القائمة الرئيسية

مأساة أول بنك بذور في العالم

مأساة أول بنك بذور في العالم
ملخص المقال

يتناول المقال قصة عالم الوراثة السوفيتي نيكولاي فافيلوف، الذي كرّس حياته لمكافحة المجاعة من خلال جمع وحفظ التنوع الوراثي للمحاصيل الزراعية، إيمانًا بأن التنوع البيولوجي هو أساس الأمن الغذائي وقدرة النباتات على مقاومة الأمراض والتغيرات المناخية. ويستعرض رحلاته العلمية التي أسست أكبر بنك للبذور في عصره، ثم الصراع الذي خاضه مع السلطة السوفيتية التي حاربت علم الوراثة بقيادة تروفيم ليسينكو، وانتهى باعتقاله ووفاته جوعًا في السجن. كما يروي المقال الملحمة الإنسانية لعلماء معهده الذين رفضوا أكل مخزون البذور أثناء حصار لينينغراد، رغم موتهم جوعًا، حفاظًا على إرث البشرية الزراعي ومستقبلها. ويختتم بالتأكيد على أن رؤية فافيلوف أصبحت حجر الأساس لبنوك البذور الحديثة، وأن الحفاظ على التنوع الوراثي للمحاصيل يمثل اليوم ضرورة حيوية لمواجهة المجاعات والتغير المناخي والأزمات العالمية.

قاد عالم الوراثة السوفيتي نيكولاي فافيلوف رحلة علمية محفوفة بالمخاطر السياسية والأيديولوجية، واضعاً نصب عينيه هدفاً واحداً: تخليص البشرية من شبح المجاعة إلى الأبد.

في قلب مدينة لينينغراد (سانت بطرسبرغ الحالية)، وتحديداً قبالة ساحة القديس إسحاق الشهيرة، يقف مبنى مهيب من ثلاثة طوابق، بواجهة كريمية ساحرة تزينها الأقواس والأعمدة ونوافذ بالغة الأناقة. للوهلة الأولى، تظن أنك أمام فندق أرستقراطي فاخر مخصص لحفلات الشاي المخملية، وليس مقراً علمياً؛ لكن هذا المبنى كان يضم ""مكتب علم النبات التطبيقي"" التابع للاتحاد السوفيتي.

كان ذلك المظهر الخارجي الخادع يخفي وراءه المؤسسة الأهم عالمياً في دراسة الميراث الغذائي للبشرية وحمايته منذ عشرينيات القرن الماضي، حتى غدا هذا المكتب بمثابة ""حصن فورت نوكس"" المنيع، ولكن للثروة الزراعية لا الذهب.

تولدت هذه المهمة الإنسانية النبيلة لحماية إمدادات الغذاء العالمية في عقل مدير المكتب، عالم الأحياء نيكولاي فافيلوف. ولد فافيلوف في روسيا عام 1887، ونشأ وفي ذاكرته مشاهد قاسية لسنوات القحط؛ فبين جفاف كاسح، وآفات زراعية، وأمراض فتاكة، وصقيع يبتلع الأخضر واليابس، كانت المحاصيل تتلف كل بضع سنوات، حتى إن مجاعة واحدة حصدت أرواح 400 ألف إنسان في طفولته.

قرية فلاحين خلال المجاعة الروسية في الفترة 1891-1892، من كتاب كلارا بارتون ""الصليب الأحمر في السلم والحرب"" (1899).

شكلت هذه المآسي وعي فافيلوف، فصرف عمره محاولاً كبح جماح المجاعات. ورأى أن طوق النجاة يكمن في فك شفرات علم الوراثة الحديث. تلخصت فكرته في أن المحاصيل الزراعية الحديثة التي استأنسها الإنسان أصبحت هشّة أمام تقلبات الطبيعة بسبب ضعف تنوعها الجيني الناتج عن التناسل الداخلي المفرط والمستمر، في حين تتمتع النباتات البرية بقدرة فائقة على الصمود بفضل تنوعها الوراثي الغني. ومن هنا، سعى فافيلوف إلى تهجين السلالات البرية مع المستأنسة لإنتاج محاصيل قوية قادرة على مجابهة الصعاب، ليكون بذلك من الرعيل الأول الذي رسخ مفهوم التنوع البيولوجي.

