القائمة الرئيسية

ذكالي محدود بمراهنات كبرى: كيف تُبنى الشركات الناشئة الأكثر تأثيراً في قلب الأسواق الناشئة؟

ذكالي محدود بمراهنات كبرى: كيف تُبنى الشركات الناشئة الأكثر تأثيراً في قلب الأسواق الناشئة؟
ملخص المقال

يتناول المقال أهمية تطوير حلول الذكالي محليًا لتلبية احتياجات الدول النامية، مؤكدًا أن الفجوة في الاستفادة من هذه التقنيات لا تعود إلى ضعف البنية الرقمية فحسب، بل إلى غياب حلول مصممة للواقع المحلي وبيئات داعمة للابتكار. ويستعرض نماذج ناجحة من نيجيريا وغانا وكينيا والهند، حيث أسهمت تطبيقات ذكالية متخصصة في تحسين الرعاية الصحية والتعليم والخدمات المالية، رغم محدودية الموارد. كما يبرز أن نجاح هذه المبادرات يتطلب منظومة متكاملة تشمل التمويل، والبنية التحتية للبيانات، والتشريعات المرنة، وحاضنات الأعمال، إلى جانب ترسيخ الثقة من خلال ضمان أمن البيانات والمساءلة. ويخلص المقال إلى أن الذكالي يمكن أن يصبح محركًا للتنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل إذا استثمرت الدول في بناء قدراتها المحلية وتوجيه التقنية نحو حل مشكلاتها الفعلية، بدلًا من الاكتفاء باستيراد حلول جاهزة.

حين تطأ قدمك أحد المستشفيات في نيجيريا، ستصطدم بواقع مرير: طبيب واحد يتولى رعاية تسعة آلاف مريض، وهو ما يتجاوز المعدل الذي توصي به منظمة الصحة العالمية بخمسة عشر ضعفاً. في ظل هذا الضغط الخانق، تحسب الحركات بالدقائق؛ فكل دقيقة يهدرها الطبيب في ملء الأوراق والمعاملات الإدارية الروتينية، هي دقيقة غالية تُسلب من مريض أنهكه الانتظار لساعات طوال قبل أن يحظى بفرصة الفحص.

أمام هذا المشهد المأزوم، قررت شركة ناشئة نيجيرية ألا تقف مكتوفة الأيدي، فابتكرت نظاماً صوتياً ذكياً يقوم بإنصات الطبيب وتدوين الملاحظات السريرية وتنظيمها تلقائياً في الوقت الفعلي، ودون الحاجة حتى للاتصال بالإنترنت، إذ يعمل النظام بالكامل عبر حاسوب صغير مدمج داخل أجنحة المستشفى. وكانت النتيجة مبهرة؛ استعاد الأطباء وقتهم المهدور، ونال المرضى الاهتمام الذي يستحقونه. والمثير في الأمر أن هذه الشركة لم تأخذ أداة صُممت لمستشفيات بوسطن أو برلين لتقوم بتعديلها، بل ابتكرت الحل من رحم المعاناة المحلية، وبلسان أهل البلد وطبيعة إمكانياتهم، مما جعلها محط أنظار المستثمرين، وفتح أمامها طريقاً ممهداً نحو نمو تجاري مستدام.

إن هذه القصة ليست مجرد طفرة عابرة أو حالة استثنائية، بل هي النموذج الملهم والمخطط الحقيقي لما ينبغي أن يكون عليه المستقبل.

الفجوة حقيقية والفرص واعدة

يسير قطاع الذكالي بخطى واسعة وقفزات مذهلة، غير أن ثمار هذه الثورة التكنولوجية لا تتوزع على سكان الكوكب بالتساوي. فمع مطلع عام ألفين وخمسة وعشرين، كان نحو ربع مستخدمي الإنترنت في الدول الغنية والمتقدمة يعتمدون فعلياً على أدوات الذكالي في تسيير أعمالهم، بينما لم تتجاوز هذه النسبة واحداً بالمئة في الدول الفقيرة وذات الدخل المحدود، وهي فجوة آخذة في الاتساع والعمق يوماً بعد يوم.

ولا تكمن المشكلة هنا في مجرد ضعف شبكات الاتصال بالإنترنت، بل المعضلة الحقيقية ترتبط بـ ""البيئة الحاضنة"" بأكملها. فالأغلبية الساحقة من برمجيات الذكالي تُصمم لتناسب بيئات مرفهة تتمتع بكهرباء لا تنقطع، وإنترنت فائق السرعة، وقواعد بيانات ضخمة ومملوكة للشركات. لكن المفارقة العجيبة هي أن الأزمات والملفات التي يحتاج العالم فيها إلى تدخل الذكالي لإنقاذها وتطويرها — كالرعاية الصحية، والزراعة، والتعليم، والمشاريع الصغيرة — تتركز تحديداً في هذه الأسواق الناشئة التي يسقطها عمالقة التكنولوجيا من حساباتهم. وهنا تحدي الساحة، وتلك هي الفرصة الذهبية الكبرى التي ينتظرها رواد الأعمال المحليون.

