القائمة الرئيسية

لماذا لا تتحول استثماراتك في التطوير إلى كفاءات حقيقية؟

لماذا لا تتحول استثماراتك في التطوير إلى كفاءات حقيقية؟
ملخص المقال

يوضح المقال أن نجاح مبادرات تطوير الموظفين لا يعتمد على توفير البرامج التدريبية والمنصات التعليمية وحدها، بل على قدرة المؤسسة على تهيئة بيئة عمل تشجع على تبني ما يتم تعلمه وتطبيقه عملياً. وينتقد الاعتقاد السائد بأن إتاحة فرص التعلم تؤدي تلقائياً إلى التطور، مبيناً أن الفجوة الحقيقية تكمن بين الاستثمار في التدريب وتحول المعرفة إلى سلوك وأداء. ويؤكد أن هذا التحول يتطلب ثلاثة شروط أساسية: منح الموظفين إذناً صريحاً ومدعوماً بالسلوك القيادي للتعلم والتجريب، وجعل التطوير أولوية فعلية من خلال تخصيص الوقت والموارد، وتوفير مساحة آمنة للممارسة والاستكشاف والتعلم من الخطأ. ويخلص المقال إلى أن الثقافة التنظيمية وسلوك القادة هما العامل الحاسم في نجاح الاستثمار في تطوير الكفاءات، وأن الموارد التعليمية مهما بلغت جودتها لن تحقق أثرها ما لم تدعمها بيئة تشجع التعلم والتجريب والابتكار.

إن توفير فرص التدريب وإتاحتها للموظفين لا يعني تلقائياً أنهم سيتبنونها في واقعهم العملي، إذ توجد ثلاثة شروط جوهرية تصنع الفارق الحقيقي في تحديد ما إذا كان الاستثمار في تطوير الكوادر البشرية سيحقق النتائج المرجوة أم سيتلاشى دون أثر.

يتطلع القادة دائماً إلى رؤية موظفين يتمتعون بالمرونة العالية في مواجهة الأوقات العصيبة، ويمتلكون القدرة على قيادة العمل وسط أجواء الغموض وعدم اليقين، كما يطمحون إلى بناء مجتمعات وظيفية تستوعب تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطوعها لابتكار قيمة مضافة، وتسعى بشكل مستمر نحو التعلم والتكيف والنمو.

وإنصافاً للمؤسسات، فإن الكثير منها يضخ استثمارات ضخمة لتحقيق هذه الغايات، حيث تقدم برامج مكثفة لتعزيز المرونة النفسية والمؤسسية، وتوفر منصات متطورة لتعلم الذكاء الاصطناعي، ودورات لإعداد القيادات، وجلسات توجيه شخصية، وتستقطب المتحدثين والخبراء، وتتيح الكتب الرقمية والمدونات الصوتية وبوابات التعلم وتطبيقات جودة الحياة وورش العمل المتخصصة، وتطول القائمة في هذا السياق لتشمل كل الموارد الممكنة.

ورغم كل هذه الجهود، لا تزال هذه المؤسسات عاجزة عن حصد الثمار والنتائج التي خططت لها.

فجوة التطوير في الواقع العملي

تواجه بيئات العمل اليوم ما يمكن تسميته بفجوة التطوير، وهي تلك المساحة الفاصلة بين قرار المؤسسة بالاستثمار في تدريب موظفيها، وبين قيام الموظفين أنفسهم بتبني تلك المهارات وتطبيقها وممارستها فعلياً في مهامهم اليومية.

تتحرك الإدارات عادة مدفوعة بافتراض واهم يرى أن توفير قنوات التطوير يثمر تلقائياً عن نتائج تطويرية، وتلك مفارقة غير صحيحة في عالم الأعمال، فمجرد امتلاك الموظف القدرة على الوصول إلى مادة تعليمية لا يعني أبداً أنه سيفعلها، وبناء على ذلك فإن الإتاحة لا تعني التبني.

