جاء الذكالي ليرفع عن كاهلنا عبء المهام الروتينية والمملة، لكننا وجدنا أنفسنا أمام مقايضة غريبة؛ حيث استبدلنا ذلك العمل الشاق بمهمة جديدة تماماً، وهي التدقيق خلف مخرجات لم نكتبها بأيدينا، مع تحمل المسؤولية الكاملة واللوم وحده عندما تصاب هذه المخرجات بالخلل.
كانت الوعود تدور كلها حول الكفاءة والسرعة؛ إذ كان من المفترض أن يتولى الذكالي المهام الرتيبة، وصياغة المسودات الأولية، وتلخيص البيانات، وكتابة الشيفرات البرمجية الجاهزة، ليوفر للموظفين وقتاً ثميناً يتيح لهم التفرغ للتفكير والإبداع.
لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن لقطاع عريض من الموظفين، حيث سار هذا التبادل في اتجاه عكسي تماماً. فالذكالي لم يلغِ الجهد البشري أو يقلصه، بل كل ما فعله هو استبدال نوع من العمل بنوع آخر. والعمل الجديد المتمثل في الإشراف والمراجعة بات أبطأ خطواً، وأقل إشباعاً للشغف، بل ويصعب تصنيفه وتسميته. ورغم أن الموظفين يظهرون في مؤشرات الأداء الرقمية كمنتجين خارقين، إلا أن روح العمل وجوهره، من لمسات إبداعية وحرفية وخبرة تمنح الوظيفة قيمتها، يتم انتزاعها وتجفيفها من الداخل.
وقد بدأ الباحثون بالفعل في رصد هذا التحول وقياس أبعاده. إذ كشف استطلاع رأي أجرته مجلة هارفارد بزنس ريفيو وشمل 1488 موظفاً بدوام كامل في الولايات المتحدة، أن 14% ممن يتكئون على الذكالي يعانون نوعاً فريداً من الإرهاق الذهني، أطلق عليه القائمون على الدراسة اسم ""احتراق الدماغ""، وهو حالة من الإنهاك الفكري تنجم عن مراقبة أدوات الذكالي بشكل يفوق القدرات الاستيعابية والمعرفية للشخص. وقفزت هذه النسبة بشكل ملحوظ في التخصصات التي تعتمد بكثافة على هذه التقنيات، لتصل إلى 26% في قطاع التسويق، و19% في الموارد البشرية، و18% في الهندسة.
وفي سياق متصل، قضى باحثون من كلية هاس لإدارة الأعمال بجامعة كاليفورنيا في بيركلي ثمانية أشهر داخل شركة تقنية تضم مائتي موظف، في دراسة منفصلة نشرتها أيضاً مجلة هارفارد بزنس ريفيو. وتوصلت الدراسة إلى أن الذكالي التوليدي لم يمنح العاملين أي وقت فراغ، بل على النقيض تماماً، أسهم في توسيع دائرة المهام التي شعروا بأنهم ملزمون ومطالبون بإنجازها، لدرجة أن صياغة الأوامر البرمجية الموجهة للذكالي تسللت إلى تفاصيل حياتهم اليومية، فالتهمت فترات الغداء، والدقائق المستقطعة قبل الاجتماعات، وامتدت لتشغل الأمسيات.
وتحمل كلتا الدراستين في طياتهما تفاصيل دقيقة وتفسيرات أعمق؛ فبحوث جامعة بيركلي تركز على شركة واحدة لم تُكشف هويتها ولا تزال مستمرة، في حين أشار استطلاع ""احتراق الدماغ""، الذي أُعد بالتعاون مع مجموعة بوسطن الاستشارية، إلى ملمح طريف، وهو أن الموظفين الذين يعتمدون على وكلاء الذكالي المستقلين أبدوا شعوراً بالاحتراق الوظيفي التقليدي بنسبة أقل من زملائهم الذين لا يستخدمون التكنولوجيا على الإطلاق. ويفسر الباحثون ذلك بأن مقاييس الاحتراق الوظيفي المعتادة ترصد الإجهاد البدني والنفسي العام، بينما تعجز عن قياس الضغط المعرفي الحاد والمركز الذي يفرضه الإشراف المستمر على مخرجات الذكالي، وهو ما يجعل الربط المباشر بين مجرد ""استخدام الذكالي"" و""معاناة الموظف"" أمراً شديد التعقيد.
