القائمة الرئيسية

خمس ركائز لبناء الازدهار الشامل في إفريقيا

خمس ركائز لبناء الازدهار الشامل في إفريقيا
ملخص المقال

يراجع المقال حصيلة خمسة عشر عاماً من الشراكة بين البنك الدولي والوكالة الفرنسية للتنمية في دعم السياسات التنموية بإفريقيا، ويؤكد أن القارة، رغم ما أظهرته من مرونة اقتصادية وتوقعات نمو إيجابية، ما تزال تواجه تحديات كبيرة في الحد من الفقر وخلق فرص عمل كافية وعالية الجودة. ويخلص إلى خمس أولويات رئيسية لتحقيق تنمية أكثر شمولاً واستدامة: توفير وظائف نوعية من خلال تنمية القطاع المنظم، وتحفيز القطاعات الاقتصادية القادرة على استيعاب العمالة مثل الزراعة والصناعة والسياحة والاقتصاد الرقمي، وتعزيز الحوكمة الرشيدة وبناء مؤسسات فعالة تستعيد ثقة المواطنين وتجذب الاستثمارات، وتسريع التكامل الاقتصادي الإقليمي للاستفادة من الأسواق المشتركة وسلاسل القيمة، وتحويل الهجرة من تحدٍ إلى فرصة تنموية عبر الاستثمار في المهارات وتسهيل التنقل المنظم. ويؤكد المقال في ختامه أن تحقيق الازدهار في إفريقيا يتطلب إصلاحات هيكلية طويلة الأمد تستند إلى الأدلة العلمية، وشراكات مؤسسية مستدامة، وسياسات قادرة على تحويل النمو الاقتصادي إلى تحسن ملموس في مستوى معيشة السكان.

شهدت الأعوام الخمسة عشر الماضية تعاوناً مثمراً ومستداماً بين مكتب رئيس الخبراء الاقتصاديين لمنطقة إفريقيا التابع للبنك الدولي والوكالة الفرنسية للتنمية، وتولت منشورات البنك الدولي تنسيق هذا الجهد المشترك الذي سعى إلى توظيف الأدلة والبحوث العلمية في صياغة السياسات التنموية عبر سلسلة ""منتدى التنمية الإفريقية"". وقد أثمرت هذه الشراكة عن إطلاق أكثر من ستة وثلاثين مؤلفاً أسهمت في رسم ملامح الإصلاحات الهيكلية، وتحديد مسارات الاستثمار الخارجي والداخلي، واختيار التوجهات المؤسسية الكفيلة بدعم مسيرة التنمية وتجويد مخرجاتها في شتى أنحاء القارة.

ويأتي هذا النتاج المعرفي المشترك في منعطف اقتصادي بالغ الأهمية، حيث أبانت اقتصاديات دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى عن مرونة ملحوظة في مواجهة الأزمات. ورغم الاضطرابات الجيوسياسية التي ألقيت بظلالها على منطقة الشرق الأوسط في الربع الثاني من العام، إلا أن مؤشرات النمو حافظت على تماسكها وصدارتها وفقاً لأحدث قراءات تقرير ""الآفاق الاقتصادية العالمية""، إذ تشير التقديرات إلى تسارع وتيرة النمو في القارة الإفريقية من نحو أربعة بالمئة في عامي 2025 و2026 لتصل إلى أربعة فاصلة أربعة بالمئة في عام 2027. ورغم هذه الأرقام الإيجابية، فإن واقع الحال يشير إلى أن معدلات الفقر لا تتراجع بالسرعة المأمولة، بل إن الأعداد المطلقة للفقراء ما زالت في تصاعد مستمر، مما يؤكد أن نموذج النمو الاقتصادي المتبع حالياً لم يعد يلبي الطموحات. وتبرز اليوم حاجة إفريقيا الملحة إلى نمو حقيقي قادر على توليد فرص عمل وفيرة وذات قيمة، وفتح آفاق رحبة أمام الشباب والمرأة، وتثبيت الركائز الأساسية التي تحفز استثمارات القطاع الخاص وتضمن ديمومتها.

واحتفاءً بالذكرى السنوية الخامسة عشرة لتأسيس هذه الشراكة وفي ختام أعمالها، نستعرض خمس رؤى جوهرية استخلصت من واقع البحوث والدراسات الحديثة، لتشكل معاً جدول أعمال عملي يرسم معالم الطريق نحو مستقبل واعد للقارة الإفريقية.

