القائمة الرئيسية

ما تكشفه أصغر المشاريع التجارية في نيبال

ما تكشفه أصغر المشاريع التجارية في نيبال
ملخص المقال

يتناول المقال واقع المؤسسات المتناهية الصغر في نيبال، موضحاً أنها تمثل مصدر رزق لنحو 1.5 مليون شخص، إلا أن معظمها أُنشئ بدافع الحاجة إلى كسب العيش وليس بدافع الطموح الريادي، ويعمل بأرباح متدنية وقدرة محدودة على النمو. ويبين أن الفجوة الإنتاجية الكبيرة بين المؤسسات الرسمية وغير الرسمية لا تعود إلى التسجيل القانوني بحد ذاته، بل إلى امتلاك المؤسسات الرسمية قدرات وإمكانات أفضل منذ نشأتها، مما يجعل سياسات فرض التحول إلى القطاع الرسمي وحدها غير كافية. ويدعو المقال إلى تبني سياسات متمايزة؛ فتُوجَّه برامج التمويل والتدريب والتكنولوجيا للشركات الواعدة القابلة للنمو، بينما تُقدَّم الحماية الاجتماعية والدعم الأساسي للمشاريع المعيشية، بالتوازي مع إصلاحات اقتصادية شاملة تعزز الاستثمار وتخلق وظائف رسمية، بما يحد تدريجياً من الاعتماد على العمل غير الرسمي.

امرأة تزن البصل بميزان يدوي، وخياط يمارس عمله باستخدام آلة خياطة واحدة في غرفة جرى تحويلها إلى مشغل، وبائع شاي متجول يستقر في مكان يكتظ بحركة المارة. تُعد هذه المشاريع المتناهية الصغر مشهداً مألوفاً على طول الشوارع المزدحمة في مدينة كاتماندو. ولكن على الرغم من وضوح عيانها في الأزقة والأسواق، إلا أنها تكاد تكون غير مرئية تماماً في الإحصاءات الرسمية. ومن المثير للدهشة أن صناع السياسات لا يعرفون سوى القليل جداً عن هؤلاء الرياديين وأعمالهم، بما في ذلك هوية من يديرونها، وكيفية أدائها، وما الذي يمكن أن يساعدها على النمو والازدهار.

يستند تقرير جديد صادر عن البنك الدولي إلى مسحين جديدين للمؤسسات لتسليط الضوء على هذا القطاع الذي لم ينل حقه الكافي من الدراسة والبحث. ويقدم التقرير مبررات قوية لتبني نهج سياسي متمايز ومخصص لما يقارب مليوناً ونصف المليون نيبالي يعملون في مؤسسات متناهية الصغر، سواء كانت رسمية أو غير رسمية، حيث يفوق عددهم إجمالي العاملين في الشركات الصغيرة والمتوسطة في البلاد مجتمعة.

معظم المشاريع متناهية الصغر غير الرسمية هي استراتيجيات للبقاء وليست محركات للنمو

ترسم البيانات صورة واضحة المعالم حول هوية من يديرون هذه المشاريع والأسباب الكامنة وراءها. فقد تبين أن معظم أصحاب هذه الأعمال لم يطلقوا مشاريعهم بدافع الطموح الريادي، بل لأنهم لم يجدوا خياراً آخر أمامهم. كما أن الكثيرين منهم يعملون بأرباح شهرية تقل عن الحد الأدنى للأجور، مما يعني أن مكاسبهم تعكس في المقام الأول قيمة جهدهم العضلي والبدني، وليس عائداً على رأس المال أو دليلاً على الفطنة التجارية. وتوظف المؤسسة المتوسطة غير الرسمية متناهية الصغر قرابة شخص ونصف فقط، وعادة ما يكون هذا الشخص هو المالك نفسه ومعه أحد أفراد أسرته، في حين أن ثمانية بالمئة فقط من هذه المشاريع توظف عاملاً واحداً بأجر. وتمتلك النساء ما يقرب من نصف هذه المشاريع، حيث تعمل الكثيرات منهن من المنزل للموازنة بين كسب العيش ومسؤوليات الرعاية الأسرية.

