تمنحنا تقنيات الذكالي القدرة على بلوغ المستهدفات الإدارية في غضون يوم واحد وبكل سهولة، غير أن هذا الإنجاز الرقمي لا يترجم بالضرورة إلى نجاحات حقيقية على أرض الواقع، ومن هنا تبرز الأهمية البالغة لإعادة النظر في كيفية قياس الأمور الإستراتيجية ذات التأثير الفعلي في مسيرة المؤسسات.
لعلك لمست تحولاً استثنائياً غيّر الموازين السائدة بعد انقضاء دورة التقييم والمراجعة المؤسسية لمنتصف عام ألفين وستة وعشرين، فقد رصد المدراء لدينا في منظومة لازرفيش قفزات نوعية وهائلة حققتها فرق العمل، متجاوزة المقاييس السابقة القائمة على مجرد التنفيذ الإجرائي.
وعند قراءة المشهد من منظور التقارير الورقية، يبدو الأمر وكأنه انتصار تاريخي غير مسبوق في رفع كفاءة الإنتاج، ويتضح ذلك في المظاهر التالية:
تسارع فرق تقنية المعلومات في إطلاق الحلول والأنظمة الرقمية وتدشينها وتيرته تفوق كافة المعدلات المسجلة في الماضي.
تضاعف القدرة الإنتاجية لقطاعات التسويق والاتصال، وتدفق المواد الإعلامية وأصول الحملات الترويجية بكميات وفيرة.
نجاح مجموعات الدعم وخدمة العملاء في تسوية ومعالجة طلبات المساعدة وإغلاقها في فترات زمنية قياسية.
ومع ذلك، فإن التمعن في هذه الإحصائيات جعلنا ندرك يقيناً أن مؤشرات الأداء الحالية، والتي كانت تعد ضرباً من الخيال قبل سنوات قليلة، قد أصبحت بحاجة ماسة إلى صياغة جديدة ورؤية مبتكرة تتواءم مع البيئة الوظيفية المعززة بقدرات الذكالي.
وحينما يصبح بمقدور الموظف استيفاء مئة بالمئة من مستهدفات الإنتاجية عبر تزويد أداة الذكالي بأمر توجيهي بسيط، فإن هذا المؤشر يفقد قيمته الجوهرية في قياس الكفاءة والقدرة البشرية. ويصبح من السهل جداً في مثل هذه الظروف الانزلاق نحو فخ الكفاءة الوهمية للذكالي، والذي يتمثل في الاندفاع نحو قياس السرعة التي تنجز بها الآلة المهام، بدلاً من قياس مدى توفيق فرق العمل في ابتكار حلول حقيقية للمعضلات الإستراتيجية التي تواجه منظومة الأعمال.
إن هذا الواقع يفرض على القادة وصناع القرار في بيئات الأعمال إعادة صياغة المفهوم الحقيقي للقيمة المضافة بما يتوافق مع مقتضيات العصر الراهن، ويتطلب في بعض الأحيان ثورة شاملة وتغييراً جذرياً في أساليب ومقاييس تقييم النجاح.
السرعة الإجرائية ليست مرادفاً للفوز الحقيقي
يمثل الذكالي مصنعاً إنتاجياً ضخماً لا تدانيه أي آلية أخرى، فهو قادر على صياغة شيفرات برمجية مقبولة، وتأليف نصوص تسويقية نمطية، وإعداد جداول زمنية مجهزة سلفاً لتهيئة الموظفين الجدد في قطاع الموارد البشرية خلال ثوانٍ معدودة. وتوفر لنا هذه التقنية نقطة انطلاق متقدمة وحدوداً دنيا للعمل أعلى بكثير مما كان متاحاً في أي وقت مضى، غير أن المخرجات التي تقف عند حد القبول والنواحي النمطية لا يمكنها أن تحقق الريادة والتقدم للمؤسسات.
إن الوتيرة المتسارعة في تنفيذ المهام لن تكون هي العامل الفاصل الذي يميز المنظمات القيادية عن غيرها من المنظمات، بل إن اللمسة الإنسانية والتدخل البشري الواعي الذي يحول ذلك العمل النمطي إلى إبداع وتميز هو المحرك الحقيقي للنجاح.
وحينما تسند إلى الحاسب الآلي تولي المهام الروتينية والمسؤوليات المتكررة، فإن طبيعة القيمة الإنسانية التي يقدمها الموظف تتبدل بالتبعية، حيث يتحرر من دور المنفذ التقليدي المقيد إلى مكتبه ليصبح ممتلكاً لمهارات التفكير النقدي، وعنصراً فاعلاً في البناء المشترك بين الإدارات، ومستشاراً رفيع المستوى يقدم خدمات ذات أثر عميق.
وإذا ما استمرت مقاييس الأداء لدينا في مكافأة التدفق الكمي والسرعة المجردة فقط، فإننا بذلك نسلب من كوادرنا البشرية الحافز والدافع الذي يحثهم على مغادرة شاشاتهم لتقديم العطاء الإنساني العميق عالي القيمة، وهو الجانب الذي تعجز أدوات الذكالي عن محاكاته أو الوصول إليه.
إستراتيجية تحويل المعايير من رصد المخرجات إلى قياس النتائج والأثر
لكي نتمكن من الفكاك من مصيدة الكفاءة الزائفة، يتوجب علينا توسيع آفاق الرؤية ل تتجاوز المستهدفات التقليدية، مثل مجرد تسليم مشروع أو إطلاق منتج، والبدء في تقييم التأثير النهائي الملموس الذي يحدثه ذلك الإنجاز. وفي سائر قطاعات العمل، سواء كانت فنية متخصصة أو إدارية عامة، لا بد أن ترتقي المقاييس الكلاسيكية لتتحول من مجرد إحصاء المواد المنتجة إلى قياس وتتبع المعضلات التي تم حلها بالفعل.
