القائمة الرئيسية

ابتكار أول جهاز قلب ورئة صناعي

ابتكار أول جهاز قلب ورئة صناعي
ملخص المقال

يتناول المقال القصة التاريخية لتطوير أول جهاز ناجح للقلب والرئتين، الذي مهد الطريق لجراحات القلب المفتوح الحديثة، من خلال رحلة الجراح جون جيبون وفريقه، ولا سيما زوجته وشريكته البحثية مالي جيبون، على مدى أكثر من عقدين من التجارب والإخفاقات. ويركز على العملية التاريخية التي أُجريت عام 1953 للمريضة سيسيليا بافوليك، والتي أصبحت أول إنسان ينجو بعد إيقاف قلبه ورئتيه والاعتماد على جهاز خارجي يحافظ على الدورة الدموية والتنفس أثناء الجراحة. ويبرز المقال التحديات العلمية والهندسية والإنسانية التي صاحبت هذا الإنجاز، بما في ذلك سنوات البحث، والدعم الذي قدمته شركة آي بي إم، والمخاطر الهائلة التي واجهها الفريق والمرضى الأوائل، قبل أن يتحول الجهاز تدريجياً إلى أداة أساسية تنقذ ملايين المرضى سنوياً. كما يسلط الضوء على الثمن الشخصي الذي دفعه جيبون وأسرته، ويؤكد أن الإنجازات الطبية الكبرى لا تتحقق إلا بالإصرار، والتعاون، والاستعداد لتحمل المخاطرة في سبيل توسيع حدود المعرفة وإنقاذ الأرواح.

قبل سبعين عاماً، خاضت مجموعة من علماء فيلادلفيا برفقة فتاة شجاعة لم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها مغامرة طبية كبرى، دافعين بحدود الجراحة نحو آفاق غير مسبوقة.

كانت سيسيليا بافوليك تعاني منذ ولادتها من ثقب في قلبها يعادل حجم عملة نصف دولار، ولطالما حذر طبيب عائلتها من أن هذا الثقب سيتطلب تدخلاً جراحياً حتمياً في المستقبل. ومع إشراقة خريف عام 1952 وبداية عامها الجامعي الأول في كلية ويلكس، بدأت أعراض المرض تفرض نفسها بوضوح؛ إذ عانت من تضخم في القلب واضطراب مفاجئ في دقاته، وغدا صعود بضع درجات كفيلاً بإصابتها بضيق حاد في التنفس، حتى انتهى بها المطاف في مستشفى يناير مصابة بالتهاب رئوي حاد مصحوب بسعال مدمى.

وبعد جولة ثانية من التنويم في المستشفى خلال شهر مارس، وضع الأطباء عائلة بافوليك أمام الحقيقة المرة؛ فبينما كان الدم يتدفق إلى الحجرات العلوية للقلب، كان نصفه يتسرب من الأذين الأيسر إلى الأذين الأيمن ليعود مجدداً إلى الرئتين بدلاً من التدفق لتروية بقية أعضاء الجسد. هذا الاختلال الوظيفي جعلها تكابد وهناً مستمراً ودواراً دائماً، ورغم أنها تخطت طفولتها حتى بلغت الثامنة عشرة بلا أعراض تذكر، فإن المؤشرات كانت تؤكد أنها لن تبلغ التاسعة عشرة إن لم يُغلق هذا الثقب.

لكن إجراء جراحة داخل القلب في ذلك الوقت كان يماثل محاولة إصلاح محرك سيارة تنطلق بأقصى سرعتها على طريق سريع. وأمام هذا التحدي البالغ الخطورة، وضع الأطباء سيسيليا أمام خيارين أحلاهما مر.

الخيار الأول، وهو الأكثر شيوعاً حينها، يعتمد على لف جسدها بأغطية مبردة لخفض حرارتها إلى درجات متدنية جداً، مما يبطئ ضربات قلبها ويقلل حاجة خلاياها إلى الأكسجين. كان هذا الإجراء يعني عملياً قيادة الفتاة إلى حافة الموت تجمداً، على أمل أن يمنح ذلك الأطباء دقائق معدودة لرأب الثقب قبل أن يتلف الدماغ.

أما الخيار الثاني فكان يبدو ضرباً من الخيال العلمي المفرط؛ إذ اقترح الأطباء إيقاف قلبها ورئتيها تماماً عن العمل، والاعتماد على آلة ضخمة تتولى وظائف الحياة خارج الجسد.

قادت الأقدار بافوليك إلى جراح من فيلادلفيا يدعى جون ""جاك"" جيبون، وكان هذا الرجل معروفاً بشغفه باختراق المستحيل وتوسيع مدارك الطب البشري. وحين طرح جيبون فكرته لأول مرة في اجتماع الجمعية الأمريكية لجراحة الصدر عام 1939، وقف الجراح الشهير ليو إلويسر مذهولاً ومشيككاً في آن واحد، مشبهاً الفكرة بروايات جول فيرن الخيالية التي تتنبأ بإنجازات تبدو مستحيلة في عصرها لكنها قد تصبح حقيقة يوماً ما.