ذكالي محدود التصميم، هائل الأثر

حين نتحدث عما يُعرف بـ ""الذكالي المحدود""، فإننا لا نعني أبداً محدودية الطموح أو صغر الأهداف، بل نقصد منظومات ذكالية صُممت خصيصاً لتؤدي مهام محددة بذكاء شديد، وتمتاز بكفاءة عالية تتيح لها العمل بأقل قدر من الطاقة، ومرونة فائقة تمكنها من الإنتاجية حتى مع الانقطاع المتكرر للإنترنت، فضلاً عن كونها تفهم اللغات المحلية وتستوعب ثقافة المجتمع. إن هذا النهج يقلب السؤال التقليدي رأساً على عقب؛ فهو لا يبحث في ""كيف نجلب أحدث وأقوى نموذج عالمي إلى هنا؟""، بل يركز في ""ما هو الشيء الأكثر نفعاً وجدوى الذي يمكن للذكالي أن يقدمه لمزارع أو معلم أو صاحب متجر صغير في ظل الإمكانيات المتاحة على أرض الواقع؟"".

والشواهد على نجاح هذا الفكر بدأت تتحدث عن نفسها بوضوح في عدة دول:

  • في غانا: رعت مجموعة البنك الدولي إطلاق معلم رياضيات ذكي يعمل بالكامل عبر تطبيق ""واتساب""، ونجح هذا الابتكار البسيط في تحقيق قفزة استيعابية لدى الطلاب تعادل عاماً دراسياً كاملاً خلال ثمانية أشهر فقط، وبتكلفة زهيدة لم تتجاوز خمسة دولارات للطالب الواحد.

  • في كينيا: دمجت شركة ناشئة نظام الذكالي الخاص بها داخل تطبيق ""إم بيسا"" المالي الشهير، ليقوم بتحليل حركة المعاملات اليومية للتجار الصغار وتحويلها إلى أرقام ورؤى تجارية ترسم لهم مسارات الربح، مما ساعدهم على تنمية تجاراتهم دون تكبيدهم عناء التعامل مع تطبيقات جديدة أو واجهات معقدة.

  • في الهند: نجح تطبيق ذكالي متخصص في الكشف المبكر عن مرض السل الرئوي من خلال تحليل ""نبرة السعال"" في فحص أكثر من مئة وعشرين ألف مريض، مما أدى إلى رفع دقة التشخيصات الصحيحة بنسبة وصلت إلى ستة عشر بالمئة.

من الواضح إذاً أن التكنولوجيا لم تعد هي العائق الأساسي، وقد أثبت هؤلاء المبتكرون ذلك عملياً، وإنما كل ما يحتاجونه اليوم هو وجود بيئة عمل حاضنة ومستوعبة لحجم طموحاتهم الكبيرة.

البيئة الحاضنة هي الحلقة المفقودة

إن السؤال الأكثر إلحاحاً وتعقيداً عند مناقشة دور التقنية في ملفات التنمية ليس ""هل تنجح التكنولوجيا أم تفشل؟""، بل هو ""لماذا تعجز أغلب الشركات الناشئة التي تمتلك حلولاً عبقرية عن التوسع والانتشار؟"". إن الغائب الأكبر عن الساحة هو المنظومة المتكاملة التي تأخذ بيد هذه الشركات من مرحلة ""الفكرة الواعدة"" وتصعد بها إلى مصاف ""المؤسسة المستدامة"" القادرة على جذب رؤوس الأموال وغزو الأسواق. وتعد صياغة هذه المنظومة هي السبيل الوحيد لتحويل هذه الطفرة التقنية الحالية إلى نهضة اقتصادية ممتدة الأثر.

ويفرض هذا الواقع على الكثير من الدول ضرورة مراجعة سياساتها وخططها الاستثمارية، بحيث تنتقل من مجرد الاكتفاء بوضع البنية التحتية الأساسية إلى بناء شبكة متكاملة تدعم ولادة ونمو شركات الذكالي الناشئة. كما يتعين على الحكومات تهيئة المناخ لنمو هذا القطاع بمسؤولية، من خلال تحسين البنية التحتية للبيانات، وتوفير المنصات الرقمية العامة، وسن تشريعات مرنة تحمي الاستثمار وتشجع الابتكار المسؤول.

