يعيش مديرو الإدارة الوسطى اليوم أزمة حقيقية؛ إذ يجدون أنفسهم ممزقين بين القيام بدورين متناقضين في آن واحد، ويكافحون بضراوة للوفاء بمتطلبات كليهما. والعلة الحقيقية وراء هذا التخبط لا تعود لقصور فيهم، بل إلى أن هذا الدور الوظيفي لم يُصمم منذ البداية على أسس علمية أو منهجية واضحة.
إن معظم النقاشات المؤسسية المعاصرة حول أزمة الإدارة الوسطى تبدأ من مقدمات خاطئة؛ إذ تسارع الإدارات التنفيذية إلى مراجعة مؤشرات الارتباط الوظيفي، وتوزيع استبيانات الاحتراق المهني، أو إطلاق برامج التوجيه والإرشاد، وكأن المشكلة تكمن في ضعف مرونة المديرين أو قلة تحملهم للضغوط. غير أن حقيقة الأمر تكمن في عمق الهيكل التنظيمي نفسه؛ فهذا الدور لم يولد نتيجة تخطيط مدروس، وإنما نما وتضخم عبر السنين بتراكم طبقة فوق أخرى، حتى بات يحمل فوق كاهله أثقالاً تنوء بها الجبال، ولم يؤسس الهيكل أصلاً لتحملها.
وليس أدل على ذلك من التراجع المستمر في معدلات الارتباط الوظيفي بين المديرين؛ إذ تكشف أحدث بيانات مؤسسة غالوب عن هبوط حاد في هذه المعدلات بلغت قيمته تسع نقاط مئوية خلال سنوات قليلة، ليهبط ارتباط المديرين إلى مستويات سحيقة تقل بكثير عن مستويات الموظفين التنفيذيين المستقلين. ولم تتقلص هذه الفجوة نتيجة طفرة في حماس الموظفين، بل لأن المديرين استُنزفوا تماماً ولم يعد لديهم متسع لتقديم المزيد. وأمام هذا الواقع، تبدو الحلول التقليدية الارتجالية، مثل تنظيم ورش عمل لتعزيز المرونة النفسية أو منح المدير إجازة لمدة أسبوع، مجرد مسكنات موضعية لا تلامس جذر المشكلة وعمقها.
إن الداء الحقيقي يكمن في هندسة الدور الوظيفي وتصميمه، أو بعبارة أدق، في الغياب التام لأي تصميم.
الدور الذي لم يلتفت أحد لصياغته
هذا المشهد يتكرر بحذافيره في معظم الشركات التي أراقبها، بل وحتى في مؤسستي الخاصة؛ هناك طبقة من القيادات العالقة في المنتصف، فلا هم مديرون بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ولا هم موظفون تنفيذيون متفرغون لإنجاز مهامهم الفردية، بل استُحوذ عليهم ليكونوا المزيج المشوه من الاثنين معاً. ينقسم يومهم إلى شقين: الأول شق إنتاجي يتطلب منهم النزول إلى الميدان وإعداد العروض التقديمية، والغرق في جداول البيانات، لتدوير عجلة أهدافهم الشخصية، أما الشق الثاني فهو قيادي بامتياز، تقع عليهم فيه مسؤولية توجيه الفريق، وتفويض المهام، ومتابعة الأداء، وضمان بقاء الجميع على قلب رجل واحد.
قد تبدو هذه القسمة عادلة ومنطقية على الورق، لكنها سرعان ما تتحطم على صخرة الواقع. فالدور التنفيذي والدور القيادي لا يتنافسان على ساعات اليوم المحدودة فحسب، بل يتطلبان مهارتين مختلفتين كلياً وجوهرياً؛ فالأغلبية الساحقة من المديرين ارتقوا السلم الوظيفي لتميزهم الاستثنائي في جودة التنفيذ، في حين لم يلتفت أحد عند ترقيتهم لتقييم قدراتهم على التوجيه، وبناء مهارات الآخرين، وقدرتهم على القيادة.
ومع توالي الأيام، يطفو هذا التناقض الصارخ على السطح؛ فينكب المدير على إنجاز مخرجاته الشخصية خشية التقصير، مما يدفع بالعمل القيادي إلى المقاعد الخلفية، وفي الوقت ذاته، تشرئب أعناق مرؤوسيه إليه طلباً للتوجيه والإرشاد، بينما تطالبه الإدارة العليا بالنتائج والأرقام. وهنا تتقاطع المطالب في لحظة واحدة، ليقع الضغط كالمطرقة والسندان على رأس من هم في المنتصف.
