القائمة الرئيسية

توظيف الأطر الأربعة في التواصل الذكي مع القيادات الإدارية

توظيف الأطر الأربعة في التواصل الذكي مع القيادات الإدارية
ملخص المقال

يتناول المقال أهمية مهارة ""الإدارة الصاعدة"" في مؤسسات التعليم العالي، موضحًا أن النجاح في التأثير على صناع القرار لا يعتمد على قوة الأفكار وحدها، بل على القدرة على عرضها بما يتوافق مع طريقة تفكير القادة وأولوياتهم. ويستعرض نموذج ""الأطر الأربعة"" الذي يفسر أساليب اتخاذ القرار من خلال أربعة مناظير هي: الرمزي، والهيكلي، والموارد البشرية، والسياسي، مبينًا كيف يمكن تكييف الرسائل والمقترحات لتناسب كل منظور. كما يؤكد أن التواصل الفعال يتطلب فهم احتياجات المتلقي، والمرونة في أسلوب العرض، وبناء أرضية مشتركة تعزز الثقة واتخاذ القرارات الرشيدة. ويخلص المقال إلى أن التأثير المؤسسي لا يتحقق بفصاحة الخطاب وحدها، بل بقدرة المهنيين على مواءمة رسائلهم مع السياق التنظيمي وعقلية متخذي القرار.

إن السعي لإثبات الذات وبناء المكانة المهنية داخل أروقة مؤسسات التعليم العالي لا يقتصر على المقابلات الوظيفية أو جلسات التقييم الرسمية لترقية أعضاء هيئة التدريس، بل إن المسيرة المهنية في مجملها تصاغ ملامحها عبر الحوار اليومي المستمر مع الرؤساء، والمناقشات التي تطرح فيها الرؤى والمقترحات، وتتضح من خلالها الأولويات، وترسم فيها حدود الأدوار والمسؤوليات. ولكي يكتب النجاح للمهنيين في هذا القطاع، فلا بد لهم من امتلاك القدرة على التأثير في صناع القرار الذين يملكون الصلاحية لتحديد المشروعات والخطط التي ستمضي قدماً، وآليات الدعم والمؤازرة المخصصة لها.

وكثيراً ما يقع المرء في فخ الافتراض بأن الأفكار السديدة والمنطق الرصين كفيلان بالقبول والفهم التلقائي من الآخرين، غير أن الواقع يثبت أن محاولات التواصل كثيراً ما تصطدم بجدار من الغموض، أو التردد، أو التجاهل التام. ولا تعود المشكلة في معظم الأحيان إلى ضعف الفكرة المطروحة أو قلة كفاءة صاحبها، بل تنبع أساساً من فجوة واضحة بين الطريقة التي صيغت بها الرسالة والزاوية التي استقبلها منها الطرف الآخر.

وفي بيئة التعليم العالي، ينظر القادة إلى المعلومات ويفسرونها بطرق تتباين تباين أولوياتهم ومناهجهم في الإدارة، مما يؤدي إلى أن الرسالة الواحدة قد تسفر عن ردود أفعال متباينة تماماً بتغير الشخص الذي يتلقاها. ومن هنا، فإن التواصل الإداري الناجح يتطلب ما هو أبعد من مجرد ترتيب الأفكار ووضوحها، إذ يستلزم وعياً عميقاً بكيفية استماع القادة للمعلومات، وطريقتهم في تقييمها، والمنطلقات التي تحركهم لاتخاذ القرارات.

فن الإدارة الصاعدة

يُطلق على الممارسة المتمثلة في بناء تواصل فعال وذي مغزى مع المشرف المباشر مصطلح ""الإدارة الصاعدة""، وهو المفهوم الذي تلح عليه إيما جونز بوصفه مهارة جوهرية لا غنى عنها، سواء للراغبين في التميز والنجاح في مهامهم الفردية الحالية، أو للمتطلعين للارتقاء إلى مناصب قيادية أعلى.

وتشرح جونز، بصفتها نائباً تنفيذياً للرئيس لشؤون القيادة في وكالة ""كارنيجي"" المتخصصة في التسويق والتسجيل بقطاع التعليم العالي، هذا الأمر بقولها إننا في واقع الأمر ننخرط في عملية مستمرة لتبرير أعمالنا وبناء الحجج الداعمة لها طوال الوقت. ونحن نسرد للأخرين قصة متكاملة عن طبيعة عملنا وعن الغايات التي نصبو إلى إدراكها، وتزداد فرص توفيقنا في هذه المهمة كلما نجحنا في تطويع أسلوبنا في عرض المعلومات ليتوافق مع الطريقة الفضلى التي يفضلها الطرف الآخر في الاستماع والاستيعاب.