بيد أن تحقيق هذا الهدف تطلب جمع عينات من تلك النباتات البرية، ولم تكن المهمة قاصرة على الأراضي السوفيتية، فالمجاعات لا تعترف بالحدود السياسية. وفي الوقت ذاته، كان التوسع العمراني في أوائل القرن العشرين يهدد بقرض واختفاء أصناف نادرة من المحاصيل البرية. تسابق فافيلوف مع الزمن، وبدأ في عشرينيات القرن الماضي بجمع وحفظ أعداد هائلة من البذور والحبوب والفواكه والمكسرات والدرنات داخل جدران معهده في لينينغراد.

بدا فافيلوف في أسفاره أشبه بشخصية ""إنديانا جونز""، بقبعته الشهيرة وشاربه الأسود، طائفاً في خمس قارات. قاد 115 بعثة استكشافية جاب خلالها 64 دولة، وجمع حصيلة مذهلة بلغت 380 ألف عينة. وعن هذا التنوع الأسطوري، وصف أحد المؤرخين المجموعة قائلاً إن بعض البذور كان باهتاً بينما يتلألأ بعضها الآخر كالجواهر، وجاءت الجذور والدرنات بمختلف الملامس، فمنها العُقدية الخشنة ومنها الملساء المصقولة كالأواني الفخارية، أما الفواكه فكانت تعبق برائحة تجمع بين عبير المسك، والتخمر الطبيعي، وانتعاش الحمضيات، وشذى الأزهار.

فافيلوف (في الوسط) يزور المهندس الزراعي ألبرتو بورجر (على يمين فافيلوف) في محطة لاستانزويلا التجريبية في أوروغواي، يناير 1937

ولضمان حيوية هذه البذور وعدم تلفها، كان فافيلوف يرسلها دورياً ليقوم الفنيون بزراعتها في حقول وبساتين ممتدة عبر أرجاء الإمبراطورية السوفيتية الشاسعة، ثم يعاد شحن المحصول الجديد كعينات طازجة إلى المركز. كانت الإدارة اللوجستية لهذه العملية أشبه بمعجزة، وبحلول عام 1939، نجح فافيلوف في تأسيس منظومة زراعية متكاملة يعمل تحت إمرتها 25 ألف موظف، يوجههم جميعاً من ذلك المبنى العريق في لينينغراد.

لكن هذه الإمبراطورية العلمية لم يكتب لها الاستمرار، وسرعان ما تهاوت أركانها.

تمثلت الفاجعة في الموقف الأيديولوجي للبيروقراطية السوفيتية التي ناصبت علم الوراثة العداء. ففي الجدال العلمي الأزلي بين أثر ""الطبيعة"" (الوراثة) وأثر ""التنشئة"" (البيئة) في تشكيل الحياة، حسم السوفييت خيارهم تماماً لصالح البيئة؛ إذ كانوا يسعون إلى هدم البنى الاجتماعية القديمة واستبدالها بنظام حديث مبني على فكرة ""الهندسة الاجتماعية""، وكان حلمهم الأكبر هو صياغة ""الإنسان السوفيتي الجديد""، ذلك العامل الباسل الذي يتسامى عن ذاته. وآمنوا بأن إعادة تشكيل البيئة المحيطة كفيلة بإعادة صياغة الطبيعة البشرية نفسها.

وهنا ظهر علم الوراثة كمهدد خفي لهذه الطموحات، لكونه يؤكد أن السمات الفطرية ثابتة ومحفورة في الجينات، مما يعني صعوبة إعادة تشكيل البشر بتلك البساطة. واليوم، ينظر العلماء إلى ذلك الجدال باعتباره تبسيطاً مخلاً، لكنه كان المعركة الفكرية الأشرس في علم الأحياء آنذاك. وانطلاقاً من الفكر الماركسي، أعلن كبار المنظرين السوفييت أن علم الوراثة علم برجوازي خطير لأنه يتناقض مع فكرة بناء الإنسان السوفيتي القائم على تطويع البيئة، وذهب الغلو ببعض المسؤولين إلى حد إنكار وجود الجينات من الأساس.

