بدأت ملامح اقتصاديات التزييف عبر الإنترنت تتضح بجلاء؛ حيث أطلقت جامعة كامبريدج موقعاً إلكترونياً جديداً يتتبع، في الوقت الفعلي، تكلفة حشد جيوش الحسابات الآلية (البوتات) عبر أكثر من 500 منصة تجارية ومنصة تواصل اجتماعي، بدءاً من ""تيك توك"" و""تليغرام"" وصولاً إلى ""أمازون"" و""سبوتيفاي""، وفي جلّ بلدان العالم تقريباً.
ويقدم ""مؤشر كامبريدج للأمان والثقة عبر الإنترنت"" (COTSI) أول نافذة منهجية تطل على ""اقتصاد التلاعب الرقمي""، وهو عبارة عن سوق رمادية عابرة للحدود توفر شرائح الاتصال (SIM) وخدمات التحقق عبر الرسائل النصية القصيرة (SMS) اللازمة لإنشاء حسابات وهمية على نطاق واسع. وتُباع هذه الخدمات علناً لتشكل الركيزة الأساسية لمجموعة من الأنشطة الزائفة، بدءاً من تضخيم أعداد المتابعين لزيادة الوجاهة الرقمية، وحسابات إثارة الغضب والجدل، وصولاً إلى حملات التوجيه الممنهجة للتأثير على الرأي العام.
سهولة التزييف
باعتماد الباحثين على بيانات المؤشر الممتدة لعام كامل، تبين أن إنشاء حسابات وهمية في الولايات المتحدة وبريطانيا لا يكاد يفوق تكلفة إنشائها في روسيا إلا بقليل. وفي المقابل، برزت اليابان وأستراليا كأغلى الأسواق في هذا المجال، وهو ما يعكس الارتفاع الكبير في أسعار شرائح الاتصال وضوابط التحقق الصارمة من الهوية هناك. فخلال الاثني عشر شهراً المنتهية في يوليو 2025، بلغ متوسط تكلفة التحقق عبر الرسائل النصية ما يقارب 5 دولارات في اليابان، وأكثر من 3 دولارات في أستراليا، مقارنة ببضعة سنتات فقط في أمريكا وبريطانيا وروسيا.
وهذه الأسعار ليست ثابتة؛ إذ تظهر الدراسة أن تكلفة الحسابات الوهمية على منصات المراسلة مثل ""تليغرام"" و""واتساب"" تميل إلى الارتفاع الحاد قبيل الانتخابات الوطنية، تماشياً مع طفرة الطلب من قِبل حملات التأثير الممنهجة. ففي الشهر الذي سبق 61 انتخابات أُجريت بين منتصفي عامي 2024 و2025، قفزت الأسعار بمعدل 12% على ""تليغرام"" و15% على ""واتساب"".
ويرى مطورو هذا المؤشر، وهم خبراء في مجالات التضليل الإعلامي والعملات المشفرة، أن هذه المعطيات تكتسب أهمية بالغة عند رسم السياسات. وبما أن كل حساب وهمي يعتمد في نهاية المطاف على رقم هاتف وشريحة اتصال فعلية، فإن تنظيم سوق الشرائح يمثل نقطة اختناق محتملة لقطع الإمداد عن هذه الأنشطة. ويقترح المطورون استخدام مؤشرهم لاختبار مدى نجاعة مثل هذه التدخلات التنظيمية في رفع تكلفة التلاعب. ورغم أن الحلول القائمة على مستوى المنصات، كإظهار بلد المنشأ للحسابات (مثلما يفعل موقع X حالياً)، قد تكون مفيدة، إلا أن العديد من مزودي هذه الخدمات يبيعون بالفعل طرقاً للالتفاف عليها.
