يمكن لحاضنات ومسرعات الأعمال، عندما تؤدي دورها على أكمل وجه، أن تمثل النابض الحيوي لمجتمع الأعمال المحلي، فمن خلال الجمع بين مساحات العمل والمرافق المادية وبين التمويل والتدريب والتوجيه والإرشاد، يمكنها أن تصنع الفارق بين ازدهار الشركات وتعثرها في بداية طريقها.
وتعد قاعدة الأدلة المتعلقة بآثار حاضنات الأعمال مشجعة للغاية، وعلى سبيل المثال، يظهر تحليل أجرته وزارة الابتكار والعلوم والتنمية الاقتصادية في كندا عام 2024 أن الشركات الناشئة التي حظيت بالرعاية داخل الحاضنات حققت نسبة توظيف أعلى بمقدار %14 وإيرادات أعلى بنسبة %13 مقارنة بالشركات المماثلة التي تعمل خارج منظومة الحاضنات.
وهناك أيضاً أدلة تشير إلى أن الحاضنات تسهم في تسريع خروج الشركات الناجحة إلى السوق أو اندماجها، نظراً لأن الاستعانة بالخبراء والاختبار السريع للأفكار تحت الضغط يدفعان رواد الأعمال إلى التخلي مبكراً عن المشاريع الأقل واعدية.
الحاضنات يجب أن تتطور
شهدت الحاضنات نمواً سريعاً في أعدادها خلال العقود الأخيرة مدفوعة بهذه النتائج الواعدة، وبدعم عام قوي وتزايد الطلب من الشركات الناشئة والشركات القابلة للتوسع، حيث تضاعف عدد الحاضنات المدرجة في قاعدة بيانات كرانش بيس بمقدار 4 أضعاف بين عامي 2008 و2021.
وقد توازى هذا النمو مع تغيرات جوهرية في طريقة تقديم خدمات الحاضنات، فأصبحت العديد منها اليوم أكثر تخصصاً مما كانت عليه في الماضي، وباتت تعتمد بشكل أكبر على نماذج التقديم الافتراضية، مع التركيز المكثف على دعم الشركات الناشئة التي ولدت لتكون عالمية، والعمل بشكل متزايد من خلال شراكات أوسع نطاقاً، وتظهر هذه التوجهات بوضوح في الحاضنات الرائدة عبر دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بدءاً من محطة إف في فرنسا وصولاً إلى منطقة مارس للاكتشاف والابتكار في كندا.
ومن المتوقع أن يستمر هذا المشهد في التغير مع ظهور أنواع جديدة من الشركات الناشئة والشركات القابلة للتوسع ذات احتياجات دعم متميزة، بما في ذلك مشاريع التكنولوجيا العميقة القائمة على الاكتشافات العلمية والأبحاث.
ومع ذلك، لا تحقق جميع الحاضنات نجاحاً مطلقاً دون قيود، إذ تتأثر النتائج بقوة بخيارات تصميم البرامج، وعلى سبيل المثال، وجدت دراسة حول مسرعة الأعمال ستارت أب تشيلي أن النتائج الإيجابية تقتصر فقط على رواد الأعمال الذين يتلقون التدريب إلى جانب توفير المكان والتمويل، كما يمكن للحاضنات أن تفيد النظام البيئي الأوسع، مثل جذب مستثمري رأس المال الاستثماري إلى المنطقة.
ويكمن السر في إضفاء الطابع الشخصي على الخدمات، حيث يمثل التوجيه الفردي المباشر، وبرامج التخصص، والتوفيق المخصص بين الشركاء، بعضاً من الطرق لتقديم قيمة حقيقية وملموسة.
وثمة لبنة أساسية أخرى لضمان فاعلية الحاضنات تتمثل في بناء روابط وثيقة مع بقية أطراف النظام البيئي لريادة الأعمال، بما في ذلك المستثمرون، والموجهون، والشركات الكبرى، والجامعات، وتسهيل وصول الشركات الناشئة إلى هؤلاء الفاعلين وتلك الموارد.
دور السياسات العامة
على الرغم من أن خدمات الحاضنات غالباً ما تقدمها جهات خاصة، فإن السياسة العامة تؤدي دوراً حيوياً في توجيه المنظومة وسد فجوات الدعم.
وفي عام 2025، امتلكت 31 دولة من أصل 38 دولة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية سياسة حاضنات نشطة على المستوى الوطني، ويعد التمويل الخيار الأكثر شيوعاً في سياسات الحاضنات بفارق كبير، حيث تتضمن 34 سياسة من أصل 70 سياسة جرى رصدها تقديم الدعم المالي للحاضنات، وفي المقابل، يبدو تقديم برامج بناء القدرات لموظفي الحاضنات أقل شيوعاً بواقع 11 سياسة مرصودة، وهو نفس العدد بالنسبة لسياسات إنشاء شبكات الحاضنات التي بلغت 11 سياسة أيضاً.
وإذا كان الدعم الحكومي قد ساهم في زيادة عدد الحاضنات على المستوى الدولي، فإن السياسات يمكنها بذل المزيد من الجهود لرفع مستوى الجودة.
وبصفتها جهات ممولة رئيسية لحاضنات الأعمال، تستطيع الحكومات الارتقاء بالمعايير وتحفيز أفضل الممارسات من خلال مراقبة الأداء، وشروط التمويل، ومعايير الاختيار، فضلاً عن تقديم دعم بناء القدرات والتواصل لموظفي الحاضنات.
ويمكن للحكومات أيضاً توجيه أنظمة الحاضنات نحو معالجة النقص في مجالات مثل التوجيه الشخصي أو التدويل, أو في قطاعات محددة بذاتها.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن للسياسات تشجيع دور الحاضنات كمراكز حيوية للنظام البيئي لريادة الأعمال من خلال تخصيص التمويل العام للمؤسسات التي تمتلك روابط أقوى بالنظام البيئي، وتمويل برامج الحاضنات المشتركة التي تضم أطرافاً متعددة.
ويبرز البرنامج الوطني للحاضنات في السويد، الممتد منذ سنوات طويلة، كنموذج يحتذى به للدول الأخرى، حيث تستفيد الحاضنات المدعومة من فترة تمويل مالي طويلة نسبياً، وتُعدل مبالغ التمويل بناءً على مدى تطور الحاضنات وقدراتها، شريطة تبني أفضل الممارسات في أنشطة مثل التوجيه والإرشاد، كما يركز هذا البرنامج على التعاون والشراكات، بما في ذلك التعلم بين الأقران، وأنشطة التدريب المشتركة، وتمويل البرامج المشتركة.
من التوسع إلى تحقيق الأثر
لقد كان التمويل العام عنصراً جوهرياً في نمو حاضنات الأعمال بجميع أنحاء العالم في السنوات الأخيرة، ولا يزال يحتفظ بأهميته البالغة.
وتتمثل أولويات السياسات في المرحلة المقبلة في سد الفجوات المتعلقة بتقديم خدمات أكثر تطوراً وتخصصاً، ورفع مستوى جودة الخدمات في منظومة الحاضنات بأكملها، والاستفادة بشكل أكبر من إمكانات الحاضنات كركائز أساسية للنظام البيئي لريادة الأعمال.
ويعني هذا توجيه التمويل بعناية أكبر، وتطوير البرامج لمعالجة أوجه القصور وتعزيز أفضل الممارسات، والاستثمار في بناء قدرات الكوادر البشرية العاملة في هذه الحاضنات.
