالها تيسير سبل الحوار وبناء جسور الثقة مع الموظف المتضرر، وهي على سبيل المثال لا الحصر:
عقد البرامج التدريبية والتوعوية للقادة والموظفين لتعريفهم بالسبل المتاحة لمواجهة هذه الظاهرة.
ترسيخ ثقافة الحدود الصحية التي تضمن الفصل التام بين متطلبات العمل والخصوصية الأسرية.
التركيز على توفير بيئة محفزة تتيح فرص التطور والنمو المهني وتضمن التقدير العادل للمجتهدين.
الإشراف على منظومة تقييم الأداء وتوجيهها لتسليط الضوء على مكامن القوة والإنجازات التي حققها الموظف خلال فترة التقييم.
إرشاد الموظفين والمسؤولين نحو برامج دعم واستشارات الموظفين المعتمدة لدى المؤسسة.
تقديم نماذج التقييم الذاتي التي تمكن الموظف من الوقوف على درجة وحجم الاحتراق الذي يعاني منه.
وتسهم هذه الأدوات الاستراتيجية في فتح أبواب الحوار الهادئ مع الكوادر التي تكابد ضغوطاً متزايدة، كما تساعد في إعادة دمج وتأهيل الذين شهدت مستويات أدائهم تراجعاً واضحاً. ومن الأوعية المؤسسية التي كثيراً ما تسقط من حسابات الإدارة برامج دعم واستشارات الموظفين، فبينما ينحصر الفهم السائد لهذه البرامج في تقديم الجلسات النفسية، فإن الواقع يشير إلى أنها تزخر بموارد متنوعة تسهم في معالجة المسببات الأصلية للاحتراق. فالرعاية المؤسسية لا تقتصر على الجانب النفسي الصرف، بل قد تمتد لتشمل تقديم الاستشارات القانونية والمالية التي ترفع عن كاهل الموظف عبء الهموم الشخصية التي تنعكس سلباً على صفاء ذهنه وعطائه الوظيفي، وبمجرد إزاحة هذه الصعاب، يستعيد الموظف توازنه ويكون أكثر قدرة على العودة لميدان العمل بكامل تركيزه وإنتاجيته وبمعزل عن التوترات المزمنة.
وإذا ما بدأت مناخات الحوار في التشكل، يبرز السؤال الأهم وهو كيف يمكن للقادة والمديرين اتخاذ مواقف فاعلة لمواجهة هذا التحدي، وفيما يلي بعض الخطوات العملية للمبادرة في هذا الاتجاه:
تخصيص أوقات دورية للاجتماعات الفردية المغلقة مع الموظفين، وجعل استبيان أحوالهم والسؤال عن أعباء العمل الزائدة والاحتراق الوظيفي محوراً أساسياً وثابتاً في هذه اللقاءات.
إتقان مهارة الإنصات الفعال، والمقصود بذلك هو الحضور الذهني والوجداني الكامل خلال الحديث، مع إعطاء العناية القصوى للإشارات غير اللفظية ولغة الجسد. وتقتضي الممارسة العملية للإنصات الفعال تجنب كل ما من شأنه تشتيت الانتباه مثل إغلاق الهاتف المحمول والابتعاد عنه، فكثيراً ما نجد أنفسنا وسط نقاشات تضيع قيمتها بسبب المقاطعات العابرة، لذا ينبغي للمسؤول أن يكون حريصاً على خلق بيئة يسودها الاحترام والتركيز الكامل. ولا تقل التعبيرات غير اللفظية أهمية عن الكلمات المنطوقة، فهي المرآة التي تعكس نبرة الحديث الحقيقية ومدى تقبل الطرف الآخر للمعلومات، ومن خلال هذا الإنصات الواعي، يمكن للمدير تعديل مسار الحوار بمرونة تضمن الوصول إلى نتائج مثمرة وهادفة.
إعادة ضبط النطاق الوظيفي وتوجيه الجهود نحو المهام ذات الأثر الحقيقي، فقد شهدت بعض الوظائف تداخلاً عشوائياً وتوسعاً غير مدروس في المهام والمسميات إبان فترة الجائحة العالمية، ومن ثم يصبح من الضروري إعادة الاتفاق على حقيقة المسؤوليات الراهنة، وتشجيع الموظفين على الاعتذار عن حضور الاجتماعات هامشية الأثر أو إسنادها للآخرين، بهدف حصر طاقاتهم في المشروعات الحيوية ذات الأولوية.