تزعم هذه الحملة الشعواء شخصية متطرفة تدعى تروفيم ليسينكو، وكان متملقاً حظي بمكانة مقربة عند جوزيف ستالين. سطع نجم ليسينكو في شبابه بعد نشره تقارير زعم فيها ابتكار طرق زراعية تضمن إنتاج كميات قياسية من البازلاء في صقيع الشتاء السوفيتي، وهي تقارير ثبت تزويرها لاحقاً. ولم يتوقف عند هذا الحد، بل تباهى بخطط لزراعة أشجار الليمون في سيبيريا المتجمدة، مرسخاً فكرة أن النباتات لا تأبه بالصفات الوراثية أو برودة الطقس ما دامت تتلقى ""التربية والبيئة"" المناسبة.

ومع صعود ليسينكو في هرم السلطة، استعرض قسوة بالغة في تصفية خصومه الأكاديميين، متسلقاً على جثثهم عبر اتهامهم بالجاسوسية والخيانة العظمى. وبسط نفوذه حتى غدا الآمر الناهي في قطاع الزراعة السوفيتي، فاستصدر قراراً بحظر أبحاث علم الوراثة وتجريمه في المؤسسات التعليمية. وتجسيداً لعقليته الديكتاتورية، توعد باعتقال وزج كل من يرفض التبرؤ من هذا العلم في غياهب السجون.

ولم يكن فافيلوف، بوصفه قطباً من أقطاب علم الوراثة، بمنأى عن هذا البطش. ففي أحد أيام عام 1940، وأثناء قيامه بمهمة ميدانية لجمع البذور في أوكرانيا، باغته رجال الأمن السوفييت واعتقلوه ليوارى في معتقلات ""الغولاغ"" الرهيبة، دون أن تعلم عائلته شيئاً عن مكانه. خيم الرعب على رفاقه في مكتب علم النبات التطبيقي، وباتوا يترقبون مصيرهم المظلم بين ساعة وأخرى.

وفي الوقت الذي كانت فيه الجبهة الداخلية تتآكل، انفتحت أبواب الجحيم من الخارج؛ ففي يونيو من عام 1941، شنت ألمانيا النازية غزوها الشامل على الاتحاد السوفيتي، وكانت لينينغراد هدفاً استراتيجياً، ليس لأهميتها السياسية فحسب، بل لشهية النازيين في الاستيلاء على مكتب فافيلوف. فرغم وحشيتهم، كان العلماء النازيون يدركون القيمة العلمية لعلم الوراثة، وإن وقعوا في المتناقض التام لخطأ ليسينكو، زاعمين أن الجينات هي كل شيء وأن البيئة لا قيمة لها. كان النازيون يعلمون أن مبنى لينينغراد يضم كنزاً زراعياً لا يثمن بمال، وتملكهم الطمع في الاستيلاء على تلك البذور لإجراء تجاربهم الخاصة.

لك أن تتخيل حجم البؤس والضغط النفسي الذي عاشه علماء المكتب؛ فرئيسهم ومُلهمهم مغيب في السجون، وحكومتهم تصمهم بالخيانة، وجيوش النازية تطوق مدينتهم لنهب ثمرة كفاحهم. كان كل شيء يدعو إلى الاستسلام واليأس.

ثم تضاعفت المأساة حين استحال الهجوم النازي إلى حصار خانق طويل لمدينة لينينغراد. وبدلاً من القصف بالمدافع، أشهر النازيون سلاحاً فتاكاً؛ السلاح ذاته الذي نذر فافيلوف حياته لمحاربته: المجاعة. كان الهدف هو تجويع المدينة حتى تركع وتستسلم.

مدافع سوفيتية مضادة للطائرات تطلق النار خلال حصار لينينغراد، نوفمبر 1941. تقع المدافع على مقربة من مكتب علم النبات التطبيقي وكاتدرائية القديس إسحاق، الظاهرة في الخلفية.

في الأشهر الأولى للحصار، صمد السكان متكاتفين، فاستهلكوا المعلبات ومخزونات الحبوب المتاحة. ومع نفاد المؤن، فُرض نظام تقنين صارم قُدر فيه نصيب الفرد البالغ بربع رطل من الخبز الرديء يومياً. تحول الناس بعدها لاصطياد القطط والكلاب، ووصل بهم الحال إلى أكل أحمر الشفاه، وقضم القبعات الجلدية، ومعاطف الفراء لسد الرمق.