الرقابة على مخرجات الذكالي جهد بشري حقيقي
إن القيمة الحقيقية لهذه الدراسات تكمن في تحديدها للاتجاه الذي نسير فيه، وهو الأمر نفسه الذي يؤكده الخبراء والممارسون ممن يتولون بناء هذه الأنظمة وتطويرها. وفي هذا الصدد، يقول ماريانو فاكوندو سكيليانو، مؤسس شركة فيجن تيك سوليوشنز المتخصصة في تشغيل وكلاء الذكالي في بيئات العمل الفعلي: ""يفقد الذكالي صفته كأداة مساعدة في اللحظة التي يصبح فيها الجهد والمجهود المبذول في مراقبته وتدقيق مخرجاته أكبر من الوقت الذي يوفره لك. فالمساعد الحقيقي يمنحك وقتاً إضافياً، أما العبء والالتزام فيسلبك وقتك، ويلقي على عاتقك فوق ذلك كله مسؤولية تحمل المخاطر"".
هذا العبء الخفي يظل عصياً على القياس الكمي في الغالب، لأن تتبع الأخطاء والإشراف لا يُدرج في القوائم الرسمية كعمل فعلي. فالأفراد الذين يقضون ساعات طوال في مراجعة البيانات، واقتناص الهلوسات الرقمية، وتحمل اللوم كاملاً إذا ما تسلل خطأ ما إلى العلن، يبذلون جهداً حقيقياً ملموساً لكنه لا يظهر أبداً في دفاتر إحصاءات الاستخدام.
معضلة الشركات التي تكافئ المؤشرات الخاطئة
ورغم تلك الحقائق، فإن كثافة الاستخدام هي المعيار الوحيد الذي باتت تلتفت إليه وتكافئه شريحة واسعة من كبرى الشركات، مما فجر ظاهرة سباق الاستهلاك المفرط أو ما يمكن تسميته ""جنون تكديس الرموز الرقمية"". واندفعت شركات عملاقة من عينة أمازون، وجي بي مورغان، وميتا، وديزني، إلى وضع لوحات صدارة علنية لتتبع معدلات استخدام الذكالي، مما دفع الموظفين في بعض الأحيان إلى استنزاف ميزانيات الرموز المتاحة لهم لمجرد الارتقاء في تصنيف تلك اللوحات. ووصل الأمر بأحد موظفي ديزني إلى توجيه أكثر من 460 ألف أمر للمساعد الرقمي خلال تسعة أيام فقط. ولم تقف شركة ميتا بعيداً عن هذا المشهد، بل أضفت طابعاً رسمياً على هذه الضغوط حين أعلنت أن ""الأثر الناجم عن استخدام الذكالي"" سيكون ركناً أساسياً في تقييم أداء كل موظف دون استثناء بدءاً من عام 2026، أياً كانت طبيعة دوره الوظيفي.
وهذا ما تصفه أكيلا إي كاماريا، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة لوزين أدفيزوري المتخصصة في الاستراتيجيات التنظيمية، بـ ""فخ المستخدم المتقدم"". فالموظفون الأكثر مهارة وقدرة على تصحيح سقطات الآلة وتنقيح مخرجاتها يُكافأون بإغراقهم بالمزيد منها، دون أن يلتفت أحد لحجم العبء النفسي والذهني الملقى على كواهلهم. وأضافت كاماريا: ""لقد توقفت المؤسسات عن مكافأة الموظفين بناءً على حسن تقديرهم وخبرتهم، وباتت تكافؤهم على مدى قدرتهم على تلقيم آلة الرموز الرقمية"". إنها إعادة إنتاج للأزمة القديمة الشهيرة بـ ""معضلة عدد أسطر الشيفرة البرمجية""؛ فمتى ما جعلت المكافأة مرتبطة بالكمية الكثيفة، حصلت على سيل جارف من الإنتاج، دون أي اعتبار للقيمة الحقيقية ومدى جدوى هذا الإنتاج.