أمضى جيبون عقوداً من عمره يحاول تحويل هذا الخيال إلى واقع ملموس عبر ابتكار ما سماه ""الدائرة الخارجية للدم""، وهي منظومة ميكانيكية تحل محل القلب والرئتين، فتهدئ ذلك المحرك البشري الصاخب وتوقفه تماماً، لتتيح للجراحين فرصة العمل في بيئة هادئة وآمنة.

وبفضل دعم مهندسي شركة آي بي إم، نجح في تطوير جهاز بلغت تكلفته مليون دولار، يتألف من شبكة معقدة من المصافي والمضخات والأسطوانات، وأثبت كفاءة عالية عند تجربته على الحيوانات. لكن المعضلة الكبرى كانت تكمن في أنه لم يسبق لأي إنسان أن عاش بعد أن جرى تمرير دمه عبر هذه الآلة، بل إن المريض الوحيد الذي جُرب عليه الجهاز قبل عام واحد قد فارق الحياة على الفور.

ورغم تلك النسبة المخيفة، لم تطق بافوليك فكرة تجميد جسدها بالأغطية المبردة وكأنها قطعة سمك معروضة في متجر بقالة، فقررت الاستماع إلى حدس الشباب المتهور والمغامرة بالسير مع جيبون في طريقه المجهول.

واعترف جيبون لاحقاً بعظم تلك التضحية قائلاً إن الموافقة على إجراء كهذا كانت تتطلب شجاعة فائقة تفوق قدرة البشر العاديين.

التقى إصرار جيبون بشجاعة بافوليك عند الخط الفاصل بين العلم والخيال، حيث تضافرت قرون من المعارف الطبية مع القفزات التكنولوجية لتقديم علاج لمعضلة ظلت غير قابلة للحل لقرون. كان جيبون يعلم أن الفشل يعني نهاية مسيرته وتحمل وابل التشكيك، بينما كانت بافوليك تدرك أنها لو نجحت، فستتحول إلى أعجوبة يتحدث عنها الناس؛ المرأة التي أوقف الأطباء قلبها ثم عادت للحياة لتسرد الحكاية.

وقبل أن يغيبها التخدير، وجه إليها طبيب عائلتها نصيحة عفوية تحمل مفارقة ساخرة تظهر عدم استيعابه التام لآلية عمل الجهاز: ""سيلي، تمسكي بالتنفس فقط ولن تموتي"".

لكنها في الواقع نقلت أمانة التنفس والحياة بالكامل إلى هيكل ضخم من الفولاذ المقاوم للصدأ يماثل بيانو عمودياً، بينما شمر جيبون عن ساعديه ليبدأ الجراحة.

لحظة الإلهام: ولادة الفكرة

لم تبدأ رحلة جيبون في غرفة عمليات فيلادلفيا، بل تعود جذورها إلى ثلاثة وعشرين عاماً خلت في بوسطن. ففي أكتوبر من عام 1930، كان جاك طبيباً باحثاً في السابعة والعشرين من عمره بجامعة هارفارد، ويعمل في مستشفى ماساتشوستس العام. وفي أحد الأيام، أصيبت مريضة في قسمه بجلطة رئوية حادة ومفاجئة بعد أسبوعين من خضوعها لجراحة استئصال المرارة، وقف أمامها الأطباء عاجزين تماماً عن تقديم أي عون.

كانت الجراحة لإنقاذها وإزالة خثرة الدم من رئتيها بمثابة طوق النجاة الأخير واليائس، إذ لم يسبق أن تكللت عملية كهذه بالنجاح في تاريخ الولايات المتحدة. ووصف إدوارد تشرشل، الطبيب المشرف على جيبون، هذا الإجراء بأنه أشبه بتشريح جثة منه إلى عملية جراحية؛ فبدون رئتين تمدان الجسد بالأكسجين، تؤول فرص بقاء القلب في العمل أثناء الجراحة إلى العدم.

قضى جيبون ليلته ساهراً بجانب سرير المريضة، يقيس ضغط دمها ونبضها كل ربع ساعة بدقة متناهية، متمنياً حدوث معجزة تجنبهم خوض الجراحة اليائسة. وعندما غابت المريضة عن الوعي في تمام الثامنة صباحاً، بادر تشرشل بإجراء العملية مستغرقاً ست دقائق فقط، لكن شعلة الحياة كانت قد انطفأت ولم يفلح الإنعاش في إعادتها.

انطبعت تفاصيل تلك الليلة الحزينة في وجدان جيبون؛ مشهد المريضة وهي تساق نحو حتفها، ودمها الذي يزداد قتامة كل دقيقة، وأوردتها المتسعة التي توشك على الانفجار، كل ذلك فجر في داخله رغبة عارمة في ابتكار وسيلة تسحب هذا الدم الأزرق القاتم من الجسد المريض، لتعيد شحنه بالأكسجين وتضخه مجدداً أحمر قانياً كوردة نضرة.