الغريب والمذهل في آن، أن المستودع الوحيد المكتنز بالغذاء في طول المدينة وعرضها كان يقع داخل المكتب؛ آلاف العينات من الحبوب المكسرات والدرنات. ومع ذلك، لم يجرؤ عالم واحد على مد يده إلى المخزون ليطفئ نار جوعه. كانوا يموتون سغباً وهم محاطون بالطعام، يلمسونه ويدرسونه ويفكرون فيه كل يوم، دون أن تدخل جوفهم حبة واحدة. وعن تلك الملحمة، قال أحدهم لاحقاً إن الحركة كانت عبئاً ثقيلاً، والنهوض صباحاً يهد القوى، لكن الامتناع عن التهام المجموعة العلمية لم يكن بحاجة إلى تفكير. ولم تكن هذه الكلمات للاستهلاك البلاغي، فقد وُجد أحد العلماء ميتاً على مكتبه من شدة الجوع، وهو يقبض بيده بضع حبات من الفول السوداني المغذي دون أن يأكلها.

كيف صمدوا أمام هذا الإغراء المهلك؟ ولماذا لم يتخلوا عن حكومتهم التي خانتهم، وعن النازيين الذين حاصروهم، ويأكلوا لينقذوا حيواتهم؟ الجواب يكمن في أنهم تساموا عن ذواتهم، ونظروا إلى أفق أرحب.

كانوا يفكرون في الغد، في مرحلة ما بعد الحرب، حين تضع الحرب أوزارها وتحتاج الأمم المنكوبة إلى إعادة إحياء أراضيها وإطعام شعوبها، خاصة في البقاع التي سُحقت محاصيلها. كانوا يعلمون أنهم يملكون مفتاح الإعمار.

كما كانوا ينظرون إلى التاريخ الإنساني في مداه الطويل؛ فمنذ أن بذر المزارع الأول حباته قبل 10 آلاف عام، ظلت سلسلة الزراعة متصلة ولم تنقطع عبر العصور. ورأى هؤلاء العلماء أنفسهم حراساً وأمناء على هذا الإرث البشري الأعظم، وأن قضم حبة واحدة من تلك البذور يعادل كسر هذه السلسلة التاريخية.

وهكذا، انتظر العلماء وراقبوا، وماتوا واحداً تلو الآخر في صمت؛ غيب الموت عالم الأرز، ثم عالم البطاطس، فعالم الفول السوداني، وستة آخرين من زملائهم. لقد حصد حصار لينينغراد، الذي امتد لـ 872 يوماً، أرواح نحو 700 ألف إنسان، لكن التاريخ لم يسجل ميتة أكثر نبلاً وفجيعة من موت هؤلاء العلماء التسعة.

في يناير من عام 1944، انقشع كابوس الحصار وتقهقر الجيش النازي المنكسر. تنفست المدينة الصعداء، وتدفق الغذاء، وشبع الناس بعد سنوات من الحرمان.

لكن طعم النصر كان مراً في حلق من تبقى من علماء المكتب؛ فرغم انجلاء غمة الجوع، كانت فاجعة فقدان الزملاء تدمي قلوبهم، وجاءت الضربة القاضية حين كُشف الستار عن المصير المأساوي لعرابهم نيكولاي فافيلوف.

فمنذ لحظة اعتقاله في أوكرانيا، خضع فافيلوف لاستجوابات وحشية في دهاليز الغولاغ استمرت أحياناً لـ 12 ساعة متواصلة، بهدف إجباره على الاعتراف بـ ""جرم"" تقديم الحقائق العلمية على الولاء السياسي. لكن فافيلوف، وعلى النقيض من موقف غاليلو الشهير، أبى أن يبيع ضميره العلمي. ونظراً في أعين جلاديه متحدثاً لسان حال رفاقه قائلاً إنهم قد يسوقوننا إلى المشنقة، وقد نحترق، لكننا لن نتراجع عن قناعاتنا العلمية أبداً. لم يفلح الطغاة في كسر كبريائه الفكري.