إن هذه المشاريع ليست كيانات تجارية تسعى إلى التوسع والنمو، بل هي أسر وعائلات تتخذ من العمل الحر وسيلة للتكيف والصمود في ظل اقتصاد عجز عن توليد وظائف كافية ذات أجور لائقة لاستيعابهم.

فجوة الإنتاجية حقيقة واقعة لكن إضفاء الطابع الرسمي ليس هو الحل

تنتج المؤسسات الرسمية متناهية الصغر في نيبال مخرجات لكل عامل تزيد بنحو ستة أضعاف مقارنة بالمؤسسات غير الرسمية، وتبرز هذه الفجوة بوضوح في جميع القطاعات بلا استثناء. ومع ذلك، تكشف البيانات عن نتيجة مذهلة تخالف التوقعات السائدة، حيث تبين أن ثمانية وستين بالمئة من المؤسسات الرسمية متناهية الصغر كانت رسمية منذ اليوم الأول لتأسيسها. ويعود السبب في تسجيل هذه الشركات مبكراً إلى امتلاكها مسبقاً للقدرات والجاهزية التي تمكنها من الاستفادة من هذا الإجراء، وليس لأن التسجيل هو الذي منحها تلك القدرات. وفي المقابل، فإن الاثنين وثلاثين بالمئة من الشركات التي بدأت عملها بشكل غير رسمي ثم قننت أوضاعها لاحقاً، تراكم لديها عدد أقل من القدرات الإنتاجية في مراحلها الأولى، وتظل تعاني من هذا الضعف والنقص حتى بعد تسجيلها رسمياً.

تنتج المؤسسات الرسمية متناهية الصغر في نيبال مخرجات لكل عامل تفوق المؤسسات غير الرسمية بنحو ستة أضعاف، علماً بأن ثمانية وستين بالمئة من هذه المؤسسات الرسمية كانت مسجلة بشكل قانوني منذ يومها الأول.

ويكتسب هذا الأمر أهمية بالغة عند صياغة السياسات. فالرغبة التلقائية في تحويل كافة المشاريع إلى القطاع الرسمي، والمدفوعة بالاعتقاد القائل بأن خفض الرسوم وتقليص المعاملات الورقية سيتبعه نمو تلقائي، تقوم على فرضية لا تدعمها البيانات الواقعية. فبالنسبة للغالبية العظمى من الشركات غير الرسمية التي تعمل عند مستوى الكفاف، لا تمثل الإجراءات البيروقراطية العائق الأساسي أمام نموها، بل إن العقبات تكمن في جوانب أكثر عمقاً، مثل انخفاض رأس المال البشري، ومحدودية الأصول والموارد، وغياب الطموحات التوسعية، وقبل كل شيء، وجود اقتصاد يفتقر إلى البدائل والفرص.

بالنسبة لغالبية الشركات غير الرسمية التي تعمل عند مستوى الكفاف، تشمل عوائق النمو انخفاض رأس المال البشري، ومحدودية الأصول، وضآلة الطموح نحو التوسع، وفوق هذا كله، بيئة اقتصادية توفر خيارات بديلة شحيحة للغاية.

ومع ذلك، تظل الإصلاحات الرامية إلى خفض تكاليف وعقبات التحول نحو القطاع الرسمي أمراً حيوياً، ولكن لأسباب وأهداف مختلفة تماماً. إن تبسيط إجراءات التسجيل، وتقليص تكاليف الامتثال، وتعزيز الحوافز للعمل القانوني، كلها أمور تكتسب أهمية كبرى للشركات التي تمتلك المقومات الذاتية للاستفادة من هذا التحول، فضلاً عن دورها في ضمان تمكين الشركات الإنتاجية الجديدة من دخول السوق بصفة رسمية وقانونية منذ البداية.

الشركات غير الرسمية ليست قالباً واحداً

لا يمكن تصنيف القطاع غير الرسمي بوصفه كتل متجانسة متشابهة، وهنا يصبح الطرح السياسي أكثر دقة وتحديداً. تظهر التحليلات أن حوالي اثنين وعشرين بالمئة من الشركات غير الرسمية تمتلك إمكانات إنتاجية حقيقية وتظهر قدرات تشبه إلى حد كبير الشركات الرسمية، ويتجسد ذلك في نمط الإدارة الذي يتبعه المالك، مثل الاحتفاظ بالدفاتر المحاسبية، والتفاوض الذكي مع الموردين، والرغبة الجادة في التوسع، حتى لو لم تعكس أرقام أدائها الحالي هذه القدرات بعد. ويمكن لتقديم الدعم المستهدف والنوعي لهذه الفئة، مثل تسهيل الحصول على الائتمان والتقنيات الحديثة، وتوفير التوجيه والإرشاد التجاري المكثف، وبناء روابط تسويقية أقوى، وتوفير مسارات ميسرة للتقنين، أن يحدث فارقاً حقيقياً وملموساً في مسيرتها.

