في الوقت الذي يقود فيه الذكالي تكاليف إنتاج المحتوى نحو القاع، لن يكون الفوز حليفاً إلا للقادة الذين يصرون على وضع القصة والثقافة الإنسانية في قلب أعمالهم.
يواجه كل قائد اليوم ضغطاً مستمراً يروج للوعد ذاته: ""إنتاج أكثر وبسرعة أكبر"". صمم العرض التقديمي في ثوانٍ، صغ المذكرة بضغطة زر، واقرأ الملخص الآلي للاجتماع الذي تغيبت عنه. إنه عرض مغرٍ بلا شك، ولكنه يوجه بوصلته نحو المشكلة الخطأ تماماً.
لم تكن المعضلة في تاريخ المؤسسات يوماً هي العجز عن توليد الكلمات والصور والفيديوهات، بل كان التحدي الحقيقي يكمن دائماً في إيجاد شخص واحد يصدق هذا المحتوى ويثق به. هذه القضية هي جوهر الثقافة التنظيمية، ولفهم أبعادها، يتعين علينا العودة بالزمن إلى الوراء بكثير، إلى نقطة أبعد بكثير مما تجرؤ نقاشات بيئة العمل التقليدية على الذهاب إليه.
الإنسان كائن يعيش على الحكاية
قبل نحو مئتين وخمسين ألف عام، طور الدماغ البشري قدرة استثنائية ميزت جنسنا عن سائر الكائنات الأخرى، وهي ما يطلق عليه المؤرخون ""التعلم الجماعي"". فقد أصبح بمقدورنا فك شفرة آثار القطيع، أو رسم خريطة لتحولات الفصول، ومن ثم توريث هذه المعرفة للأجيال التي تأتي بعدنا. هذا الدافع الفطري، ونقصد به السعي لصناعة المعنى ونقله للآخرين، هو أقدم تكنولوجيا ابتكرها البشر على الإطلاق.
ولم تكن رواية القصص مجرد ترف، بل كانت ضرورة حتمية للبقاء. لقد ترك البشر الأوائل وراءهم تماثيل منحوتة وآلات موسيقية، وكانوا يتحلقون معاً ليروا الحكايا، ويمارسوا الطقوس، ويغنوا، ويتشاركوا الأحزان. كانت القصة هي الغراء السحري الذي يحول شتات الأفراد المعزولين إلى كيان متماسك، إلى مجتمع يتعرف فيه الأفراد على بعضهم البعض وينتمون إليه. لقد كان السرد هو القناة الوحيدة لصناعة المعنى، وكان المعنى هو الوسيلة التي تحول الغرباء إلى جماعة قادرة على الصمود ومواجهة أخطار الطبيعة.
نحن كائنات صُنعت من القصص، وهذا الأمر محفور في عمق حمضنا النووي الجماعي. فبالسرد استطاع البشر قديماً تشكيل ثقافة مشتركة، وبالطريقة ذاتها لا يزال الناس يبنون روابطهم الإنسانية والثقافية حتى يومنا هذا.
وإذا قفزنا إلى الحاضر، سنجد أننا نمارس السلوك ذاته الذي بدأناه منذ الأزل، ولم نغير في الأمر سوى الوسيلة؛ فمن جدران الكهوف، إلى الألواح الطينية، فالمطبعة، وأبراج البث، وخلاصات منصات التواصل الاجتماعي، وصولاً اليوم إلى نماذج الذكالي. كل تقنية جديدة كانت تتسع معها دائرة المتحدثين، وتتسارع الوتيرة التي ينشرون بها كلماتهم، لكن أياً منها لم يغير المهمة الجوهرية، إذ بقيت كما هي دائماً: أن نفهم العالم من حولنا، وأن نقنع الآخرين بالإيمان بهذا الفهم ومشاركتنا إياه.
وهنا تحديداً تقع الإدارة المعاصرة في فخ إساءة فهم اللحظة الراهنة.
المصداقية لا تُشترى بالأوامر الآلية
يمثل الذكالي محركاً مذهلاً لتوليد المحتوى، ويسعه إنتاج فيضان من النصوص بسرعة تفوق أي أداة عرفها التاريخ البشري. غير أن المحتوى شيء والمعنى شيء آخر تماماً، والفجوة الكبيرة بينهما هي جوهر القضية.