أولاً، الوظائف النوعية هي حجر الزاوية لمستقبل إفريقيا يعد ملف التشغيل والوظائف التحدي الأكبر والركيزة المحورية التي تشغل بال القارة، إذ يتعين على إفريقيا تحقيق نمو اقتصادي مستدام ومستقر لابتكار نحو خمسة وعشرين مليون وظيفة سنويًا من الآن وحتى حلول منتصف القرن الحالي في عام 2050، وذلك لاستيعاب الطاقات الشبابية المتدفقة وسد احتياجات السكان الذين هم في سن العمل والذين تتزايد أعدادهم بنسب متسارعة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إحصاء عدد الوظائف وتوفيرها فحسب، بل يمتد ليشمل جودة هذه الوظائف ونوعيتها؛ فحتى اليوم، ما زالت الأنشطة غير الرسمية تستحوذ على أكثر من ثمانين بالمئة من حجم العمالة الإجمالية، وهو ما يكبح معدلات الإنتاجية، ويقلص مستويات الأجور، ويزعزع الاستقرار الاقتصادي للأفراد. ومن هنا، فإن الانتقال نحو بناء مؤسسات وشركات كبرى منظمة وقابلة للتوسع والنمو يصبح ضرورة قصوى لإنتاج وظائف مستقرة وعالية الجودة بالسرعة والتشبع المطلوبين.

ثانياً، دفع عجلة التشغيل يمر عبر إنعاش القطاعات الاستراتيجية إن خلق منظومة توظيف واسعة النطاق يتطلب بالضرورة تحقيق نمو راسخ ودائم في القطاعات الحيوية التي تملك قدرة استيعابية كبيرة للأيدي العاملة. وما زالت المعضلة الاقتصادية في إفريقيا ذات طبيعة هيكلية تتلخص في ضعف الاستثمارات، ومحدودية الإنتاجية، وعجز الشركات الناشئة عن التوسع، مما يعيق مسار التحول الاقتصادي المنشود. وتؤكد التجارب الواقعية أهمية الاعتماد على نهج عملي مرن ينظر إلى الاقتصاد بوصفه منظومة متكاملة، ويربط بين الأدوات السياسية المتاحة والقدرات الفعلية لكل دولة على حدة، بدلاً من إسقاط قوالب تنموية جاهزة ونماذج موحدة لا تراعي خصوصية كل بلد.

وتؤكد الدراسات الاقتصادية وجود قطاعات واعدة تختزن طاقات هائلة لإنتاج عمالة كثيفة، وفي مقدمتها القطاع الزراعي، والصناعات التعدينية، وقطاع الإسكان والتشييد، بالإضافة إلى الخدمات السياحية والفندقية واقتصاد المعرفة الرقمي. وتستطيع هذه القطاعات أن تتحول إلى روافد أساسية للنمو الشامل متى ما اقترنت الاستثمارات الموجهة لتطوير البنية التحتية وتنمية رأس المال البشري بإصلاحات تشريعية تتيح لمؤسسات القطاع الخاص حرية التوسع والمنافسة والابتكار. وسيكون دعم المنشآت الاقتصادية الكبرى، وتحفيز التنافسية الحرة، وصقل القدرات المؤسسية من العوامل الحاسمة لترجمة هذه الطاقات إلى واقع ملموس.

ثالثاً، الحوكمة الرشيدة هي الضمانة الأساسية للازدهار المشترك يرتبط استمرار النمو الاقتصادي ونجاح خطط التشغيل ارتباطاً وثيقاً بمدى قوة المؤسسات العامة وعمق الثقة المتبادلة بين الأنظمة والشعوب. وتشهد القارة تصاعداً ملحوظاً في وعي المواطنين الذين باتوا يطالبون بإلحاح بحوكمة أفضل، وخدمات عامة متميزة، وفرص اقتصادية عادلة. وقد تزايدت وتيرة الحركات الاحتجاجية والمطالبات الشعبية على مدى العقد المنصرم تعبيراً عن القلق العام تجاه قضايا البطالة، وتدني جودة الخدمات الأساسية، والسياسات الضريبية، وغياب الشفافية والمساءلة.

ويتطلب ترميم جسور الثقة وإعادتها توجيه الإنفاق العام بكفاءة عالية، وضمان شفافية القوانين والأنظمة التي تحكم الأسواق، وبناء مؤسسات قادرة على العطاء تخضع لمبادئ المساءلة والنزاهة. ولا تعد هذه المبادئ مجرد شعارات سياسية أو غايات إدارية، بل هي ضرورات واشتراطات اقتصادية لا غنى عنها، إذ إن وجود مؤسسات فاعلة وقوية يعد المغناطيس الحقيقي لجذب رؤوس الأموال والاستثمارات، وتأمين البنية التحتية الحديثة، وتقديم الدعم للشركات، وتهيئة المناخ الملائم لنمو الوظائف وتوليدها على نطاق واسع.