وفي هذا السياق، يمكن للمؤسسات الدولية أن تلعب دوراً محورياً في تقليل مخاطر الاستثمار المبكر في الأسواق التي لا يزال رأس المال الاستثماري الخاص يتردد في خوض غمارها. وبالمثل، تحتاج الشركات المحلية الناشئة إلى مد جسور قوية تربطها بحاضنات الأعمال، والشركاء التجاريين، وقواعد العملاء، ومصادر التمويل الضخمة، لتتمكن من العبور الآمن من مرحلة المشاريع التجريبية المحدودة إلى آفاق التوسع التجاري الشامل.

ونحن نضع أيدينا الآن مع مجموعة من الشركاء الدوليين لتطوير برنامج تسريع عالمي، يأخذ على عاتقه دعم شركات الذكالي الناشئة في الأسواق الناشئة، بدءاً من مراحل التأسيس الأولى وحتى تصبح مؤسسات ذات جدارة ائتمانية وقادرة على التوسع التجاري. وستكون الدروس المستخلصة من هذا البرنامج بمثابة خارطة طريق للدول وبنوك التنمية لمساعدتها في صياغة سياساتها الاستثمارية والتشريعية لتقوية بيئات الذكالي المحلية.

الثقة هي حجر الأساس

مع اتساع رقعة الاعتماد على برمجيات الذكالي ووصولها إلى شرائح أوسع من المجتمع، يصبح ترسيخ قيم الأمان والموثوقية شرطاً أساسياً لضمان إقبال الناس عليها واستمرارهم في استخدامها. فلا يمكن للقارئ أو للمستهلك العادي أن يتفاعل مع هذه التقنيات ما لم يثق تماماً بأن بياناته الشخصية في حرز حريز، وأن الأنظمة التي تتدخل في صياغة قرارات تخص صحته أو مدخراته المالية آمنة ومصونة، وأن هناك جهة حقيقية تخضع للمساءلة القانونية والأخلاقية إذا ما سارت الأمور على نحو خاطئ. وفي المجتمعات التي لا تزال تتحسس خطاها في بناء هذه الأطر الحمائية، فإن أي هفوة أو خطأ قد لا يكتفي بتعطيل مسيرة التطور فحسب، بل قد يؤدي إلى عزوف الناس تماماً وخروجهم من دائرة العصر الرقمي برمتها.

فرصة تنموية ذات أبعاد تاريخية

إن الدول التي ستمتلك الرؤية الثاقبة والنهج السليم في التعامل مع ملف الذكالي لن تكتفي بتمكين مواطنيها من جني ثمار التكنولوجيا الفردية، بل ستفتح الباب على مصراعيه أمام رواد الأعمال لابتكار حلول ضخمة قادرة على توليد آلاف فرص العمل، ورفع مستويات الإنتاجية العامة، وتفكيك المعضلات المحلية المستعصية. وبفضل هذا التوجه، ستتمكن هذه الدول من تدشين قطاعات صناعية جديدة بالكامل، وتوسيع مظلة صادراتها نحو الخارج، وضمان أن تتحول مكاسب الذكالي إلى حالة من الرخاء الاقتصادي والرفاهية التي تلمسها كافة طبقات المجتمع.

وتؤكد مجموعة البنك الدولي التزامها الراسخ بالوقوف إلى جانب الدول لبناء القواعد الصلبة لهذا المستقبل الواعد، وذلك عبر توسيع رقعة الربط الرقمي وإتاحته بأسعار في متناول الجميع، وصقل مهارات الكوادر البشرية، وضخ الاستثمارات، وتقديم الدعم الكامل للمبتكرين الذين يحولون خوارزميات الذكالي إلى أدوات عملية تحل تحديات الحياة اليومية. إن المعركة الحقيقية اليوم ليست في مجرد استيراد الذكالي وتبنيه، بل في كيفية تطويعه وتشكيله ليكون محركاً للتنمية، ومولداً للوظائف، وبوابة للأمل والفرص أمام ملايين البشر.

وفي الوقت الذي يجتمع فيه قادة الفكر وصناع القرار في قمة ""الذكالي من أجل الصالح العام"" في جنيف لرسم ملامح هذا القطاع، فإن القرارات والاتفاقات التي تُصاغ في هذا المنعطف التاريخي — حول من يمتلك حق تطوير الذكالي، ومن يتولى حوكمته وإدارته، ومن يستفيد من عوائده — هي التي ستحدد بشكل قاطع ما إذا كانت هذه الثورة التكنولوجية الكبرى ستفي بوعودها للبشرية جمعاء، أم أنها ستبقى كنزاً محصوراً في يد فئة محظوظة ومحدودة من سكان العالم.

المصدر

مقالات ذات صلة