لكن أيام بوسطن لم تكن كلها شجناً، ففي مختبر تشرشل نفسه، التقى جيبون بشريكة عمره ومسيرته العلمية، ماري هوبكينسون، التي عرفها الجميع باسم ""مالي"". ولدت مالي في بلدة مانشستر القريبة بولاية ماساتشوستس لعائلة أرستقراطية، وكان والدها تشارلز هوبكينسون رسام بورتريه شهيراً. ولم تكن مالي تنحدر من عائلة طبية كزوجها، بل تولد شغفها بالعلوم الطبية خلال قضاء شتاء دافئ في باريس برفقة قريبتها وزوجها الطبيب، حيث كانت تمطر الأخير بوابل من الأسئلة الطبية كل ليلة، مما فتح أمامها آفاق عالم سحري جديد.

ورغم أنها لم تكن تحوز شهادة جامعية أو خبرة مسبقة، فقد تقدمت فور عودتها بطلب عمل لكلية الطب بجامعة هارفارد. وانبهر تشرشل، الذي كان يتميز بعقليته التجديدية، بذكائها ووظفها كفنية أبحاث، معبراً عن سعادته بتدريب عقلية بكر لم تلوثها المناهج التقليدية. وحين التحق جاك بالمختبر بعد ثلاث سنوات، كانت مالي قد غدت مرجعاً في العمليات المختبرية على الحيوانات، وهي من أدخلته عالم الجراحة التجريبية، حيث بدآ معاً محاكاة الجلطات الرئوية في القطط لاستكشاف سبل علاجها، معتمدة على دقتها الفائقة في تنظيم التجارب وتوثيق البيانات.

توجت هذه الشراكة بالزواج في مارس 1931، وانتقل الزوجان إلى فيلادلفيا، مسقط رأس جاك. وتابعت مالي عملها كمساعدة لزوجها في جامعة بنسلفانيا تزامناً مع بناء أسرتهما الصغيرة. كان جاك يخصص فترات الصباح لجراحات الصدر، بينما ينصرف الزوجان في المساء لإجراء سلسلة من التجارب البحثية، دون أن تفلح أي تجربة في إزاحة تلك الفكرة التي تملكت عقله: إن تمكن الطب من ابتكار جهاز ميكانيكي يعوض وظائف القلب والرئتين مؤقتاً، فسيفتح ذلك الباب لعمليات جراحية دقيقة تُجرى والقلب مكشوف تماماً أمام ناظري الجراح في مجال جاف خالٍ من نزيف الدماء، ليعبر الطب بذلك آخر حدوده المستعصية.

من جراحة الحيوانات إلى تحدي الطب البشري

""إن الطريق المؤدي إلى القلب لا يتجاوز سنتمترين أو ثلاثة في خط مستقيم، لكن الجراحة استغرقت قرابة 2400 عام لتقطع هذه المسافة القصيرة""، هكذا صرح الجراح هاري شيرمان عام 1902 في اجتماع الجمعية الطبية الأمريكية.

كان شيرمان يشير إلى المحاولات الخجولة التي جرت في عصره لرأب القلوب الممزقة نتيحة الطعنات أو الإصابات الصدرية النافذة. ولطالما شكلت جراحة القلب معضلة أرقت الأطباء منذ عهد أبقراط، الذي وصف القلب بأنه ""عضلة بالغة القوة"" وقدم أول تشخيص مسجل للنوبة القلبية، معتبراً العلاج أمراً مستحيلاً بقوله: ""كل جرح يصيب القلب هو جرح قاتل لا محالة"".

لكن المؤشرات في زمن شيرمان بدأت تؤكد أن القلب، الذي طالما اعتقد الأطباء أن مجرد لمسه يفضي إلى الموت الفوري، يمكنه تحمل الكثير من المناورات الجراحية شريطة ألا يتوقف نبضه فجأة. وفي اثنتين وثلاثين حالة، أقدم الأطباء على فتح جدار الصدر واستئصال أجزاء من الأضلاع لرأب جروح القلب وخياطتها بالحرير؛ ورغم أن نصف المرضى قضوا نحبهم، فإن ثلاثة عشر منهم كتب الله لهم النجاة، مما أثبت أن مقولة أبقراط لم تكن دقيقة تماماً.

رسم توضيحي يُبين كيفية الوصول إلى القلب لإجراء جراحة طارئة، مأخوذ من كتاب ""Text-Book of Operative Surgery""، وهو ترجمة إنجليزية لكتاب الجراح الألماني ثيودور كوخر ""Zentralblatt für Chirurgie""، 1903

ورغم اعتراف شيرمان بأن التنبؤ في الطب مغامرة غير مأمونة العواقب، فإنه تنبأ بأن تتركز الخطوات الكبرى القادمة حول هذا العضو الحيوي، ولم يكن يدور في خلده مطلقاً ما سيفعله جاك جيبون بعد نصف قرن.

وفي عام 1934، أقنع جاك أستاذه تشرشل بالموافقة على تفرغه وزوجته لعام بحثي كامل، مكرسين جهودهما لبناء جهاز الدائرة الخارجية للدم.