وتؤكد جونز أن هذه القاعدة الذهبية تصدق في مناحي العمل كافة، غير أن أهميتها تتضاعف في سياق التعامل مع المشرف المباشر، فالقدرة على صياغة الرواية المهنية بأسلوب يلامس تطلعات المشرف ويحدث صدى إيجابياً في نفسه تعد ميزة استراتيجية بالغة الأثر.

طبيعة التحديات في بيئة التعليم العالي

تمتلك جونز خبرة عريضة في العمل مع المجالس الرئاسية، ومجالس الأمناء، واللجان القيادية في قطاع التعليم العالي منذ عام ألفين وخمسة عشر، حيث تركز جهودها على الجانب الإنساني في القيادة، وتقديم الاستشارات الاستراتيجية حول كيفية التعامل مع التحولات الكبرى وإدارة الطاقات البشرية وتوجيهها.

وقد رصدت جونز التعقيدات البنيوية التي تتسم بها مؤسسات التعليم العالي، مبيّنة أن ممارسة الإدارة الصاعدة تصبح أكثر صعوبة وعمقاً في بيئات العمل القائمة على الأنظمة والقطاعات ذات الارتباط المفكك، والمقصود بذلك تلك الإدارات والوحدات الوظيفية المتعددة داخل الجامعات التي يعمل فيها الموظفون باستقلالية ذاتية واسعة، ويتخذون قراراتهم في إطار من الحوكمة المشتركة والمسؤولية الجماعية.

وتصف جونز هذا المشهد الإداري بقولها إنك تجد أمامك مجموعات متنوعة من البشر يتفاعلون معاً بطريقة أو بأخرى، وعلى الرغم من أن الغاية الكبرى والهدف النهائي يظلان واحداً ومستقراً لدى الجميع، إلا أنه لا يوجد مسار خطي واضح وممهد يربط مباشرة بين نقطة البداية ونقطة النهاية.

ونتيجة لهذه الطبيعة الخاصة، لا يقتصر الواجب المهني في الجامعات على الإدارة الصاعدة نحو الأعلى فحسب، بل يمتد ليشمل الإدارة الأفقية والجانبية كذلك، فالمقترح الواحد قد يتطلب نيل موافقة المدير المباشر، والحصول على دعم عميد الكلية، والتأكد من مواءمته للأولويات الاستراتيجية للمؤسسة، فضلاً عن كسب تأييد أعضاء هيئة التدريس وأصحاب المصلحة.

وتتساءل جونز في هذا الصدد عما إذا كان الموظف يعمل على إقناع مديره المباشر وإدارة العلاقة معه فحسب، أم أنه يحاول إنجاز مشروع ضخم يستلزم حشد التأييد ونيل القبول من مستويات قيادية متعددة ومتشابكة داخل البنية المؤسسية، مشيرة إلى أن مستويات التعقد تتضاعف وتتشابك كلما تشعبت المسارات وتعددت الجهات.

توظيف استراتيجية الأطر الأربعة

لمواجهة هذه التحديات وفهم طبيعة هذه البيئة المعقدة والتعامل معها بحنكة، توصي جونز بالاعتماد على نموذج الأطر الأربعة، وهو النموذج الذي ابتكره في ثمانينيات القرن العشرين عالما التنظيم والإدارة لي بولمان وتيرنس ديل، ويمثل أداة تفسيرية لفهم كيفية رؤية القادة للمؤسسات والآلية التي يستندون إليها في اتخاذ قراراتهم. ويقوم هذا النموذج على فرضية مفادها أن الأفراد يميلون إلى قراءة معضلات العمل وتحليلها عبر عدسة أو أكثر من أربع عدسات أساسية، وهي الإطار الرمزي، والإطار الهيكلي، وإطار الموارد البشرية، والإطار السياسي.

وتنوه جونز إلى أن المديرين لا يستحضرون هذه الأطر الأربعة معاً في وقت واحد، ولا ينحصر تفكيرهم في إطار واحد ثابت في سائر الظروف والمواقف، ومع ذلك فإن استيعاب هذه الأطر يفيد في معرفة المنطلقات والمحفزات الأولى التي توجه تفكيرك وتحدد مسار تفكير مديرك المباشر عند بدء أي حوار.

أولاً، الإطار الرمزي

يتمحور الإطار الرمزي حول الرؤية المستقبلية، والمعاني الجوهرية، والثقافة التنظيمية، والرسالة السامية للمؤسسة.