تنامي ديون التقدير الفكري وضياع الحكمة
لم تكن هذه الموجة من الذعر بدعاً من القول، فكل تكنولوجيا عامة ظهرت عبر التاريخ فجرت مخاوف مشابهة؛ فقيل قديماً إن الآلات الحاسبة ستقضي على ملكة الحساب والرياضيات، وإن التدقيق الإملائي الآلي سيمحو مهارة الهجاء، وإن بيئات التطوير البرمجي ستفرز مبرمجين عاجزين عن فهم منطق عملهم. وفي كل تلك المحطات، أثبتت الأيام أن المهارة التي تلاشت وضمرت كانت مهارة لم يعد سوق العمل بحاجة إليها، وغدت تلك المخاوف في عين التاريخ مجرد حنين عاطفي لجهود بائدة.
وترى جولي بيدارد، المديرة التدويرية في مجموعة بوسطن الاستشارية والمشاركة في إعداد دراسة ""احتراق الدماغ""، أن هذه المؤشرات تمثل ""صيحة تحذير مبكرة"" وليست حكماً مبرماً، مما يوضح أن سقف التوقعات المعقودة على إنتاجية الذكالي يحتاج إلى إعادة مراجعة وضبط بدلاً من الانكفاء والتراجع الكامل. ومع ذلك، فإن هذا الطرح يترك الباب على مصراعيه أمام سؤال جوهري: ما هي المهارات الحقيقية التي تسير اليوم في طريقها إلى الانقراض؟
إن التآكل الحقيقي الذي يثير قلق الخبراء والممارسين ليس الاحتراق الوظيفي، فهو عرض ظاهري يمكن رصده ومعالجته، بل الخسارة التدريجية والبطيئة لملكة التقدير وحسن الأحكام. ويطلق جوليان بالدوين، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة كوهير ليدرشب جروب للاستشارات القيادية، على هذه الظاهرة اسم ""دين التقدير الفكري""، وهو دين يتراكم ويتعاظم مع الوقت تماماً كالدين التقني في عالم البرمجيات.
ففي كل مرة يكتفي فيها الموظف بالتوقيع واعتماد مخرج جاهز دون أن يمر برحلة البناء الفكري والمنطقي التي أدت إليه، تخسر المهارة الأساسية الكامنة جزءاً من لياقتها وقوتها. ويستطرد بالدوين قائلاً: ""بالنسبة للموظفين الجدد الذين لم يتح لهم الوقت لبناء ذلك الأساس المعرفي الصلب، تتسع هذه الفجوة وتعمق بشكل متسارع. إن الشركات تؤسس اليوم لمعضلة هيكلية كبرى في بنيتها، وتكتفي بإطلاق اسم (مرحلة التكيف الانتقالية) عليها"".
وهنا يبرز وجه الاختلاف الجذري عن قياس الأمر بالآلة الحاسبة؛ فالحساب كان مجرد عملية آلية ميكانيكية، ولم تكن القدرة على تقدير مدى منطقية الرقم الناتج ومعقوليته خاضعة للأتمتة بأي حال. أما الذكالي، فهو يستهدف مباشرة الطبقة التفسيرية والتحليلية في العقل البشري، وهي الطبقة المنوط بها تحديد ما إذا كان المخرج المصاغ بطلاقة لغوية مذهلة صحيحاً في جوهره أم لا.
