القائمة الرئيسية

خمسة أسئلة لفايلاس دار

خمسة أسئلة لفايلاس دار
ملخص المقال

يتناول المقال رؤية فايلاس دار لمستقبل الذكاء الذكالي، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تطوير التقنية وحدها، بل في بناء المؤسسات والأنظمة الاجتماعية التي تمكّن البشر من توجيهها لخدمة الصالح العام. وينتقد المبالغة في مفهوم ""الذكاء الذكالي الوكيلي""، موضحًا أن استقلالية الأنظمة لا تعادل الوكالة الإنسانية القائمة على الإرادة والقيم والتعاطف. كما يدعو الحكومات إلى اتخاذ خطوات عملية، مثل إقرار هوية رقمية موثوقة، لتعزيز الحوكمة والثقة في البيئة الرقمية. ويرى أن النقاش العالمي انتقل من التركيز على مخاطر الذكاء الذكالي إلى توظيفه في حل المشكلات الواقعية، وهو تحول إيجابي يمنح الأفراد والمجتمعات دورًا أكبر في ابتكار الحلول. ويختتم بالتأكيد على أن مستقبل الذكاء الذكالي ينبغي أن يستند إلى قيم المسؤولية والرعاية والثقة، بحيث تكون الإنسانية هي البوصلة التي توجه تطوير هذه التقنيات.

مرحبًا بكم في عدد اليوم من سلسلة ""استشراف المستقبل في خمسة أسئلة"". نلتقي معكم في هذه المساحة لنستعرض حوارًا أجراه ستيفن مع فايلاس دار، رئيس ومجلس أمناء مؤسسة باتريك جي مكغفرن الخيرية، وهي منظمة تكرس ملايين الدولارات لتطوير الذكاء الذكالي من أجل خدمة الإنسانية وتحقيق الصالح العام. يرى دار أن هناك صراعًا مكتومًا على السلطة والنفوذ يدور حاليًا بين البشر والآلات، ويؤكد أنه إذا أردنا كفة البشرية أن ترجح في هذه المواجهة، فإن الأمر يتطلب منا تفكيرًا أعمق يتجاوز مجرد سن القوانين واللوائح التنظيمية، والبحث الجاد عن سبل عملية لتعزيز الإرادة والقدرة البشرية في توجيه التكنولوجيا. ننوه بأن هذه المحادثة قد خضعت للصياغة والتلخيص لتظهر بأكبر قدر من الوضوح. كما يمكنكم الاستماع إلى تفاصيل المقابلة كاملة في حلقة هذا الأسبوع من بودكاست ""بوليتيكو تيك"" عبر منصات آبل، أو سبوتيفاي، أو أمازون، أو تطبيق البودكاست المفضل لديكم.

ما هي الفكرة الكبرى والمهملة التي لم تنل حظها من الاهتمام؟

لو أننا وجهنا حجم الاستثمار والابتكار الذي نضعه في بناء الهياكل والروابط الاجتماعية المحيطة بالتكنولوجيا بنفس القدر الذي نضخه في التكنولوجيا ذاتها، لكنّا نعيش اليوم في عالم مختلف تمامًا. هذا التغيير يتطلب منا تأسيس برامج أكاديمية ومؤسسات تعليمية حديثة تعيد صياغة مفاهيم التعلم لدى الأفراد، كما يستلزم إعادة هيكلة نظرتنا لأسواق العمل، وطرق الحصول على الرعاية الصحية، وكافة المجالات الحيوية التي تبدل فيها التكنولوجيا الفرضيات الأساسية التي تقوم عليها حياتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

ماذا لو توقفنا عن جعل مجتمعاتنا مجرد مستهلك لتقنيات تحتكر بناءها شركات معدودة، وأتحنا لهذه المجتمعات أن تصبح هي المهندسة والمالكة الفعلية لتلك التقنيات؟ حينها ستكون قادرة على ابتكار حلول نابعة من صميم المشكلات اليومية التي تواجهها. وإذا استثمرنا بحق في توفير قدرات الحوسبة المتقدمة، وبنية البيانات الأساسية، وركزنا قبل كل شيء على رعاية المواهب وتنميتها، فسنشهد ازدهارًا حقيقيًا للقيم الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، وسيشعر الناس حينها بالفخر لأنهم شيدوا مقدراتهم بأيديهم.

ما هي التكنولوجيا التي تحظى بهالة تضخيم مبالغ فيها في الوقت الراهن؟

أمضيت خمسة وعشرين عامًا من مسيرتي المهنية كعالم كمبيوتر متخصص في مجالات الذكاء الذكالي، وطوال تلك العقود كنا ندرك تمامًا أن هذه الأنظمة ستبلغ ذروة قوتها عندما تصبح قادرة على تنفيذ مهام متعددة ومتنوعة. ولم نكن قط بحاجة إلى ابتكار مصطلح ""الذكاء الذكالي الوكيلي"" لنشرح هذا المفهوم، لكنه تحول اليوم إلى مجرد شعار براق وتعبير رنان يمنح التكنولوجيا هالة تفوق قدراتها وحقيقتها الحالية.