ويمكنك استثمار هذا الإطار عبر ربط المقترحات والأفكار بالقيم العليا للمؤسسة التعليمية، وبقصص نجاح الطلاب، وبالغايات الكبرى للجامعة. وعندما يكون التواصل موجهاً نحو قادة يفضلون هذا المنظور الرمزي، فإن القصص الإنسانية والمعاني المشتركة تكتسب لديهم وزناً يضاهي وزن الأرقام والإحصاءات، ومن ثم فإن دعم المقترح بقصة ملهمة لنجاح طالب أو تبيان كيفية إسهام هذه المبادرة في ترجمة رسالة الجامعة إلى واقع ملموس كفيل بتعزيز فرص نيل الدعم والتأييد.

ثانياً، الإطار الهيكلي

يركز الإطار الهيكلي على كفاءة الأنظمة، والخطط المدروسة، والتنظيم المحكم، والمخرجات القابلة للقياس الفعلي.

ويمكنك توظيف هذا المنظور من خلال صياغة الأفكار وعرضها مقترنة بأهداف محددة بدقة، وجداول زمنية واضحة، وبيانات إحصائية، وخطط تنفيذية مفصلة. فالقادة الذين ينتهجون التفكير الهيكلي يبحثون دوماً عن أدلة مادية وبراهين تثبت أن المقترح المطروح كفيل بحل المشكلة القائمة أو رفع كفاءة الأداء. وفي هذا السياق، تصبح مؤشرات الإقبال والتسجيل، ونسب استبقاء الطلاب، ومعايير التقييم الجغرافي، والعمليات المحددة بدقة هي المفاتيح الأكثر إقناعاً وجدوى في لغة الحوار.

ثالثاً، إطار الموارد البشرية

يضع إطار الموارد البشرية العنصر البشري، والعلاقات الإنسانية، والرفاه النفسي والوظيفي للمنظومة في صدارة أولوياته.

ويمكنك الاستفادة من هذا الإطار عبر دراسة آثار القرارات على أعضاء هيئة التدريس والموظفين والطلاب على حد سواء، مع التركيز على قيم التعاون والتكامل وتقديم الدعم والمساندة. وغالباً ما يستحوذ رضا العاملين، وحجم الأعباء الوظيفية، وفرص التطور المهني على اهتمام القادة الذين يرتدون هذه العدسة. وبناءً عليه، فإن صياغة المقترحات لتتمحور حول جودة حياة الطالب، أو مراعاة الطاقات الاستيعابية للموظفين، أو الأثر الإيجابي على روح الفريق، تسهم بقوة في بناء جسور الثقة ونيل التأييد الجارف.

رابعاً، الإطار السياسي

ينطلق الإطار السياسي من واقع عملي يقر بأن المؤسسات تدار في ظل أولويات متنافسة، وموارد مالية وبشرية محدودة، ومصالح متباينة للأطراف المعنية والمؤثرة.

ويمكنك تفعيل هذا الإطار من خلال الفهم الدقيق لخريطة الأشخاص المتأثرين بالقرار، ومعرفة مراكز القوى والنفوذ الحقيقية، وإدراك كيفية بناء التحالفات والتوافقات. فالقادة الذين يتحركون من هذا المنطلق يتوقعون منك وعياً كاملاً بالحقائق والموازنات المؤسسية والمطالب المتعارضة على أرض الواقع. وبالتالي، فإن إظهار وجود تأييد واسع للمقترح من مختلف قطاعات الحرم الجامعي، وتحديد الشركاء الاستراتيجيين، والاعتراف الصريح بالمصالح المتنافسة، كلها عوامل تسهم في الارتقاء بمستوى التواصل وتضمن حظوظاً أوفر للنجاح والتطبيق.

نقطة الالتقاء في المنتصف

لا ينبغي التعامل مع هذه الأطر بوصفها قوالب جامدة أو خيارات حدية إما أن تؤخذ كاملة أو تترك برمتها، وحتى في حال تبني شخصين لأطر تفكير مختلفة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة انسداد أفق الحوار وانقطاع حبال التواصل. وهنا تنصح جونز بانتهاج أسلوب يتسم بالمرونة والمقاربة، إذ يظل بمقدورك البدء بطرح فكرتك مستنداً إلى الإطار الرمزي عند مخاطبة مدير يتبنى الإطار الهيكلي، شريطة أن تدعم الرواية الرمزية بحقائق رقمية وبيانات ملموسة، بحيث تلتقي معه في لغة مشتركة يفهمها كلا الطرفين.

وتضيف جونز قائلة إنه عند التعامل مع قادة يتبنون أطر تفكير مغايرة تماماً للإطار الذي ننظر من خلاله إلى أعمالنا، يتعين عليّ التفكير بجدية عما إذا كان أسلوب سرد القصص الذي يحمل قيمة ومعنى بالنسبة لي يمتلك القيمة ذاتها في عيونهم، وإذا تبين لي خلاف ذلك، فكيف يمكنني تكييف أسلوبي وتعديله. إن الأمر يتطلب نوعاً من الالتقاء في منتصف الطريق، وهو سلوك نمارسه تلقائياً في تفاصيل حياتنا الشخصية، حيث نغير ونبدل في طرائق تواصلنا مع شريك الحياة أو مع الأصدقاء بناءً على معرفتنا العميقة بطبائعهم، فنحن نتعامل بأساليب متنوعة بتنوع الشخصيات من حولنا، ولا يختلف الأمر بتاتاً في بيئة العمل عندما نسعى لممارسة الإدارة الصاعدة بذكاء.