ولم يلق الزوجان تشجيعاً من أحد، حتى من تشرشل نفسه الذي وافق على مضض. وعاد الزوجان إلى بوسطن برفقة طفليهما الصغيرين، ماري وجون، وسط أجواء محبطة؛ إذ كتبت مالي لاحقاً: ""كان الانطباع العام السائد في الوسط الطبي أن هذا المشروع يمثل هدراً هائلاً لوقت وطاقة باحث شاب متميز في مهمة مستحيلة"". بل إن أحد الزملاء نصح جاك صراحة بالتخلي عن الفكرة وكبح طموحاته إن كان يتطلع إلى مستقبل أكاديمي مرموق، وثبط جميع أصدقائه عزيمته باستثناء صديق واحد، لكن الزوجين مضيا في طريقهما دون التفات للمثبطين.

بدأت أبحاثهما بالاعتماد على الحيوانات الشاردة؛ إذ كان الزوجان يجوبان شوارع منطقة بيكون هيل في بوسطن ليلاً، مستعينين بقطع التونة كطعم وأكياس الخيش لاصطياد قطط الشوارع، نظراً لصعوبة التعامل مع أوردة الحيوانات الصغيرة وارتفاع تكلفة شراء الكلاب.

مالي جيبون (على اليمين) تجري عملية جراحية لقطة في جامعة بنسلفانيا، 1938

ولمحاكاة الجلطة الرئوية، كانا يغلقان الشريان الرئوي للقط بمشبك خاص، ثم يسحبان الدم من الوريد الوداجي ليمر عبر جهاز يغذيه بالأكسجين ويطرد منه ثاني أكسيد الكربون، قبل أن يعود الدم مجدداً عبر الشريان الفخذي وكأنه خرج للتو من الرئتين. وكان العائق الأكبر يتمثل في ابتكار رئة صناعية تضمن إتمام هذا التبادل الغازي المعقد بسلاسة ودون التسبب في تجلط الدم.

باستخدام مضخة بدائية رُكبت صماماتها الداخلية من سدادات مطاطية وأنابيب زجاجية، نجح الزوجان في دفع دم القطط داخل أسطوانة عمودية دوارة، تنساب على جدرانها الداخلية طبقة رقيقة من الدم تمتص الأكسجين بفعل الجاذبية وهي تتجه نحو كوب زجاجي مغمور في حمام مائي دافئ، ثم تقوم مضخة ثانية بمحاكاة نبضات قلب القط بمعدل 150 دقة في الدقيقة لتعيد الدم إلى جسده. ورغم أن جاك كان يصف هذا الابتكار متهكماً بأنه ""أداة بدائية مركبة""، فإنه كان يقودهما بثبات نحو آفاق طبية جديدة.

كانت التحضيرات لهذه التجارب تستغرق ساعات طوالاً، وتحت احتمالات خطأ لا حصر لها؛ فإذا سُحب الدم بسرعة زائدة انهار الوريد وتضررت الإبرة، وأحياناً كان الدم يتحول إلى رغوة كثيفة في قاع الكوب الزجاجي، فضلاً عن استيقاظ القطط فجأة إن لم يكن التخدير عميقاً، مما يؤدي إلى تدمير أجزاء من الجهاز.

ومع انقضاء العام البحثي، تمكن الزوجان من تذليل هذه العقبات بنجاح، ونجحا في الحفاظ على حياة قطة في حالة صحية مستقرة تماماً لدقائق دون أن يمر قطرة دم واحدة عبر قلبها الطبيعي أو رئتيها. وحين تحقق هذا الإنجاز لأول مرة، انخرط الزوجان في رقصة فرح جنونية داخل المختبر، وكتب جاك عنها لاحقاً: ""لم تشهد حياتي كلها فرحة غامرة تضاهي نشوة تلك الرقصة"".

عاد الزوجان إلى فيلادلفيا وجامعة بنسلفانيا، حيث نال جاك زمالة أبحاث الجراحة وعُينت مالي فنية مختبر مسؤولة معه، وواصلا تطوير الجهاز حتى تمكنا من إبقاء القطط على قيد الحياة لمدة عشرين دقيقة كاملة. وأشارا في تقريرهما الطبي بكثير من التواضع إلى أنه في حال تطوير هذه الآلة لتلائم البشر، فإن ذلك سيحدث ثورة تغير وجه جراحات القلب والصدر بالكامل.

لكن رياح الحرب العالمية الثانية هبت لتعطل هذه المسيرة؛ إذ تطوع جاك، بوصفه ضابط احتياط في الفيلق الطبي، للخدمة الفعلية عقب هجوم بيرل هاربور مباشرة، وأُرسل إلى جنوب المحيط الهادئ ليقضي أربع سنوات بعيداً عن مالي وأطفاله الأربعة، وتاركاً وراءه مشروعه الحلم.

كوارث متتالية وتمويل صناعي

في غياب جاك، تولت مالي رعاية الأسرة ومواصلة الأبحاث؛ إذ انضمت لوفد علمي في جامعة بنسلفانيا لدراسة سبل علاج التسمم بغاز الفوسجين.