وفيما يلي نستعرض آليات إعادة صياغة مفهوم النجاح عبر الأركان الأربعة الأساسية لعمل الشركات:
إليكم البيانات منسقة في جدول باللغة العربية دون اختصار أو استخدام شرطات:
| القسم | مؤشرات الأداء الرئيسية القديمة | مؤشرات الأداء الرئيسية الجديدة | طبيعة التحول |
| تكنولوجيا المعلومات | المشاريع المكتملة | معدل تبني المستخدمين | يمكن للذكالي المساعدة في البرمجة أو إغلاق تذاكر الدعم الفني ولكنه لا يفهم إحباطات المستخدم ويجب قياس النجاح بمدى كفاءة عمل التكنولوجيا فعلياً للمستخدم المستهدف |
| الموارد البشرية | معدل إكمال قوائم مراجعة التعيين الجديد | الاحتفاظ بالموظفين الجدد ودمجهم | يمكن للذكالي أتمتة اللوجستيات الإدارية والتحضير لليوم الأول للموظف الجديد ومع ذلك يجب قياس قيمة الموارد البشرية بمدى تسهيلهم لانتماء الموظف ورضاه في دوره الوظيفي |
| خدمة العملاء | وقت حل تذاكر الدعم | الاحتفاظ بالعملاء والاستشارات الاستباقية | إذا كان بإمكان روبوتات الدردشة المدعومة بالذكلي الإجابة على الأسئلة المتكررة والبسيطة فيجب قياس وكلاء خدمة العملاء البشر على قدرتهم على العمل كمستشارين يقدمون خدمات رفيعة المستوى تساعد في تعميق ثقة العملاء |
| التسويق والاتصالات | حجم مخرجات المحتوى | تفاعل الجمهور | يمكن للذكالي رفع جزء كبير من العبء الثقيل عن تطوير المحتوى ولكن المسوقين البشر هم الخبراء في تحديد مدى توافق المحتوى مع الجمهور وضخ الأبحاث الأصلية والصوت الأصيل والفروق العاطفية الدقيقة التي تخترق الضوضاء |
ثلاثة إجراءات حاسمة لتصحيح مسار مؤشرات الأداء في الوقت الراهن
بينما نمضي قدماً نحو النصف الثاني من العام، يجب ألا ننخدع بالمؤشرات الخضراء البراقة التي تزدان بها لوحات التحكم الإلكترونية، ونظن واهمين أن مؤسساتنا تعمل بأقصى طاقة إستراتيجية ممكنة. إن اتخاذ هذه الخطوات الفورية الثلاث سيكفل مواءمة مقاييس إنتاجية الذكالي مع القيمة والقدرة البشرية الأصيلة:
أولاً: تقصي المقاييس الوهمية واستبعادها
يتعين عليك عقد اجتماعات مكثفة مع قادة المجموعات لتأمل ومراجعة الأهداف الحالية بدقة، وعزل أي مؤشر أداء يمكن للذكالي تحقيقه والوصول إليه دون حاجة لإعمال العقل البشري أو تطبيق التفكير النقدي. وكل معيار يتطلب صفراً من الإشراف البشري يصبح مؤهلاً للإلغاء أو إعادة تقييم وزنه النسبي، وبذلك يقتصر القياس على النتيجة الإستراتيجية الكامنة وراء تلك المخرجات.
ثانياً: إعادة استثمار الأوقات الفائضة المكتسبة
عندما تنجح تطبيقات الذكالي في توفير خمس ساعات من أوقات الموظف كانت تضيع في أعمال نمطية، قد تملي علينا ردود الفعل التلقائية تكليفه بخمس ساعات أخرى من أعمال نمطية مشابهة. إن الواجب يحتم علينا كسر هذه الدائرة المفرغة، وإعادة صياغة التوصيف الوظيفي بما يتواكب مع هذا الوقت المسترد، وإلزام الموظفين بتوجيه تلك الساعات الإضافية نحو مد جسور التعاون بين القطاعات المختلفة، أو إجراء المقابلات الميدانية مع المستفيدين، أو تقديم المشورة المباشرة للعملاء.
ثالثاً: تثمين الفكر النقدي والارتقاء بالمخرج وليس مجرد الإنجاز
ينبغي توجيه دفة النقاشات الجماعية لتركز على مراجعة المشاريع وتقييمها، بدلاً من الاكتفاء بالاحتفاء بمجرد الفراغ من تنفيذها وتأديتها. وسواء كان المشروع متعلقاً بتطوير أنظمة برمجية أو مبادرة تخص الموارد البشرية، يقع على عاتق المدراء توجيه الطاقات نحو نقد الآليات المتبعة وتنقيتها والسمو بها. ويتطلب ذلك تفكيراً جماعياً يبحث في الجوانب التي يغفل عنها الذكالي، ومواطن القصور الشائبة لعمله، وكيفية صقل المسودة الأولية التي تصيغها الآلة وتحويلها إلى مبادرة متكاملة تلبي بخصوصية تامة تطلعات المنشأة وتطلعات عملائها.
إن الجدوى الحقيقية والوعد الأسمى للذكالي لا يتجسد في تمكيننا من إنجاز أعمالنا بوتيرة أسرع، بل في كونه يمنحنا الحرية والمساحة لنفكر بأسلوب أفضل وعمق أكبر. وتتمثل مسؤوليتنا الأساسية كقادة في التحقق من أن بطاقات الأداء المعتمدة لدينا تعكس هذا المستوى الرفيع والمعيار السامي. فلنترك للآلات تولي وضبط الحدود الدنيا والأساسيات، ولنفسح المجال للبشر لصناعة الإبداع والتميز والريادة.