لكنهم كسروه جسدياً؛ ففي ربيع عام 1942، اتبع مسؤولو المعتقل مع فافيلوف السياسة النازية ذاتها: التجويع حتى الإذعان. اقتصرت وجباته اليومية على خثارة الملفوف والدقيق المتعفن. هذا الرجل الذي طاف العالم متذوقاً التفاح البري في كازاخستان، والشعير البري في إثيوبيا، والبطاطس البرية في تشيلي، بات يقتات على فتات لا يسمن ولا يغني من جوع. ضمر جسده، وتحولت أطرافه إلى أعواد يابسة، وغارت عيناه، وغطت الدمامل جلده. ومات الرجل الذي أفنى عقوداً من عمره لإنهاء المجاعة، متأثراً بالمجاعة نفسها في يناير من عام 1943، وهو لم يتجاوز الخامسة والخمسين من عمره.

صور فافيلوف أثناء سجنه، 1942

اليوم، يستعيد فافيلوف مكانته كبطل قومي في الوجدان الروسي. ورغم كل العواصف والتقلبات السياسية، ما زال معهده شامخاً، يحمل اليوم اسم ""معهد ن. إ. فافيلوف لعموم روسيا للموارد الوراثية النباتية"". لقد تبنى المجتمع العلمي العالمي رؤية فافيلوف بأن التنوع البيولوجي الوراثي هو صمام الأمان لمستقبل الغذاء، وتُرجمت هذه الرؤية في إنشاء مستودعات زراعية عملاقة وأكثر تطوراً، لعل أشهرها ""قبو بذور يوم القيامة"" في أرخبيل سفالبارد بالنرويج. ومن إنصاف التاريخ أن المعهد الروسي ساهم بإهداء بذور وعينات لهذا القبو العالمي، يرجع تاريخ العديد منها إلى الرحلات الاستكشافية الأولى التي قادها فافيلوف بنفسه.

بيد أنه في مقابل هذا التكريم العالمي لاسم فافيلوف، تشهد روسيا المعاصرة ظاهرة بائسة تتمثل في إعادة الاعتبار لجلاده تروفيم ليسينكو؛ فبدلاً من نبذه كقاتل مدعٍ للعلم، بات البعض يحتفي به كبطل وطني. ويتسق هذا التحول مع النزوع السياسي الحالي نحو الديكتاتورية وحكم الرجل القوي الذي يعيد للأذهان حقبة ستالين الرهيبة. ويشير باحثون في مقال حديث حول هذه الظاهرة إلى أن حالة العداء المستعرة بين روسيا والغرب ساهمت في تلميع إرث ليسينكو؛ حيث يُصم علماء الوراثة الحاليين بأنهم دجالون يخدمون أجندات العولمة المعادية لروسيا، بينما يُنعت منتقدو ليسينكو بـ ""خونة الأمة"".

هذا الارتداد نحو الأنظمة الاستبدادية قاد بدوره إلى المغامرات العسكرية الأخيرة وتحديداً غزو أوكرانيا، مما تسبب في شل حركة إمدادات الغذاء العالمية، وقفز بأسعار القمح الأوكراني والنفط الروسي إلى مستويات قياسية، ليعود شبح المجاعة ليطل برأسه من جديد فوق الملاعب الدولية.

وثمة أخطار أخرى تحدق بالبشرية؛ فرغم القفزات التكنولوجية الهائلة، باتت المحاصيل الزراعية اليوم أكثر تشابهاً وتجانساً وراثياً من أي وقت مضى، مما يجعلها لقمة سائغة للآفات والأوبئة النباتية. ويأتي التغير المناخي ليزيد الطين بلة مع تطرف الطقس، حتى أصبحت محاصيل استراتيجية ويومية كالموز والشوكولاتة والقهوة مهددة بالزوال. إن رؤية فافيلوف المتمثلة في الحفاظ على التنوع البيولوجي لم تعد مجرد ترف علمي، بل هي مسألة وجود. لقد مارس الإنسان الزراعة لـ 10 آلاف عام خلت، وإذا كُتب لنا البقاء لـ 10 آلاف عام أخرى، فلعل الفضل في ذلك يعود لجهود نيكولاي فافيلوف، وللصمود الأسطوري لأولئك العلماء الذين ماتوا جوعاً في لينينغراد ليحيا العالم.

المصدر

 

مقالات ذات صلة