تستطيع النماذج اللغوية الضخمة أن تصيغ لك كلمات منمقة لبيان رؤية الشركة، لكنها تعجز تماماً عن إجبار موظف واحد على الإيمان بهذه الرؤية. وبمقدورها صياغة خطاب اعتذار أو مساندة يلتئم بعد جولة من تسريح العمالة، لكنها لن تجعل أحداً يصدق أنك تعني تلك المشاعر حقاً. إن هذا السيل العارم من النصوص، والذي يشبه تسونامي جارف من المحتوى، لم يثبت قط أنه ساهم في زيادة ثقة الموظفين أو تعزيز مصداقية القيادة التنفيذية.
لا يمكن للقائد أن يمهد طريقه نحو المصداقية بمجرد تلقين الآلة بعض الأوامر. فالثقة، التي ربما تعد القيمة الأكثر أهمية والأصعب منالاً في بيئة العمل، لا تُبنى إلا ببطء شديد وعلى نار هادئة. إنها تتشكل وتنمو بينما يراقب الموظفون تفاصيل العمل اليومي ليرصدوا ما إذا كانت هناك فجوة بين ما يقوله المسؤول التنفيذي وما يفعله على أرض الواقع. الثقة هي المورد الذي تتضور كل مؤسسة جوعاً إليه في الخفاء، ولا يمكننا أبداً رتق غيابها بفيضان من المحتوى المستعار، ثم نرجو بعد ذلك أن يسهم هذا الفيضان في بناء الثقافة أو تقويتها.
القصص هي هويتنا الحقيقية
لقد تجلت هذه الفكرة بوضوح في قاعة اجتماعات ضمت كبار المسؤولين التنفيذيين لشركة ""جويلرز ميوتشوال""، حين أطلق الرئيس التنفيذي سكوت ميرفي تصريحاً قد يبدو ناعماً أو عاطفياً في بعض مجالس الإدارات الجافة، إذ أكد أن الشركة ستستمر في التفوق في السوق بشرط واحد، وهو أن يصبح موظفوها ""رواة قصص أفضل على كافة المستويات"". لم يكن ميرفي مدفوعاً بوهج العاطفة، بل كان يعني ما يقول حرفياً عندما أخبر الحضور بأن ""القصص هي جوهر هويتنا""، متبنياً هذا الطرح كاستراتيجية تنافسية شرسة، لا مجرد كلمات لبعث الطمأنينة.
كان ميرفي يضع إصبعه على حقيقة لم يستوعبها الكثير من القادة بعد؛ فقد رأينا بالفعل كيف انهارت تكاليف إنتاج المحتوى، والمنتج نفسه هو التالي في هذا المسار. ومع دفع الذكالي لتكلفة وسرعة تطوير المنتجات نحو نقطة الصفر تقريباً، يتوقف المنتج بذاته عن كون الميزة التنافسية التي تفصلك عن الشركة المنافسة لك في الشارع المقابل. هنا تصبح العلامة التجارية، والوعد الإنساني الذي تقطعه، هي الفارق الحقيقي الوحيد. وتكف القصة عن كونها مجرد غلاف خارجي يحيط بما تبيعه، وتتحول إلى الحصن الدفاعي الأقوى والأكثر صموداً لديك. وكما يكرر دونالد أمام المسؤولين التنفيذيين منذ سنوات: ""عندما يتيح الذكالي للناس بناء أي شيء يمكنهم تخيله، تصبح القصة هي الميزة التنافسية الكبرى"".
أما العبارة المفتاحية التي صنعت الفارق في طرح ميرفي فهي ""على كافة المستويات"". فلم يكن يتحدث عما ينتظره من فريق التسويق فحسب، بل كانت رسالته أشمل وتستهدف الهيكل العمالي بأكمله في الشركة. فداخل أروقة المؤسسات، تمثل القصص النوافذ التي يرى من خلالها الموظفون قيمة أدوارهم وكيف تصب في مصلحة الكيان ككل. كما أن السرد هو الذي يحدد الحالة النفسية للموظف عندما يطأ قدمه مقر العمل صباحاً؛ فالفريق الذي يستطيع أن يشرح بكلماته العفوية الخاصة سبب وجود الشركة هو فريق مؤمن بالرسالة، ويتحرك بشغف ذاتي ليكون سفيراً حقيقياً للعلامة التجارية.