تحتاج هذه النسبة البالغة اثنين وعشرين بالمئة من الشركات الواعدة إلى دعم موجه يشمل تسهيل الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا، والتدريب التجاري المكثف، وتعزيز الروابط بالأسواق، وتوفير مسارات ميسرة للتحول إلى القطاع الرسمي.

أما بالنسبة للمجموعة الأكبر حجماً والتي تعيش عند مستوى الكفاف أو بالقرب منه، فإن الهدف يتغير تماماً. فلا تصبح الأولوية هنا دفع كل واحدة منها نحو النمو والتوسع، بل تتركز الجهود حول تقليل ضعفها وهشاشتها الاقتصادية. وتتضمن التدابير الكفيلة بتمكين هذه الفئة من الرياديين وزيادة مرونتها تقديم دعم مباشر للدخل، وتوفير مظلة أساسية للحماية من المخاطر، وتقديم تدريب تجاري مبسط وميسر لتحسين أرباحهم تدريجياً، فضلاً عن توفير خدمات رعاية الأطفال للعديد من النساء اللواتي يدرن هذه الأعمال من منازلهن، وتعبيد طرق أكثر ووضوحاً للانتقال إلى وظائف مأجورة ومستقرة كلما أتيحت الفرص.

الرؤية الشاملة والأبعاد الكلية

إن انتشار المؤسسات المعيشية غير الرسمية في نيبال يعكس واقعاً أكبر وأعقد من أن تصلحه سياسة فردية معزولة، ويتلخص هذا الواقع في ضعف نمو الوظائف الرسمية المأجورة ومحدودية فرص الارتقاء الاجتماعي والاقتصادي. وتظل الإصلاحات الشاملة على مستوى الاقتصاد الكلي، والتي تعنى بتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز فرص الحصول على التمويل وتطوير البنية التحتية، وجذب الاستثمارات، هي الأداة الأكثر فاعلية والرافعة الأقوى للحد من العمالة غير الرسمية القائمة على الكفاف، وليس لأن هذه الإصلاحات ستغير طبيعة الشركات غير الرسمية بشكل مباشر، بل لأنها ستخلق وظائف أكثر وأفضل، مما يجعل خيار اللجوء إلى العمل غير الرسمي أمراً غير ضروري.

تعتبر الإصلاحات الهيكلية الشاملة التي تركز على تحسين مناخ الاستثمار، وتسهيل الوصول المالي، وتطوير البنى التحتية، وجذب الرساميل، الأداة الأقوى والأنجع لتقليص حجم القطاع غير الرسمي القائم على تلبية الاحتياجات المعيشية الأساسية.

لقد مرت بنا مؤخراً المناسبة السنوية لليوم العالمي للمؤسسات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وقد شكل ذلك توقيتاً مواتياً للاعتراف بالحقائق المتلازمة؛ فهذه الملايين من المشاريع البالغة الصغر تمثل شريان الحياة للأفراد الذين استُبعدوا من سوق الوظائف الرسمية المنظمة والنوعية. وإن صياغة السياسات السليمة تقتضي النظر إلى هذه المشاريع بوضوح وتجرد، ليكون السؤال المطرح ليس عما ينبغي أن تكون عليه هذه المشاريع في قالب نظري، بل عما تحتاجه كل فئة منها بشكل فعلي وواقعي.

إن ضبط السياسات وتوجيهها يتطلب رؤية هذه المشاريع المتناهية الصغر بوضوح كافٍ، لطرح السؤال الصحيح الذي يبحث عما تحتاجه كل مؤسسة منها بالفعل، بدلاً من التفكير في القالب الذي يجب إجبارها على الاتشاح به.

مقالات ذات صلة