نحن نقوم بتطوير هذه الأنظمة الوكيلية ونمنحها مساحات واسعة من الاستقلالية، دون أن نمتلك حتى الآن معرفة حقيقية بكيفية السيطرة على مساراتها أو التنبؤ بما يمكن أن تؤول إليه في المستقبل. ولعل الخطأ الشائع هنا هو خلطنا بين وصف ""الوكيلي"" ومفهوم ""الوكالة الإنسانية"" والتعامل معهما كترادفين، في حين أن الوكالة هي فضيلة وميزة بشرية خالصة تتمثل في قدرة المرء على التعبير عن إرادته واهتماماته في هذا العالم. أما النظام الوكيلي فلا يملك هذه الميزة؛ فقد ينطلق لإنجاز مهمة محددة، لكنه سيفعل ذلك مجردًا من الرأفة أو العطف أو التعاطف، ولن يكترث في ممارساته بحماية المبادئ التي تشكل مفهوم العالم العادل في نظرنا. لقد غاب عن أذهاننا أن العمل الوكيلي الآلي يختلف تمامًا عن الإرادة البشرية الحرة.

ما الذي يقع في نطاق سلطة الحكومة لمواجهة التحديات التقنية ولم تفعله بعد؟

لقد استغرقنا كثيرًا في نقاشات مطولة ومعقدة حول مشروعات القوانين الضخمة والتشريعات العريضة المنتظر إقرارها، حتى غاب عن انتباهنا وجود تدابير فورية وميسرة يمكن للحكومات اتخاذها لتحقيق فوائد ملموسة على المدى القصير. ولعل أبسط هذه التدابير يتجسد في مشروع الهوية الرقمية. لقد خاض مجتمعنا مؤخرًا مسارًا شاقًا طويلًا للوصول إلى تطبيق منظومة الهوية الحقيقية المشتركة، وكان من السهل جدًا حينها أن نقرر منح المواطنين هوية رقمية معتمدة تمتلك القيمة القانونية والتنفيذية ذاتها التي تتمتع بها الهوية الورقية أو البلاستيكية التقليدية.

إن خطوة كهذه كانت ستمنحنا لأول مرة مفهوم الهوية ذاتية السيادة التي تؤمن كافة معاملات التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية، بما في ذلك التفاعلات اليومية مع الذكاء الذكالي. وهناك مشروع قانون يتبلور حاليًا في الأروقة السياسية قد يرى النور في فصل الخريف ليجعل هذا الأمر واقعًا. ستكون هذه الخطوة منخفضة التكلفة وعالية الأثر، وستشكل حجر الأساس المستقبلي لاستعادة قدرة الدولة على تنظيم قطاع التكنولوجيا وتوجيهه، وهي الميزة التي أشعر أننا افتقدناها كثيرًا في الآونة الأخيرة.

ما هو الأمر الأكثر مفاجأة لك خلال هذا العام؟

المفاجأة الكبرى بالنسبة لي هذا العام تمثلت في السرعة المذهلة التي تحولت بها النقاشات العامة؛ إذ انتقلت من التركيز على المخاطر الوجودية والتهديدات الأمنية للذكاء الذكالي ومسائل الحوكمة، إلى التركيز على الجانب العملي المتمثل في كيفية الاستفادة من هذه الأدوات في حل مشكلاتنا الراهنة. ونحن نسير اليوم بخطى متسارعة في هذا الاتجاه الإيجابي، حيث أصبح لسان حال المجتمعات يقول إن المشكلات قائمة بالفعل والمطلوب الآن هو تقديم الحلول الناجعة لها.

هذا التحول الإيجابي والعملي لم يأتِ من الشركات الكبرى المطورة للتقنيات، لأن تلك الشركات تستمر في البناء لمجرد شغف التطوير الفني فحسب، بل نبعت هذه الواقعية من الأشخاص اللصيقين بالمشكلات الحياتية والذين وجدوا أنفسهم فجأة على مسافة قريبة من صياغة الإجابات والحلول. ويعتبر هذا التحول مكسبًا عظيمًا، لأنه يفتح الباب أمام أعداد غفيرة من العقول الذكية والكوادر الواعية ليدركوا أن التغيير بات في متناول أيديهم، مما يمنحهم شعورًا بالمسؤولية والقدرة على الفعل، وحين يتملك الناس هذا الشعور عبر التاريخ، فإن النتيجة تكون دائمًا لصالح البشرية.

ما هو الكتاب الذي أثر عميقًا في تشكيل رؤيتك للمستقبل؟

كتبت المفكرة بيل هوكس في مؤلفها ""كل شيء عن الحب"" عبارة ملهمة تؤكد فيها أن الحب في جوهره هو قرار واعٍ بتحمل المسؤولية الكاملة عن سلامة الآخرين ورفاهيتهم، وأنه ممارسة فعلية وليس مجرد مشاعر عابرة.

تمنحني هذه الفكرة طاقة متجددة وصحوة ضمير كلما شاركت في اتخاذ قرارات تخص مستقبل الذكاء الذكالي الذي نسعى لبنائه. إن النقاشات التي تدور حول الذكاء الذكالي المسؤول غالبًا ما تنحصر في مصطلحات تقنية جافة مثل مستويات الأداء، ومعايير السلامة، وقيم العدالة، لكننا نادرًا ما نطرح السؤال الأهم وهو كيف ستؤثر هذه الأدوات في صياغة العلاقات الإنسانية بين البشر، وهل تعكس بحق أي قيمة من قيم الرعاية أو المسؤولية الأخلاقية؟ إذا كنا نتطلع إلى مستقبل تساهم فيه التكنولوجيا في ترسيخ أواصر الثقة بدلًا من هدمها، فعلينا أن نحدد بوضوح وجرأة القيم الإنسانية الكامنة وراء هذه الأنظمة، وكلي أمل أن ننجح في جعل الحب المتبادل وإنسانيتنا المشتركة هما المركز والمحور لكل ما نبنيه.

المصدر

مقالات ذات صلة