توضيح الرؤية الكلية والاحتفاء بالنجاحات، وذلك عبر ربط الجهد اليومي للموظف بالأهداف الاستراتيجية الكبرى للشركة، مع إظهار التقدير الصادق لعطائهم وتفانيهم، فالشعور بالقيمة والجدوى يرفع من منسوب الانتماء والمواطنة التنظيمية ويساعد في ترتيب الأولويات بشكل سليم.
القيادة بالقدوة الحية، من خلال تجسيد مفاهيم التوازن بين العمل والحياة الشخصية، كأن يمتنع القائد عن قبول التكليفات العشوائية الزائدة، ويحرص على نيل إجازاته الدورية، ويلتزم بإرسال التوجيهات والرسائل لمرؤوسيه في غضون الساعات الرسمية المعتمدة للدوام.
إن انتهاج الفكر الاستباقي يمثل حجر الزاوية في احتواء مشكلات الاحتراق قبل أن تتضخم وتتحول إلى أزمة مستعصية تلحق الضرر بالموظف وبكيان المنظمة على حد سواء، فالواقع يثبت أنه في الوقت الذي تتدخل فيه فرق علاقات الموظفين، تكون المعضلة قد بلغت سُبلاً من التعقيد يستلزم معها تدخلاً عاجلاً واستثنائياً من القيادة العليا. وإن التغاضي عن علاج الأمور في مهدها يضع الموظف والمسؤول والمؤسسة بأكملها في مواجهة مخاطر جمة.
وتوافقاً مع هذا التحول الإداري نحو الرعاية الاستباقية، اتجهت الكثير من المنظمات الحديثة إلى دمج مبادئ الرفاهية وجودة الحياة ضمن خططها الاستراتيجية، وتجلى ذلك في استحداث منصب رفيع يُعرف بالمسؤول التنفيذي الأول لشؤون الرفاهية وجامع شمل العافية المؤسسية. وتعرف مؤسسة السعادة العالمية شاغلي هذا المنصب بأنهم القادة المنوط بهم تصميم والإشراف على المبادرات التي ترسخ التوازن بين متطلبات الوظيفة والحياة الشخصية، وبناء ثقافة الرفاهية العامة، حيث نلحظ تنامياً كبيراً في أعداد المؤسسات التي تسعى جاهدة لخفض مسببات الاحتراق النفسي والاحتراق الوظيفي، وتحسين معدلات استبقاء الكفاءات، والارتقاء بمستويات السعادة والرضا الوظيفي بين العاملين.
ويؤدي مسؤولو شؤون الرفاهية دوراً جوهرياً في نشر وتأصيل هذه المفاهيم وقيادة قاطرة التغيير المؤسسي لتبني هذا الفكر، بيد أن نجاح هذا التحول يظل رهناً بوجود التزام جماعي وشامل من كافة مفاصل المؤسسة، فبصرف النظر عن موقعك في الهيكل الإداري، يمكنك دائماً أن تكون محركاً للتغيير الإيجابي ومساهماً في نشر الوعي بضرورة اهتمام الزملاء والمرؤوسين بصحتهم وعافيتهم. وعبر هذه الممارسات العملية والدعم المستمر من الموارد البشرية، ستصبحون أكثر قدرة على رصد وتحديد ملامح وأعراض الاحتراق الوظيفي مبكراً.
وكثيراً ما تظل قضايا الاحتراق والتوتر المهني حبيسة الصمت ولا تجد طريقاً للعلاج، نظراً للمخاوف والهواجس التي تساور الموظفين من أن يُفسر إفصاحهم عن معاناتهم بأنه نوع من الضعف أو قلة الحيلة. ولكن متى ما توفرت الكفاءات القيادية الواعية والبيئة الحاضنة، غدت المؤسسة قادرة على تبديد هذه المخاوف والارتقاء ببيئة العمل لتصبح واحة من الدعم والمساندة المشتركة، فكن أنت ذلك الصوت الملهم الذي يقود التغيير ويواجه الاحتراق الوظيفي بكل عزم وجرأة في الميدان.