ويعقب سكيليانو على ذلك بقوله: ""إن المهارة الإنسانية لا تُصقل إلا بالمعاناة ومواجهة الصعاب، والذكالي بارع جداً في محو هذه الصعاب وتعبيد الطريق، وهو ما يبدو في الظاهر كأنه منحة عظيمة، حتى تكتشف متأخراً أن تلك المعاناة كانت هي التدريب الحقيقي والمحك الأصيل"". إن الخطر الحقيقي لا يتمثل في جيل عاجز عن استخدام الذكالي، بل في جيل لا يستطيع العمل إلا من خلال الذكالي؛ جيل يملك القدرة على تمرير الاستنتاجات والموافقة عليها، لكنه يفتقر تماماً للملكة التي تمكنه من معرفة مواطن الخطأ فيها.
أزمة إدارة متخفية في عباءة مشكلة تقنية
أمام هذا الواقع، أين يقع الخط الفاصل الذي تتحول عنده التكنولوجيا من أداة مساعدة إلى وسيلة لتفريغ العقول والمهارات من مضمونها؟ إن المحك الأساسي لا يرتبط بحجم استهلاك الموظف لأدوات الذكالي، فلوحات الصدارة المخصصة لتكديس الرموز تقيس جانباً خاطئاً تماماً ولا قيمة له. بل يتحدد هذا الخط في اللحظة التي يعجز فيها الموظف عن إعادة بناء التسلسل المنطقي والفكر الكامن وراء المخرجات التي يبصم عليها بالموافقة.
وهذا التوصيف ينقل المعضلة برمتها لتصبح مشكلة في ""تصميم نمط العمل"" وليست مشكلة في التكنولوجيا ذاتها. فالمؤسسات والشركات سارعت إلى إقحام الأتمتة في ثنايا دورات العمل الحالية، دون أن تمنح الموظف وقتاً إضافياً مخصصاً للمراجعة والتدقيق، أو التصعيد، أو اتخاذ القرار الصائب، ثم راحت تطالب الموظف نفسه بالركض بسرعة أكبر، ومراجعة كميات أضخم، مع تحميله المسؤولية الجنائية والأخلاقية عن أي هفوة أو خطأ.
ويوضح بالدوين هذه الجزئية بقوله: ""الشركات التي تملك بعد نظر وتستثمر بالتوازي في الآلة وفي بناء الإنسان، ينتهي بها المطاف بفرق عمل قادرة على كبح جماح النظام وتصحيحه عندما يحيد عن الصواب. أما الشركات التي تلهث وراء التكنولوجيا وتغفل الإنسان، فتفرز موظفين يجيدون الضغط على الأزرار وتشغيل الأنظمة، لكن عقولهم تصاب بالشلل التام إذا ما حاولت التفكير بمعزل عنها"".
ويشاطره سكيليانو الرأي مؤكداً أن دور الوكيل الرقمي الأساسي ينبغي أن يتركز في محو العمل وإزالته، لا في نقله وإعادة توطينه فوق كاهل مراجع منهك القوى.
لكن المؤشرات الإحصائية العامة لا تبشر بالكثير من التفاؤل؛ إذ تكشف دراسة صادرة عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (إم آي تي) أن معظم الشركات الكبرى التي تبنت تقنيات الذكالي لم تشهد أي طفرة أو نمو ملموس في أدائها. وفي استطلاع رأي آخر، أكد 40% من موظفي المكاتب في الوظائف غير الإدارية أن الذكالي لم يفلح في توفير دقيقة واحدة من أوقاتهم. إن التكنولوجيا بصفتها المجردة ليست هي من يخط هذه النتائج المحبطة، بل إن المشكلة الحقيقية تنبع من الخيارات الإستراتيجية للمؤسسات، وما تقرر قياسه، ومكافأته، وحمايته. هذه، باختصار شديد، أزمة إدارة بامتياز، وليست أزمة تكنولوجيا أو ذكالي.