وعقب انتهاء الحرب وعودته من الخدمة، تفرغ جاك تماماً لمشروعه؛ ففي مطلع عام 1946، عُين أستاذاً للجراحة ومديراً لأبحاثها في كلية جفرسون الطبية، ليعاود على الفور تجاربه على جهاز القلب والرئتين مستهدفاً هذه المرة الكلاب الكبيرة.

وفي تلك الحقبة، بدأ الأطباء يجرون بعض جراحات القلب المحدودة بانتظام، لكنها ظلت مقتصرة على رتق الأوعية الخارجية أو علاج تضييق الشريان الأورطي، وهي عمليات تجرى خارج غرف القلب ولا تتطلب إيقافه أو نقل وظائفه لآلة خارجية.

استشعر الجراحون في مختلف أرجاء البلاد بزوغ فجر عصر جديد، ودخلوا في سباق محموم؛ فبينما ركز الزوجان جيبون على تطوير رئة صناعية كاملة، اتجه باحثون آخرون نحو تقنيات خفض حرارة الجسم، أو تقنية ""بئر غروس"" المطاطية التي تُثبت على جدار الأذين لتسمح للجراح بالعمل عبر بركة من الدم.

وفي عام 1952، نجح جون لويس في جامعة مينيسوتا بدمج تقنية التبريد مع إيقاف تدفق الدم مؤقتاً لإجراء أول جراحة ناجحة للقلب المفتوح تحت الرؤية المباشرة. بيد أن عيوب القلب الخلقية المعقدة كانت تتطلب وقتاً أطول لا يمكن توفيره إلا عبر جهاز قلب ورئة صناعي متكامل يتيح تحويل مسار الدم تماماً.

وكانت العقبة الكبرى في ابتكار جهاز كهذا تتلخص في ثلاثة تحديات: إيجاد وسيلة آمنة تمنع تخثر الدم أثناء مروره بالآلة مع إمكانية إبطال مفعولها لاحقاً، وتطوير مضخات تنقل الدم دون تدمير خلايا الدم الحمراء، وابتكار منظومة كفوءة للتبادل الغازي. حُسم التحدي الأول بظهور عقار الهيبارين، وحُل الثاني عبر تطويع المضخات الأسطوانية المستخدمة في صناعات الألبان، وظل جهاز الأكسجة الاصطناعي العقبة الكأداء التي استعصت على الكثيرين.

من اليمين، الجراح كلارنس دينيس والمقيمان قسطنطين بيريما وتشارلز فريز مع كلب نجا من عملية جراحية استغرقت نصف ساعة على جهاز القلب والرئة في المركز الطبي التابع لجامعة ولاية نيويورك داونستيت، 1952

وصف جراح القلب والصدر ويليام ستوني المحاولات الأولى لتغيير مسار الدم بأنها كانت بمثابة كوارث حقيقية شهدت معدلات وفيات مروعة؛ فبين عامي 1951 و1955، خضع ثمانية عشر مريضاً لعمليات تحويل مجرى الدم، ولم يكتب العمر سوى لمريض واحد فقط، ناهيك عن عشرات المحاولات الفاشلة التي طواها الكتمان خوفاً من الفضيحة العلمية، حتى بدأ اليأس يتسلل لقلوب الجراحين واعتقد بعضهم أن عضلة القلب لا يمكنها تحمل مبضع الجراح مطلقاً.

ورغم أن منافسي جيبون، مثل كلارنس دينيس ووالتون ليليهي في جامعة مينيسوتا وجون كيركلين في مايو كلينك، كانت لديهم تصميماتهم الخاصة، فإنهم افتقروا إلى الخبرة المختبرية الطويلة التي حازها الزوجان جيبون؛ وبسبب الاعتماد على أسلوب التجربة والخطأ، واجه أولئك الجراحون معضلات مميتة مثل الانسداد الهوائي والنزيف الحاد بعد الجراحة، ودفع المرضى حياتهم ثمناً لتلك التجارب.

وعلى الصعيد نفسه، حاول ويليام مستارد في كلية الطب بجامعة تورنتو استخدام رئات قردة الريسوس كأجهزة أكسجة بديلة للبشر، لكن تجاربه السبعة الأولى انتهت كلها بنهايات مأساوية ووفاة جميع المرضى.

في هذه الأثناء، اتجه جاك نحو توماس واتسون، رئيس مجلس إدارة شركة آي بي إم، طلباً للدعم الهندسي والمادي بفضل وساطة قام بها أحد طلابه، وتكلل هذا اللقاء بتكفل الشركة بتمويل وتطوير ثلاثة أجيال متعاقبة من الأجهزة على مدار ثماني سنوات كاملة.

