القائمة الرئيسية

احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية من الذهب تقفز لأعلى مستوياتها منذ نصف قرن، فما هي الدوافع وراء هذا النمو المتسارع؟

احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية من الذهب تقفز لأعلى مستوياتها منذ نصف قرن، فما هي الدوافع وراء هذا النمو المتسارع؟
ملخص المقال

يوضح المقال أن البنوك المركزية حول العالم كثفت خلال السنوات الأخيرة مشترياتها من الذهب، لترتفع احتياطياتها إلى أعلى مستوياتها منذ سبعينيات القرن الماضي، مدفوعة باعتبارات اقتصادية وجيوسياسية. ويبين أن الذهب يمثل أداة استراتيجية لحفظ القيمة، وتنويع الاحتياطيات، والتحوط ضد التضخم والأزمات المالية، إضافة إلى دوره في تعزيز قدرة الدول على مواجهة العقوبات المالية وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي، خاصة بعد الحرب الروسية الأوكرانية. كما يشير إلى أن الاقتصادات الناشئة، وفي مقدمتها الصين وروسيا وتركيا والهند، كانت الأكثر إقبالاً على شراء الذهب، في ظل تنامي المخاوف من تغيرات النظام المالي العالمي. ويخلص المقال إلى أن استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي والتوترات الجيوسياسية سيحافظ على مكانة الذهب كأصل احتياطي مهم، دون أن يعني ذلك العودة إلى نظام الغطاء الذهبي الذي كان يربط العملات بقيمة الذهب.

شهدت السنوات القليلة الماضية إقبالاً صامتاً ومكثفاً من قبل البنوك المركزية حول العالم على شراء كميات ضخمة من المعدن الأصفر. ومع تسارع وتيرة هذا التوجه، استقرت الاحتياطيات لدى المؤسسات والوكالات الرسمية عند ذروة غير مسبوقة منذ عام 1975، إذ تتجاوز الحيازة الإجمالية الحالية حاجز الستة وثلاثين ألف طن من الذهب.

وقد أخذت معدلات الشراء منحى تصاعدياً لافتاً في أعقاب اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية في عام 2022. ووفقاً للبيانات الصادرة عن مجلس الذهب العالمي، فقد بلغ متوسط مشتريات البنوك المركزية نحو ألف طن سنوياً على مدار الأعوام الأربعة الماضية، وهو ما يمثل ضعف المتوسط السنوي المسجل في العقد السابق، الأمر الذي شكل قوة دفع أساسية وراء الطفرة السعرية الكبرى التي شهدتها أسواق الذهب العالمية خلال العام الماضي.

وفي السياق ذاته، كشف المسح الإحصائي للمجلس عن مؤشر قياسي يعكس استمرار هذا الزخم، حيث تبين أن خمسة وأربعين بالمئة من البنوك المركزية المستطلعة آراؤها تعتزم تعزيز احتياطياتها من المعدن النفيس خلال العام المقبل.

وأمام هذه الأرقام، يبرز تساؤل جوهري حول الأسباب العميقة التي تجعل البنوك المركزية تتهافت على اقتناء الذهب في صورته المادية وسبائكه العينية.

ما هي الغاية الاستراتيجية من تجميع الأصول الاحتياطية؟

تحرص البنوك المركزية على تنويع سلتها الاستثمارية من خلال الاحتفاظ بأصول ومخرجات متنوعة تُعرف بالاحتياطيات. وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه الأصول في تمكين المصارف المركزية من التدخل بفعالية في الأسواق المالية عند الحاجة لحماية العملة الوطنية ودعم استقرارها، أو للاستعانة بها كحائط صد في أوقات الاضطرابات والأزمات العاصفة.

وتلعب هذه المدخرات دوراً حيوياً في تخفيف وطأة الضغوط المالية أثناء الأزمات الحادة التي تتعرض لها العملات، ولعل أبرز مثال على ذلك ما جرى في شهر أبريل من عام 2001 عندما هبط الدولار الأسترالي إلى قاع تاريخي غير مسبوق ليصل إلى سبعة وأربعين فاصلة خمسة وسبعين سنتاً أمريكياً، فضلاً عن أهميتها القصوى عندما تشتد شروط الاقتراض الخارجي وتصبح التكلفة باهظة أو يصعب الوصول إليها.