متطلبات القادة ومعادلة التواصل الناجح

إن جوهر التواصل الفعال يكمن في استحضار احتياجات الطرف المتلقي ووضعها في الحسبان، وتلك هي القاعدة المحركة لعملية الإدارة الصاعدة. وبالنظر إلى نموذج الأطر الأربعة، يمكن تلمس احتياج القائد عبر الإجابة عن الأسئلة التالية لمعرفة ما يفضله:

  • هل يميل إلى معرفة السياق والخلفيات الشاملة أم يفضل الاختصار والإيجاز الشديد؟

  • هل يوجه تركيزه نحو المخرجات والنتائج أم يمنح الأولوية للأفراد والعلاقات الإنسانية؟

  • هل يبحث عن الأرقام والبيانات الدقيقة أم تستهويه القصة المؤثرة ذات السرد الجذاب؟

  • هل ينشد وضوح البناء والهيكل الإداري أم يبحث عن وضوح الخطوات والممارسات العملية؟

وقد لا ينحصر رئيسك في العمل في أحد النقيضين بشكل مطلق، بل قد يقع في منطقة ما على خط مستمر يجمع بين الخيارين بنسب متفاوتة، ومع ذلك فإن هذه التساؤلات تقدم دليلاً عملياً ومختصراً مستلهماً من روح الأطر الأربعة.

كما يمكنك استقاء المؤشرات والاهتداء بالدلالات التي تصدر عن المشرف نفسه، فإذا قال لك على سبيل المثال وافني بالملفات والوثائق قبل موعد الاجتماع بيوم واحد واعرض عليّ الخلاصة السريعة، فإن هذه العبارة تمنحك رؤية بالغة الأهمية حول الكيفية التي يفضل بها استقبال المعلومات وتحليلها. فضلاً عن ذلك، يظل الباب مفتوحاً دائماً للسؤال المباشر والمثمر كأن تقول كيف يمكنني صياغة المعلومات وعرضها عليك بالطريقة الأكثر نفعاً وفائدة لسيادتكم.

ولا يمت بأي صلة لسياسات إرضاء الآخرين على حساب المبادئ أو أساليب التلاعب والمداهنة، بل هو سعي مخلص لترسيخ أرضية مشتركة وتوقعات متبادلة لتواصل مؤسسي ناجح. فعندما يصل القادة وأعضاء الفريق إلى فهم مشترك وفهم للأسلوب الأمثل لتبادل المعلومات، فإن ذلك يشكل ركيزة متينة لاتخاذ قرارات سديدة، ويسهم في خلق بيئة عمل أكثر انسيابية وكفاءة وإنتاجية.

خلاصة القول

إن عجلة القيادة والتطوير في قطاع التعليم العالي تدار بالاعتماد على الأفكار الخصبة والكفاءات البشرية المخلصة، ولكن كثيراً ما تتعرض تلك الأفكار للضياع والتبدد في مرحلة الانتقال والترجمة بين أساليب القيادة المتنوعة والعدسات التنظيمية المختلفة. ويتمثل التحدي الحقيقي الذي يواجه المهنيين في هذا الحقل في ضمان وصول رسائلهم بأسلوب يتناغم تماماً مع الطريقة التي يفكر بها صناع القرار ويديرون بها شؤون مؤسساتهم.

ومن هذه النقطة بالتحديد، تكتسب الأطر الأربعة قيمتها الحقيقية لتتجاوز مساحة النظريات الأكاديمية الصرفة وتتحول إلى أداة تطبيقية تذكرنا دائماً بأن التأثير داخل مؤسسات التعليم العالي لا يعتمد على أسلوب نمطي واحد يصلح لجميع المواقف والشخصيات. ويتعين على الموظف الناجح والمهني الفطن أن يمتلك القدرة على قراءة معطيات الموقف بدقة، وتعديل إطار العرض الخاص به، وبناء الحجج والبراهين بطريقة تلائم عقلية المتلقي، ففي نهاية المطاف، لا يقاس التقدم بمدى فصاحة ووضوح الكلمات الصادرة عنك، بل بمدى قدرة تلك الكلمات على تحريك الآخرين ودفعهم نحو الفعل والإنجاز.

المصدر

مقالات ذات صلة