تحول المشروع من ميزانية محدودة تُدار في مختبر صغير بجهود مالي، إلى مشروع صناعي ضخم يُنفذ بأجود المواد داخل أروقة شركة آي بي إم. وساهم مهندسو الشركة في حل معضلة الأكسجة؛ إذ تبيّن أن الأسطوانة الدوارة القديمة تسبب اضطراباً يرفع نسبة الأكسجين بشكل مفرط مما يؤدي لرغوة الدم، وحُل الأمر بتبطين الأسطوانة بشبكة من الفولاذ المقاوم للصدأ تضمن تدفق الدم بانسيابية وبأكسجة مثالية.

ولكن لتلبية متطلبات الدورة الدموية للبشر، تطلبت هذه الشبكة مساحة تصل لتسعة أقدام مربعة، وبدلاً من بناء جهاز بحجم غرفة كاملة، ابتكر الفريق منظومة من الشاشات المتوازية المعلقة داخل حجرة واحدة مدمجة. وبحلول عام 1951، نجحوا في إبقاء كلب يزن عشرين رطلاً حياً على الجهاز لمدة 96 دقيقة كاملة، وعاش الكلب بصحة ممتازة بعد فصله عن الآلة.

أمضى جاك سنتين إضافيتين في تجربة الجهاز على الكلاب لتجويد الأداء وتلافي الأخطاء، لينتج النسخة التي عُرفت باسم ""النموذج الثاني""، وهو جهاز معقد للغاية، باهظ التكلفة، ويتطلب طاقماً كاملاً من الفنيين لتشغيله، لكنه احتوى على أنظمة أمان متطورة لمراقبة حجم الدم وحموضته، ومولدات احتياطية تعمل بالبطاريات، فضلاً عن استخدام النيتروجين المضغوط داخل الخزانات لمنع حدوث أي شرارة كهربائية قد تشعل غازات التخدير المتطايرة في الغرفة.

وفي عام 1952، وبعد عشرين عاماً من الكفاح والتجارب، بات جاك جيبون واثقاً من أن آليته باتت مستعدة لخوض غمار الجراحة البشرية.

أجرى محاولته الأولى على طفلة تبلغ من العمر خمسة عشر شهراً وتزن أحد عشر رطلاً فقط، ولدت ببنية واهنة جداً بسبب ثقب مفترض بين حجرات قلبها العلوية. وبسبب صغر حجمها وتورم أطرافها بالسوائل، استحال إجراء قسطرة قلبية لتأكيد التشخيص قبل العملية.

أثناء الجراحة، عملت الآلة بكفاءة مطلقة، لكن المفاجأة الصادمة كانت حين فتح جاك الأذين الأيمن ولم يجد الثقب المتوقع؛ إذ تبين بعد وفاة الطفلة وتشريح جثتها أن الثقب كان يقع في الشريان الأورطي وليس في القلب. لقد قامت الآلة بعملها على أكمل وجه، لكن الخطأ في التشخيص البشري كان قاتلاً. حزّت هذه النتيجة في نفس جاك، فأرسل طبيباً مقيماً فوراً إلى جامعة ألاباما للتخصص في القسطرة القلبية لتلافي أخطاء التشخيص مستقبلاً.

كانت تلك الفاجعة أولى حلقات سلسلة من الوفيات التي أدمت قلب جاك، وجعلته يدرك ثقل المسؤولية والشجاعة التي تحلت بها سيسيليا بافوليك حين وضعت حياتها بين يديه.

السادس من مايو 1953: يوم الحسم

في تمام ظهر السادس من مايو عام 1953، استسلمت سيسيليا بافوليك لمبضع جاك جيبون، ودخل طاقم كامل من الأطباء والمخدرين والفنيين إلى غرفة العمليات متأهبين لسطر صفحة جديدة في كتاب الطب البشري.

ثبت الأطباء قسطرة قياس ضغط الدم في ذراعها والخطوط الوريدية في كاحليها، وبعد حقنها بغرامين من مادة صوديوم بنتوثال المخدرة، شق جاك صدرها وفصل أضلاعها ليكشف عن قلبها المعتل وشرايينه المتشابكة، بينما انزوت مالي في ركن الغرفة تدون الملاحظات بدقة وتراقب زوجها وهو يثبت الأنابيب البلاستيكية التي ستربط حياة سيسيليا بالآلة.

ورغم أن ميزات الأمان في النموذج الثاني كانت متفوقة على كل الأجهزة المنافسة، فإنها لم تكن قادرة على منع الأخطاء البشرية؛ إذ ارتكب فنيو بنك الدم في ذلك الصباح خطأً جسيماً حين أضافوا 40% فقط من جرعة الهيبارين المطلوبة لمنع التخثر داخل الجهاز، مما تسبب في سلسلة من الكوارث المتلاحقة أثناء العملية.

وفي تمام الساعة 12:55 ظهراً، بدأ تدفق دم بافوليك نحو الآلة، وبعد خمس دقائق أُغلقت الأوردة الرئيسية المؤدية للقلب تماماً ليعتمد جسدها بالكامل على المجازة الصناعية. وخلال دقائق معدودة، تفاعل الدم مع نقص الهيبارين وبدأ يرغى ويتسرب بكثافة من أعلى جهاز الأكسجة، واضطر أحد الفنيين لاعتلاء مقعد خشبي والضغط بكل قوته على الغطاء لمنع الدم من الانسكاب مثل خلاط منزلي فاضت محتوياته.