والنتيجة سيناريو مكرر يسهل التنبؤ به؛ يستهلك المديرون ساعات نهارهم بالكامل في مساندة فرقهم وحل مشكلاتهم، مما يضطرهم إلى ترحيل مهامهم الشخصية وأعمالهم الأصيلة إلى الساعات الأولى من الصباح، أو أواخر الليل، أو التضحية بعطلات نهاية الأسبوع. ببساطة، أصبحت التوقعات المطلوبة من هذا الدور تفوق حدود الوقت والقدرة البشرية المتاحة.
كيف تصنع المؤسسات عقباتها بيدها؟
لا يولد هذا الخلل الهيكلي نتيجة قرار استراتيجي موحد، بل يتسلل إلى جسد المؤسسة رويداً رويداً؛ ترقية عشوائية هنا، وطبقة إدارية مستحدثة هناك، أو مجرد محاولة لاسترضاء موظف متميز والحفاظ عليه عبر اختراع مسمى وظيفي براق.
ومع مرور الوقت، تتمدد المؤسسة بشكل رأسي مفرط، لا لشيء إلا لأن هذا التضخم يبدو في الظاهر كأنه المسار الطبيعي للنمو والتوسع.
إنني في مؤسستنا التي تضم ألفين وخمسمائة موظف، أضع نصب عيني هدفاً واضحاً وهو إدارة هذا الكيان عبر ثلاث طبقات إدارية لا غير. ونصيحتي الدائمة لرواد الأعمال هي الاعتماد على أقل عدد ممكن من المستويات التنظيمية، فهذا هو المفتاح السحري لتدفق الأفكار، وسرعة الحركة، وتعزيز روح التعاون. فعندما يتسم الهيكل بالبساطة، تنتقل القرارات بلمح البصر، وتظل الأولويات ناصعة الوضوح، ويسير العمل بسلاسة ودون عوائق تذكر. وفي المقابل، انظر إلى المؤسسات التي تتكدس فيها ست أو سبع طبقات إدارية؛ هناك تتشوه المعلومات وتفقد قيمتها أثناء انتقالها، وتغيب الرؤية الاستراتيجية وتتشتت كلما اتجهت للأسفل، وينقطع السياق تماماً وهو في طريقه للأعلى، ليتحول أولئك القابعون في المنتصف إلى مجرد مترجمين ومنسقين، وممتصين لصدامات وضغوط الجانبين.
وهناك زاوية أخرى مظلمة في هذا الملف نادراً ما يلتفت إليها أحد، ألا وهي نطاق الإشراف؛ فعندما يقتصر إشراف المدير على عدد محدود من الموظفين، فإن الشق القيادي لن يستغرق كل وقته وجهده، وبدلاً من أن تعيد المؤسسة النظر في هيكلها التنظيمي، تسارع إلى سد هذا الفراغ بإغراق المدير بمهام تنفيذية إضافية. وهكذا، يجد المدير نفسه يقوم بوظيفتين كاملتين، ليس لأن طبيعة العمل تقتضي ذلك، بل لأن نطاق إشرافه الضيق لم يشفع له ليكون قائداً متفرغاً للأفراد. إن توسيع نطاق الإشراف لن يحل معضلة الطاقة الاستيعابية فحسب، بل سيجبر المؤسسة على إعطاء مهنة الإدارة قيمتها الحقيقية واعتبارها وظيفة قائمة بذاتها.
وفي بيئة العمل الحالية التي يتقاسم فيها المدير وقته بين التوجيه والتنفيذ، ستكون الغلبة دائماً للمخرجات والمهام المباشرة؛ نظراً لارتباطها بمواعيد تسليم قاطعة، على عكس ملف تطوير الأفراد وبناء الكفاءات الذي لا يرتبط بمواعيد صارمة. ونتيجة لذلك، تُهمل المسؤوليات القيادية وتتراجع في سلم الأولويات، رغماً عن كونها حجر الزاوية لضمان استدامة الأداء على المدى الطويل.