وتتكون هذه المظلة الاحتياطية عادة من عملات أجنبية قوية، وتشتمل في الغالب على أدوات الدين الحكومية كالسندات وأذون الخزانة الأمريكية، إلى جانب الودائع المصرفية، والأوراق النقدية، والمعادن الثمينة وعلى رأسها الذهب.

تفكيك أسباب الصعود الأخير في مخزونات الذهب

عند التدقيق في خريطة الطلب المتنامي على الذهب من قبل البنوك المركزية، نجد أنه لم يكن اتجاهاً عاماً يشمل جميع الدول بلا استثناء، بل انحصر هذا الإقبال منذ عام 2009 في نطاق أسواق الدول الناشئة والاقتصادات النامية، وجاءت هذه التحركات بقيادة كل من روسيا والصين وتركيا والهند وكازاخستان.

وتتعدد المبررات الاقتصادية وراء هذا السلوك، إذ أظهر الاستبيان السنوي لمجلس الذهب العالمي أن تسعين بالمئة من البنوك المركزية ترى في الذهب الملاذ الآمن والأكثر كفاءة لحفظ القيمة وإدارة المخاطر إبان الأزمات والتقلبات الكبرى.

وتتمثل الدوافع الرئيسية الأخرى في كون الذهب مخزناً موثوقاً للقيمة على المدى الطويل، وتحديداً في الفترات التي تشهد موجات تضخم عاتية، بالإضافة إلى أهميته الحيوية في تنويع المحافظ الاستثمارية، وهو المبدأ القائم على توزيع الاستثمارات بين أصول وأسواق متعددة للحد من المخاطر الإجمالية وتفادي الخسائر الكارثية.

الذهب كأداة للتحوط والمقاومة في وجه العقوبات

إلى جانب العوامل الاقتصادية البحتة، برز عامل جيوسياسي بالغ الأهمية، يتلخص في أن حيازة الذهب تمنح الدول حصانة وشبكة أمان ضد العقوبات المالية التي قد تفرضها القوى الدولية والبلدان الأجنبية.

وتُعرف العقوبات المالية بأنها حزمة من الإجراءات الردعية التي تستهدف التضييق على دولة ما وحرمانها من الوصول إلى الموارد النقدية أو الاستفادة من الخدمات المصرفية والأسواق العالمية، وتلجأ الحكومات إلى هذا السلاح كوسيلة للضغط السياسي والتأثير في القرارات السيادية للدول المستهدفة.

وتشير القراءات التحليلية إلى أن التوسع المستمر في استخدام العقوبات المالية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وقوى أخرى قد سرّع من وتيرة توجه الاقتصادات الناشئة نحو الذهب كبديل آمن.

ففي أعقاب العقوبات الصارمة التي فُرضت على موسكو بعد ضمها لشبه جزيرة القرم في عام 2014، بادرت روسيا بتكثيف عمليات الشراء لتصبح منذ ذلك الحين الدولة الأكثر استحواذاً على الذهب في العالم.

ثم جاء قرار عزل روسيا عن نظام المراسلات وعمليات الدفع الدولية سويفت في عام 2022، وتجميد ما يقارب ثلاثمئة مليار دولار أمريكي من الأصول الأجنبية العائدة لمصرفها المركزي، ليشكل نقطة تحول دفعت دولاً ناشئة ونامية أخرى إلى السير على النهج ذاته وزيادة مشترياتها من الذهب، وبشكل أخص في الصين وتركيا والهند.

وقد عكست نتائج الدراسة الأخيرة لمجلس الذهب العالمي بوضوح حجم الهواجس المتعلقة بالعقوبات، حيث أكدت نحو سبعة وثلاثين بالمئة من البنوك المركزية في الدول الناشئة والنامية أن القلق من التداعيات الحمائية والتحوط للمتغيرات المتوقعة في هيكل النظام النقدي العالمي هما المحركان الأساسيان وراء قرارها الاستراتيجي بالاحتفاظ بالذهب.