أدى هذا الخلل إلى ارتفاع الضغط داخل أنابيب الضخ الشرياني، مما حد من كمية الدم العائدة إلى جسد سيسيليا، وسرعان ما توقفت ثلاث شاشات من أصل ثمانٍ عن العمل. وبحلول الساعة 1:15، هبطت نسبة الأكسجين في دم الفتاة إلى نصف المعدل الطبيعي، ثم توالت في الهبوط لتصل إلى 32% بعد ربع ساعة، حتى وصف أحد الحاضرين المشهد قائلاً: ""تحول لون الدم إلى الأسود القاتم"". وتدنت حموضة الدم بشكل مخيف ينذر بفشل تنفسي حتمي وتلف دماغي وشيك.

أسرع جاك وتسارعت دقات قلبه، فتخلى عن خطته الأصلية برتق الثقب باستخدام رقعة قماشية، وعمد إلى إغلاقه مباشرة عبر غرز جراحية سريعة ومحكمة. ومع هبوط ضغط الدم الشرياني إلى مستويات دنيا قاتلة، صرخ جاك في وجه طبيبه المقيم برنارد ميلر: ""افعل أي شيء!""، فاضطر ميلر لكسر التعقيم الطبي والركض لتدبير كل وحدة دم متوفرة في المستشفى لتعويض النقص وضخها في الآلة.

وفي الساعة 1:35 ظهراً، بدأت الفتاة بالخروج من المجازة واستقر ضغط دمها أخيراً، غير أن حموضة الدم واضطراب النبض تسببا في حدوث رجفان قلبي تطلب صعق قلبها مرتين متتاليتين لإعادته للحياة. وخشية تعرض دماغها للتلف جراء هذا الاضطراب العنيد، قرر الأطباء إيقاف التخدير تماماً خلال الساعة الأخيرة من العملية، لتستيقظ الفتاة على طاولة العمليات والأطباء لا يزالون يخيطون جلد صدرها، في مشهد حبس أنفاس كل من في الغرفة.

وبعد تسع ساعات من القلق والاضطراب، استعادت بافوليك وعيها كاملاً وبدت مدركة لما حولها، وبعد ثلاثة عشر يوماً غادرت المستشفى متوجهة إلى منزلها بصحة ممتازة.

وتعليقاً على هذا الإنجاز، تلقى جاك مكالمة تهنئة من زميله الجراح دينيس، فرد عليه بكبرياء زائف أخفى وراءه أعصاباً محطمة: ""بمجرد أن استعددنا، بدا الأمر سهلاً للغاية لدرجة السخرية"". لكن واقعه كان مغايراً تماماً؛ إذ كان يرتعد وخائفاً من تذكر تلك اللحظات العصيبة لدرجة أنه أوكل مهمة كتابة تقرير العملية لمساعديه، وهي المرة الأولى والأخيرة في تاريخه المهني التي يتخلى فيها عن كتابة تقرير جراحي بنفسه.

صندوق باندورا والنهاية

أثبتت الأيام أن عملية بافوليك كانت النجاح الوحيد واليتيم لجاك جيبون باستخدام هذا الجهاز؛ فقد استنزفته التجربة نفسياً وعاطفياً، وتضاعفت معاناته بعد محاولتين تاليتين باءتا بالفشل.

ففي الجراحتين اللاحقتين، وكانتا لطفلين في الخامسة من عمرهما يعانيان من تشوهات خلقية في القلب، عملت الآلة بكفاءة كاملة، لكن المريضين فارقا الحياة؛ إذ أُصيب الأول بتوقف القلب فور فتح صدره ولم يفلح الجهاز في إنقاذه، بينما كان الآخر يعاني من عيوب خفية معقدة لم يظهرها التشخيص المسبق، مما حرم جاك من ميزة العمل في بيئة خالية من الدماء. حينها أدرك جيبون أن ابتكار الآلة لم يكن سوى جزء بسيط من معركة معقدة وطويلة لإصلاح القلوب البشرية المعتلة.

أعلن جاك تعليق العمل بالآلة لمدة عام كامل، لكنه في الواقع لم يَعُد إليها أبداً؛ إذ لم يكن هدفه الأساسي يتلخص في التخصص في جراحات العيوب الخلقية للأطفال، بل كان يصبو إلى إثبات فكرة علمية محددة: أن الآلة يمكنها أن تمنح الجراحين الوقت اللازم للإصلاح، وقد حقق هذا الهدف وأثبته للعالم.