ويستند هذا الرهان إلى حقيقة راسخة، حتى وإن غابت عن أذهان الإدارة، وهي أن شركتك تمثل قصة قائمة بالفعل؛ قصة تروي من أنت، وما هي السلوكيات التي تكافئها وتدعمها، وهل لأعمالكم قيمة حقيقية، وهل يمكن تصديق الوعود القادمة من قمة الهرم الإداري؟ هذه القصة تعيش وتكبر بين الموظفين والعملاء سواء كتبتَها أنت بنفسك أم تركت الظروف تكتبها نيابة عنك.
ما هي الحكاية التي ترويها مؤسستك؟
المصيدة الكبرى هنا هي أن معظم القادة يفترضون أن الثقافة المؤسسية هي مجرد شعارات تُدار عبر البرامج والخطط، أو كلمات منمقة تُطلى بها الجدران، أو استطلاع رأي سنوي لقياس رضا الموظفين، أو خلوة عمل منسقة بعناية. والحقيقة أنه إذا تخلت القيادة عن كتابة ورواية قصتها الحقيقية، فإن شخصاً آخر، أو شيئاً آخر، سيتطوع ليرويها بدلاً عنها؛ قد يكون الشخص الأكثر سلبية وتشكيكاً في كواليس الاجتماعات، أو عملية إعادة هيكلة غامضة لم يتم التواصل بشأنها بشفافية، أو حتى وسائل الإعلام والشائعات.
لقد عاش كل موظف تجربة حضور ذلك الاجتماع العام للشركة الذي تكون فيه الكلمات البراقة المعروضة على الشاشات غريبة تماماً عن الواقع الملموس في القاعة، وشعر كيف تفقد القصة قيمتها وتتلاشى مصداقيتها في الوقت الفعلي. واليوم، باتت الخوارزميات تتولى كتابة القصة بشكل متزايد، سواء عبر خلاصات الأخبار، أو الملخصات الآلية التلقائية، أو ذلك المساعد الرقمي القائم على الذكالي والذي أرسلته لينوب عنك في حضور اجتماع قررت أنت بنفاد صبر أن تتخطاه.
إن الدور الحقيقي والمهام الأسمى للقيادة تتمثل في ""صناعة المعنى""؛ عبر تحديد القيم التي تقف من أجلها المؤسسة بصدق، والتعبير عنها بصوت إنساني واضح وصريح يتحمل المسؤولية، ثم عيش هذا المعنى وتطبيقه باتساق وثبات يكفل صمود القصة وتماسكها تحت أشد الضغوط. يمكننا تسمية هذا الواجب بالأمانة السردية وحراسة القصة. إنها المهمة الوحيدة على طاولة القائد التي لا يمكن تفويضها إلى أي نموذج برمجي، لأنها تعتمد كلياً على أمرين لا يملكهما الذكالي مطلقاً: التقدير البشري الواعي، والفهم الحقيقي للمخاطر والتبعات الإنسانية.
سوف تتجه معظم المؤسسات بلا شك نحو أتمتة مسارات العمل، وضغط الجداول الزمنية، والتخلص من الأعباء الروتينية المتكررة، لكن شيئاً من هذا لن يبني ثقافة مؤسسية حية. لا يمكنك أبداً أتمتة تلك اللحظة الفارقة التي يقرر فيها الموظف من تلقاء نفسه أن لعمله قيمة ومعنى، أو تلك اللحظة الأكثر هدوءاً وجفاءً والتي يقرر فيها أن جهده بلا جدوى. هذا القرار الداخلي يتغذى كلياً على القصة، والقصة لا يبنيها إلا البشر.
وهذا يعيدنا مجدداً إلى نقطة البداية، قبل ربع مليون سنة؛ فالبشر الذين تعلموا كيف يصنعون المعنى ويورثونه للأجيال هم من كُتب لهم البقاء والسيادة مقارنة بمن عجزوا عن ذلك. لقد تغيرت الأدوات اليوم لدرجة يصعب معها التعرف عليها، لكن الجوهر لم يتغير والمهمة بقيت كما هي. ولذلك، فإن السؤال المصيري المطروح على طاولة أي قائد اليوم لا علاقة له بالتقنية أو الخوارزميات، بل يرتبط كلياً بأقدم مهارة عرفها التاريخ البشري: ما هي القصة التي ترويها مؤسستك في هذه اللحظة بالذات، وهل كتبتها أنت بصدق قلمك وفكرك، أم سمحت لآلة أو لظروف عابرة بأن تكتبها نيابة عنك؟