مستويات هائلة
إن حجم هذا السوق يثير الدهشة؛ إذ يدير الموردون ""مزارع"" من شرائح الاتصال الحقيقية والافتراضية، ويوجّهون تدفق البيانات عبر شبكات الهاتف المحمول لإخفاء مصدرها الأصلي. ويمكن إعادة استخدام الشريحة الواحدة عبر مئات المنصات، حيث تدعم الأرباح المحققة من المنصات عالية الطلب مثل ""فيسبوك"" أو ""تليغرام"" تكاليف تشغيل بقية التطبيقات الأخرى الأقل طلباً. ولا يقتصر مؤشر (COTSI) على رصد الأسعار فحسب، بل يتتبع أيضاً المخزون المتاح من الحسابات الوهمية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات التعارف والألعاب، ومنصات تداول العملات المشفرة، وخدمات توجيه المركبات، والعلامات التجارية الاستهلاكية.
وتتوفر الحسابات بأكبر كميات لمنصات مثل X، و""أوبر""، و""ديسكورد""، و""أمازون""، و""تيندر""، و""ستيم"". وفي الشق الأرخص من السوق، تُباع حسابات منصات شركة ""ميتا""، وتطبيقي ""غريندر"" و""شوبيفاي"" بنحو ثمانية سنتات للحساب الواحد في المتوسط، بينما ترتفع أسعار حسابات ""تيك توك"" و""لينكد إن"" و""أمازون"" بهامش ضئيل. وتظل تطبيقات المراسلة هي الأعلى سعراً، نظراً لاعتمادها على أرقام هواتف ظاهرة وإجراءات تسجيل محلية.
وقد اختبر الباحثون السوق بأنفسهم ليجدوا تفاوتاً كبيراً في جودة الخدمات؛ إذ نجح بعض المزودين في تفعيل حسابات ""فيسبوك"" الوهمية بنسبة تقل عن الربع، بينما عمل آخرون بكفاءة شبه مثالية. وغالباً ما يكمن الفارق في مدى اعتماد الموردين على الشرائح الافتراضية مقارنة بمجموعات الهواتف الفعلية، وهي بنية تحتية مكلفة تتسبب في رفع الأسعار بالبلدان التي تفرض رقابة صارمة على شرائح الاتصال. ويرى الباحثون أن هذه التكاليف المرتفعة تسهم على الأرجح في كبح بعض الأنشطة الخبيثة.
رفع سقف التحدي
لقد أدت تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى رفع سقف هذا التحدي؛ إذ بات بمقدور الحسابات الآلية صياغة رسائل مخصصة، وإدارة حوارات، ومحاكاة السلوك البشري، مما يجعل اكتشاف الحملات المنسقة أمراً غاية في الصعوبة. وقد كشفت دراسة أُجريت العام الماضي عن وجود أكثر من 1000 حساب آلي مدعوم بالذكاء الاصطناعي على منصة X تنخرط في نقاشات مؤتمتة بالكامل.
وتلمح بيانات المؤشر أيضاً إلى البعد الجغرافي لهذه الظاهرة؛ إذ يبدو أن كبار الموردين يمتلكون قواعد عملاء ضخمة في الصين وروسيا، وغالباً ما يستخدمون أنظمة دفع محلية وتظهر في صياغاتهم سمات لغوية كاشفة للهوية. ومع أن الجهات الحكومية تميل إلى الاعتماد على بنى تحتية مغلقة وخاصة بها، إلا أن الباحثين يرجحون أن بعض عمليات التأثير لا تزال تُسند إلى هذا السوق المتشعب.
ومن خلال تحويل هذه المعاملات السرية إلى أرقام وأحجام أسعار يمكن رصدها، يسلط مؤشر (COTSI) الضوء على اقتصاد الظل الذي يغذي الكثير من ممارسات التلاعب عبر الإنترنت. ويؤكد الباحثون أن تتبع حركة الأموال قد يكون السبيل الأكثر عملية لفهم نموذج العمل التجاري الكامن وراء التضليل، ومن ثم تقويضه في نهاية المطاف.