سلمت شركة آي بي إم النموذج الثالث من الجهاز عام 1954، لكن جاك قرر تسليم الأمانة والترخيص لجرّاحي مايو كلينك الذين واصلوا تطويره وتعديله. ورغم أن الجهاز ظل مكلفاً ومعقداً وتطلب ظهور طرق أكسجة أخرى أكثر بساطة وأقل كلفة، فإن الأمر استغرق عقداً كاملاً من الصقل وتطوير المهارات الجراحية ليصبح جهاز القلب والرئتين أداة أساسية شائعة الاستخدام في المشافي، حتى غدت إعلانات أجهزة الأكسجة تملأ المجلات الطبية بعد سنوات قليلة، وتحول الحلم البعيد إلى حقيقة يومية تنقذ حياة أكثر من مليوني إنسان يخضعون لجراحات القلب المفتوح سنوياً حول العالم.

أما سيسيليا بافوليك، فقد عاشت حياة وافرة بالصحة وإن عكرت صفوها ملاحقات وسائل الإعلام ونظرات الفضول من العامة؛ إذ قالت لها امرأة ذات يوم بكثير من الفجاجة: ""آه، أنت تلك الفتاة التي نشروها بنصفين!""، وكأنها تتحدث عن فقرة استعراضية في سيرك. تسبب هذا الاهتمام المفرط في إرهاقها وحرمانها من الحصول على وظائف مستقرة بسبب خوف أصحاب العمل من تدهور صحتها فجأة، إلى أن استقرت أخيراً في وظيفة بشركة ""بلو كروس""، ومنحتها جمعية القلب الأمريكية لقب ""ملكة القلب الوطنية"". وبعد عشر سنوات من الجراحة، تطوعت للعمل كسكرتيرة في مستشفى هانيمان لدعم مرضى القلب وتخفيف معاناتهم، قبل أن تتأهل لاحقاً وتصبح فنية طبية متخصصة.

وفي المقابل، نالت مالي، التي كان زوجها يصفها دوماً بأنها ""أثمن ما يملك في حياته""، شهادة الماجستير في الخدمة الاجتماعية وأمضت سنوات من عمرها تعمل كمستشارة للعلاقات الزوجية. ولطالما شعرت مالي وأطفالها الأربعة بأن مرضى جاك وأبحاثه كانوا يستأثرون بالمرتبة الأولى في حياته على حساب واجباته الأسرية؛ ولم يتجه أي من أطفاله لدراسة الطب، بل آثر ماري وجون السير على خطى والدتهما، فحصلت ماري على الماجستير في الخدمة الاجتماعية ونال جون الدكتوراه في علم النفس رغم معارضة والدهما الشديدة، إذ كان جاك يرى في طلب العون واللجوء للاستشارات النفسية دليلاً على ضعف الشخصية.

وعلى غرار بافوليك، أظهر جاك جيبون امتعاضاً شديداً من الشهرة والأضواء التي حاصرته عقب العملية، وشابت علاقته باختراعه الكثير من الجفاء والاضطراب؛ إذ كان يرفض رفضاً قاطعاً التقاط الصور بجانب الجهاز، وتملكه خوف دائم من أنه قد فتح ""صندوق باندورا"" الذي قد يشرع الأبواب لتهديد حياة البشر، ورغم أن الاختراع قدم بصيص أمل حيث لم يكن هناك رجاء، فإنه كان يشعر بانقباض في صدره كلما تصفح مجلة طبية ورأى انتشار جراحات القلب المفتوح تتوسع باطراد، وكأنه بات يشكك في أخلاقية ما صنعه بيده.

قضى جيبون السنوات التي سبقت تقاعده عام 1967 في ممارسة الجراحة وتأليف الكتب الطبية، وأصدر مرجعاً شاملاً في جراحة الصدر حرص على تحديثه دورياً، وظل عضواً في المجلس الاستشاري لمجلة حوليات الجراحة الشهيرة حتى وافته المنية عام 1973 إثر نوبة قلبية داهمته وهو يمارس رياضة التنس.

جاك جيبون مع جهاز القلب والرئة، 1962

وفي حفل تأبينه، ألقى زميله في كلية جفرسون، تشارلز فاينبرغ، كلمة مؤثرة لخصت حجم التضحية الأسرية والجفوة التي باعدت بين جاك وأبنائه قائلًا: ""عن تلك السنوات الطويلة التي وهبها لنا، وسرقها منكم ومن بيته، نطلب منكم العفو والصفح""، معترفاً بالثمن الباهظ الذي دفعته عائلة جيبون ضريبة لهذا الإنجاز العلمي التاريخي.

وفي عام 1955، وخلال خطاب رئاسي ألقاه أمام الجمعية الجراحية الأمريكية، اختزل جاك جيبون فلسفته في الحياة والتعليم بكلمات بدت بمثابة وصية رجل أفنى عمره في توسيع مدارك البشرية، قائلاً: ""يجب علينا أن نطرد من مناهجنا التعليمية وإلى الأبد ذلك المفهوم القاصر الذي يرى العالم كصناديق صغيرة جامعة للحقائق المرتبة بدقة. إن المعرفة نهر متجدد متحرك وليست قالباً ثابتاً، والرجال المفكرون هم أولئك الذين لم ينفكوا يوماً عن إزاحة ستائر الظلام الدامس ليسكبوا مزيداً من الضوء على لغز الحياة الأكبر"".

المصدر

 

مقالات ذات صلة