ويتزامن هذا التوجه المتزايد نحو الذهب مع إعادة تشكيل الخريطة الهيكلية للاحتياطيات الرسمية العالمية، حيث تفيد البيانات الصادرة عن البنك المركزي الأوروبي بأن حجم احتياطيات الذهب لدى المصارف المركزية والذي يمثل سبعة وعشرين بالمئة قد تفوق بالفعل على حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية التي تراجعت إلى اثنين وعشرين بالمئة، علماً بأن هذه السندات يمثل أدوات دين تصدرها الحكومة الأمريكية ولطالما اعتبرت تاريخياً الملاذ الاستثماري الأكثر أماناً واستقراراً، ويرجع جزء كبير من هذا التحول البنيوي إلى القفزة القياسية التي سجلتها أسعار الذهب في البورصات العالمية.

ومع ذلك، ينبغي قراءة هذا الطلب المتزايد في إطاره الحقيقي وبمنظور واقعي، فبالرغم من أن هذا التحرك يعبر عن رغبة جادة ومدروسة للتقليل من التبعية للدولار الأمريكي الذي يهيمن على الاقتصاد العالمي، إلا أن الذهب لا يزال يمثل حصة محدودة من مجموع الاحتياطيات الرسمية الكلية، وتتضح هذه الحقيقة بجلاء عند النظر إلى اقتصاديات الدول الناشئة والنامية على وجه الخصوص.

هل يحتفظ الذهب بمكانته التاريخية في صلب الاحتياطيات الرسمية؟

تتأرجح مستويات حيازة الذهب الحالية للبنوك المركزية لتقترب من المعدلات التي كانت سائدة قبيل انهيار نظام بريتون وودز لأسعار الصرف الثابتة في عام 1971، وهو النظام الذي كانت بموجبه قيمة الدولار الأمريكي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بسعر الذهب.

ومع مطلع تسعينيات القرن العشرين، اتخذت السياسات النقدية مساراً مغايراً، حيث شرعت بنوك مركزية عديدة في التخلص من أجزاء كبرى من احتياطياتها العينية من الذهب، وفي هذا الصدد يبرز التصريح الشهير لوزير الخزانة الأسترالي الأسبق، بيتر كوستيلو، في عام 1997 حين قال إن الذهب لم يعد يؤدي دوراً محورياً أو ذا قيمة في صياغة النظام المالي الدولي.

وتأسيساً على تلك الرؤية، أقدم البنك الاحتياطي الأسترالي على خطوة بيع مئتين وسبعة وأربعين طناً من مخزونه الذهبي، وتزامنت تلك الخطوة مع مرحلة هبطت فيها أسعار الذهب إلى ما دون أربعمئة دولار أمريكي للأونصة الواحدة، والمفارقة هنا أن تلك الصفقة التي قُدرت قيمتها آنذاك بنحو أربعة مليارات دولار أسترالي، أي ما يعادل مليارين وثمانمئة مليون دولار أمريكي، تتجاوز قيمتها السوقية اليوم حاجز التسعة وأربعين مليار دولار أسترالي.

وبالقراءة الرجعية للأحداث، يبدو هذا التوجه الاقتصادي قراراً مجافياً للصواب وينطوي على خسائر فادحة، لكنه يظل أقل سوءاً من الواقعة الشهيرة في التاريخ المالي والمعروفة بمصطلح قاع براون، فبين عامي 1999 و2002، أصدر وزير المالية البريطاني في تلك الحقبة، غوردون براون، قراراً ببيع ثلاثمئة وخمسة وتسعين طناً من احتياطي الذهب للمملكة المتحدة بمتوسط سعر متدنٍ لم يتجاوز مئتين وخمسة وسبعين دولاراً للأونصة، وهو السعر الذي كان يمثل قاعاً سعرياً هو الأدنى للمعدن الأصفر على مدار عشرين عاماً.

وفي الختام، يمكن القول إنه طالما استمرت غيوم عدم اليقين الاقتصادي وتصاعدت حدة المخاطر الجيوسياسية في العالم، فإن شغف البنوك المركزية باقتناء الذهب وحفظه سيبقى قائماً ومبرراً، غير أن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال إمكانية العودة بالزمن إلى عصور الازدهار الخوالي التي كانت فيها العملات العالمية الكبرى ترتكز في قيمتها على معيار الذهب أو ما يُعرف بالغطاء الذهبي.

المصدر

مقالات ذات صلة