فخ المسميات الوظيفية يضاعف الأزمة
لقد وقعت المؤسسات في خطأ فادح عندما ربطت مسار التطور المهني والترقي بشغل المناصب الإدارية؛ فأصبح السبيل الوحيد أمام الموظف الطموح لزيادة دخله أو رفع مكانته هو الحصول على لقب قيادي، الأمر الذي يدفع بالكفاءات التنفيذية المتميزة إلى مستنقع أدوار وظيفية تتطلب مهارات وقدرات نفسية وفنية مختلفة تماماً عن ملكاتهم الأصيلة.
وقد عاينت هذا الواقع مراراً وتكراراً؛ فعندما تعجز المؤسسة عن تقديم زيادات مالية أو مكافآت مجزية، تصبح المسميات الوظيفية هي العملة البديلة للترضية؛ فيتحول المدير الأول إلى مدير إدارة، وينقلب مدير الإدارة إلى مدير إدارة أول، والواقع أن جوهر العمل لم يتغير منه شيء، ولكنها المسميات التي تتبدل. ومع مرور الوقت، تتوالد الطبقات الإدارية لأسباب لا صلة لها من قريب أو بعيد بحاجة العمل الفعلية.
وعندما تصبح الترقيات مكافأة على سنوات الأقدمية أو نتاجاً لظروف طارئة، بدلاً من بناء خياراتها على المهارات القيادية الحقيقية، تتسع الفجوة وتنكشف العيوب؛ تزداد المسميات فخامة على الورق، لكن الكفاءة الفعلية تظل تراوح مكانها، ويُترك هؤلاء المديرون يرتجلون الحلول في الوقت الفعلي، ويصارعون الأمواج دون طوق نجاة أو دعم مؤسسي حقيقي.
وتأتي الأرقام لتوثق هذه المأساة؛ فبحسب تقرير جاهزية القوى العاملة الصادر عن مؤسسة سكيل سوفت، فإن ثمانية وعشرين بالمئة فقط من الموظفين يوافقون بشدة على أن أشكال الوصف الوظيفي لمهامهم تطابق واقع عملهم اليومي، في حين يقر تسعة وستون بالمئة بأنهم يعيشون في ضبابية تامة أو شبه تامة حول المهارات الحقيقية التي تضمن لهم النجاح والتميز في أدوارهم. إن المسميات تتحرك بسرعة الصاروخ، بينما الأوصاف الوظيفية مكانها سر، والنتيجة أننا نطلب من أشخاص أن يقودوا دفتنا في هذه الفجوة المظلمة دون أن نمنحهم أصلاً دليلاً واضحاً لمعالم الطريق.
قد تبدو هذه القرارات الارتجالية حكيمة وذكية في لحظتها، كونها تسهم في تهدئة النفوس والاحتفاظ بالكفاءات ورفع الروح المعنوية، لكنها على المدى الطويل تحقن جسد المؤسسة بمركبات معقدة واحتكاكات هيكلية؛ فتتكاثر الطبقات، وتتميع التوقعات، وينتهي الأمر بتركيز الضغط كله ليعتصر قلوب من هم في المنتصف.
العلاج في إعادة الهندسة لا في مساحيق التجميل
إن الخروج من هذا النفق المظلم لن يكون بطرح برنامج تدريبي جديد، بل يتطلب وقفة شجاعة لإعادة ضبط الهيكل التنظيمي من جذوره.
والبداية تكون بمراجعة أمينة وصادقة لجدوى هذه الطبقات الإدارية؛ فليس كل خط إنتاجي أو خط تبعية بحاجة إلى مدير يشرف عليه، فبعض هذه الطبقات وجد كحلول مؤقتة وسريعة في وقتها، ولم تولد من رحم الحاجة الفعلية، وإن التخلص من هذه الزوائد التنظيمية لن يضعف كفاءة المؤسسة، بل سيعيد رسم حدود المسؤولية والمحاسبة بنصاعة ووضوح.
أما الخطوة الثانية فهي الفصل التام والحاسم بين مهام التنفيذ وأعمال القيادة؛ ففي جل قطاعات الأعمال، يُعد هذان المساران مختلفين تماماً، ولكل منهما رجاله وأدواته لسبب وجيه؛ فتدريب الفريق وتوجيهه يتطلب تفرغاً ذهنياً كاملاً، وإنجاز الأعمال المعقدة ذات المخرجات الدقيقة يتطلب تركيزاً وانقطاعاً، وإن محاولة الدمج بينهما قسراً دون تعديل سقف التوقعات ستقود المؤسسة إلى تقديم تنازلات مؤلمة، يدفع الجميع ثمنها دون إعلان صريح.