رابعاً، التكامل الإقليمي جسر يعجل بالتحول الهيكلي يمثل التكامل الاقتصادي بين دول القارة أداة قوية لمضاعفة المكاسب التنموية من خلال توسيع رقعة الأسواق المستهدفة، وتذليل العقبات التي تواجه عمليات الإنتاج، ودفع عجلة التصنيع المشترك. ورغم أن حجم التجارة الخارجية لإفريقيا يعادل نسبة مئوية ضخمة من ناتجها المحلي الإجمالي تضاهي معدلات منطقة شرق آسيا، إلا أن القارة السمراء لم تحصد ثمار التحول الهيكلي ذاته، والسبب في ذلك يعود إلى أن الصادرات الإفريقية ما زالت تقتصر في معظمها على المواد الخام والسلع الأولية المعدة للتصدير نحو الأسواق العالمية. وفي المقابل، فإن التجارة البينية الإفريقية الإفريقية، المتميزة بطبيعتها بالتنوع والاعتماد على السلع المصنعة، لا تتجاوز نسبتها خمسة عشر إلى عشرين بالمئة فقط من إجمالي الحجم التجاري للقارة.

وتثبت الخلاصات المستندة إلى دراسة ""دمج إفريقيا من الخيوط إلى المراكز"" أن الوحدة الاقتصادية والتكامل الإقليمي لم يعودا مجرد خيار مفضل أو طموح نظري، بل غديا ضرورة حتمية لإحداث التحول الاقتصادي الشامل. وتسهم شبكات الإنتاج الإقليمية في فتح آفاق جديدة للتصنيع لم تكن ممكنة من قبل، وذلك عبر تمكين الدول من التخصص في مجالات محددة، وتكامل سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية، والولوج المشترك إلى أسواق استهلاكية كبرى يتعذر الوصول إليها بجهود فردية منعزلة. وتقدم اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية اليوم فرصة ذهبية لتسريع هذه الخطوات وتهيئة البيئة لظهور صناعات متكاملة ومترابطة إقليمياً.

خامساً، استثمار ملف الهجرة وتحويله إلى رافعة للازدهار غالباً ما تُدرج قضايا الهجرة في خانة التحديات والأعباء المقلقة، غير أن الإدارة الحكيمة والمنظمة لهذا الملف كفيلة بتحويله إلى ينبوع متجدد للفرص التنموية التي تعود بالنفع على إفريقيا والعالم أجمع. ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الغالبية العظمى من المهاجرين الأفارقة يفضلون البقاء والعمل داخل حدود قارتهم، حيث تتركز تحركاتهم وانتقالاتهم ضمن النطاق الجغرافي للمجموعات الاقتصادية الإقليمية، وتأتي هذه الهجرة مدفوعة برغبة فطرية في البحث عن آفاق اقتصادية أفضل، ونشداناً للأمان والاستقرار، وسعياً لبناء القدرة على مواجهة متطلبات الحياة وأزماتها.

وتقف إفريقيا اليوم على عتبة تحول ديموغرافي وسكاني هائل، فالمؤشرات الإحصائية تتوقع زيادة القوى العاملة في القارة بنحو ستمئة مليون شخص بحلول عام 2050، وفي المقابل، ستشهد أسواق العمل في العديد من الدول والمجتمعات ذات الدخل المرتفع انكماشاً وتراجعاً ملحوظاً في أعداد العمالة، مع وفرة مستمرة في رؤوس الأموال الخاصة لدى تلك الدول الغنية. ويسهم هذا التباين الديموغرافي والاقتصادي المزدوج في خلق فرصة استثنائية لمد جسور التواصل وشبك المصالح بين إفريقيا وبقية قارات العالم. وإن وجود أنظمة متطورة لإدارة الهجرة، والتركيز على الاستثمار في صقل المهارات والتعليم، وتسهيل حركة التنقل البيني الإقليمي، من شأنه أن يجعل من الهجرة رافداً حقيقياً يسهم بفعالية في تحسين سبل العيش، ورفع كفاءة الإنتاجية، ودعم مسيرة التحول الاقتصادي الشامل.

وعلى امتداد الأعوام الخمسة عشر الماضية، نجحت الشراكة الاستراتيجية بين البنك الدولي والوكالة الفرنسية للتنمية في ردم الفجوة وصناعة حوار بناء ومستدام بين مراكز البحوث العلمية وصناع القرار السياسي، ضمن إطار مؤسسي رصين. ويؤكد هذا النتاج الفكري والمعرفي الممتد درساً بليغاً ومفاده أن الأدلة والبراهين المستخلصة من الواقع تحتاج إلى نفس طويل ووقت كافٍ لتنعكس آثارها على السياسات العامة، مما يبرز الأهمية البالغة لبناء شراكات بحثية طويلة المدى. وفي الوقت الذي تسعى فيه دول القارة الإفريقية جاهدة لتحويل أرقام النمو الاقتصادي إلى واقع ملموس يحسن حياة الشعوب وسبل عيشها، فإن هذه الركائز الخمس تمثل مرشداً ودليلاً يوجه الإصلاحات الهيكلية، ويوجه الاستثمارات، ويبني الشراكات المطلوبة لإطلاق الطاقات الكامنة في القارة، وتثبيت دعائم الازدهار الشامل والمستدام.

المصدر

مقالات ذات صلة