وليس الأمر مقتصراً على حجم وتكدس أعباء العمل فحسب، بل هو قضية مهارات وملكات في المقام الأول؛ إذ يجب على المؤسسات تحديد المتطلبات الحقيقية للقيادة بوضوح وجلاء؛ فالتوجيه، وصقل المواهب، ورسم المسارات، واتخاذ القرارات المصيرية، هي ملكات وقدرات خاصة جداً، والتفوق في ميدان التنفيذ والعمل الفردي لا يعني بحال من الأحوال امتلاك هذه الملكات تلقائياً.
وإذا ما دعت الحاجة الملحّة وصار وجود دور وظيفي هجين أمراً حتمياً لا مفر منه، فيجب صياغته وهندسته بدقة متناهية، بحيث يكون الميزان بين التنفيذ والقيادة مدروساً ومخططاً له بعناية، لا متروكاً للصدف والظروف، كما يجب أن تتلاءم أعباء العمل الموكلة للمدير مع هذا الواقع المعقد.
كذلك، يبرز تفويض سلطة اتخاذ القرار وجعلها أقرب ما يمكن لميدان العمل الفعلي كضرورة قصوى؛ فكثيراً ما نرى مديري الإدارة الوسطى يتحملون أوزار المسؤولية والمحاسبة وهم مجردون تماماً من الصلاحيات والسلطة، يُطالبون بالنتائج والمخرجات ولكنهم لا يملكون حق توقيع قرار أو اتخاذ إجراء، مما يجهض الأفكار في مهدها، ويبطئ حركة المؤسسة، ويصب مزيداً من الزيت على نيران الضغوط التي تلتهم طاقاتهم.
وفي الختام، لا بد من إحداث ثورة في فلسفة الترقي والتطور الوظيفي، لتصبح الكفاءة والقدرة الفعلية هي المعيار الوحيد للتقدم؛ فالمهارات الحقيقية التي يمتلكها الشخص، ونوعية المعضلات التي يستطيع فك شفراتها، والنتائج الملموسة التي يحدثها في أرض الواقع، يجب أن تكون هي المقياس الحقيقي لمكانته، وليس عدد الرؤوس والموظفين الذين يرفعون تقاريرهم إليه.
الخلل في النظام وليس في الأفراد
إن مواجهة هذه المعضلة تتطلب من القيادات العليا في المؤسسات الوقوف بجرأة وتأمل الهياكل التي شيدوها بأيديهم، وطرح السؤال الصعب: هل هذا الهيكل التنظيمي يخدم العمل حقاً ويسهل انسيابه؟ قد تمنحنا الطبقات المتعددة وهماً بالسيطرة والتحكم، وقد توحي لنا الهياكل الهرمية المفرطة بالأمن والاستقرار، لكنها عندما تتحول إلى سدود تعترض المبادرات ونقاط اختناق تشل الحركة، فإنها تنقلب لتوجيه ضرباتها لصدور أبنائها المخلصين بداخلها.
إن الموظفين العالقين في الإدارة الوسطى ليسوا هم المشكلة ولا سبب الأزمة، بل هم ضحايا نظام مكبل يفرض طوفاناً من التوقعات المتضاربة والمسؤوليات المتناحرة على دور وظيفي واحد يعجز أي بشر عن الوفاء به.
لذا، فإن الحل لن يكون بإعادة رسم المربعات والخطوط في الهيكل التنظيمي على الورق وتمني حدوث المعجزات، بل يبدأ بوعي حقيقي لطبيعة المهارات المطلوبة في كل مستوى، وفهم دقيق لما يقتضيه العمل على أرض الواقع، والتحقق من مدى مرونة الهيكل لدعم هذا الواقع. ومن تلك النقطة وتلك النقطة تحديداً، يمكننا صياغة المؤسسة وهندستها لتكون ثوباً مفصلاً على مقاس العمل وطبيعته، بدلاً من إجبار طاقاتنا البشرية على الانكسار من أجل إحياء هياكل تنظيمية بالية تجاوزها الزمن.