ولا يعني فهم الموظف لمهارة معينة أو استيعابه للمعلومة النظريّة أنه سيكون قادراً على تنفيذها تحت وطأة الضغوط أو في الفترات العصيبة الممتدة، وتلك معضلة تتعلق بالطاقة الاستيعابية للبشر والتي غالباً ما يتجاهلها القادة لحساب التركيز على الكفاءة فقط، فالأداء المتميز في حقيقته ليس مجرد كفاءة مجردة، بل هو نتاج ضرب الكفاءة في الطاقة الاستيعابية على التنفيذ، فقد يدرك الموظف تماماً ما يجب عليه فعله لكنه يفتقر إلى الطاقة الجسدية أو المساحة الذهنية التي تمكنه من الاستمرار في هذا الفعل.

أين يكمن الخلل بين الاستثمار والأثر؟

تتكرر هذه الديناميكية غير المتوازنة في مساعي التطوير، حيث تصب المؤسسات جل اهتمامها على تأمين الموارد والمنصات، بينما تغفل تماماً عن تهيئة المناخ الثقافي والبيئة الحاضنة التي تدفع الموظفين للتفاعل مع هذه الموارد.

في هذه الحالة ينظر القادة إلى الموارد المتاحة ويقولون لأنفسهم إنهم قدموا للموظفين كل ما يحتاجون إليه وبالتالي فإن الموظفين سيستخدمونها حتماً، وعلى الجانب الآخر ينظر الموظفون إلى ثقافة العمل السائدة ويتساءلون بوجل عما إذا كان هذا التدريب هو الشيء الذي ينبغي عليهم حقاً إهدار وقتهم فيه.

إن التحدي هنا لا يرتبط في الغالب بجودة المحتوى التعليمي أو رداءته، بل يتعلق بالإشارات الضمنية والصريحة المحيطة بالعملية بأكملها.

لا يستقي الموظف القيم التي تحترمها المؤسسة من خلال تصفحه لبوابة التعلم الإلكتروني، بل يستشفها بعمق من خلال مراقبته لجدول أعمال مديره المباشر، وطبيعة نقاشاته، وسلوكياته اليومية، وردود أفعاله، كما يتعلمها من الكلمات الصادرة عن القيادة العليا ومن مطابقة هذه الكلمات لأفعالهم على أرض الواقع.

إن ثقافة المؤسسة لا تتشكل بحجم الميزانيات التي يضخها القادة، بل بالرسائل المستمرة والمواقف التي يرسلونها حول ما يهم المؤسسة في المقام الأول.

تعلن المؤسسات عن رغبتها في الابتكار، في حين يشعر الموظفون على أرض الواقع بأن عواقب الخطأ تزيد بكثير عن مكافآت التجربة والمخاطرة.

وتؤكد المؤسسات على تقديرها للتعلم المستمر، بينما تلتهم الضغوط التشغيلية اليومية كل دقيقة فراغ متاح للموظف.

وتشير المؤسسات إلى أهمية المرونة والتعافي، في الوقت الذي يُنظر فيه إلى الإرهاق التام والاحتراق الوظيفي كدليل على الولاء وميدالية شرف يستعرض بها الموظفون.

وتستثمر المؤسسات أموالاً طائلة لتطوير قدرات الذكاء الاصطناعي، دون أن يملك القادة القدرة على شرح الإستراتيجية بوضوح، أو دون معرفة ما يتطلبه تحقيق هذه الرؤية، أو حتى دون توفير الوقت الكافي والأمان النفسي الذي يحفز الموظف على خوض التجارب الجديدة.

هنا تصبح الرسالة متناقضة ومربكة، حيث يسمع الموظف شعارات براقة بينما ترسخ ثقافة العمل واقعاً مغايراً تماماً.

شواهد هذا النمط المتناقض تتجلى في كل مكان

تعلن الإدارة عن إطلاق برامج تدريبية لتعزيز المرونة، ولكن يتساءل الموظف هل يمثل القادة نموذجاً يحتذى به في احترام الحدود الشخصية والراحة والتأمل والأداء المستدام، أم أنهم يمنحون الحظوة لمن يحترق وظيفياً ويمجدون الإفراط في العمل؟

وتصرح الإدارة بأنها أتاحت للجميع برامج تدريب متطورة في الذكاء الاصطناعي، ولكن يبقى السؤال هل يستخدم القادة أنفسهم هذه الأدوات، وهل يشاركون تجاربهم، وهل يستوعبون مؤشرات الأداء الخاصة بها، وهل يمنحون الموظفين الوقت للاختبار والتعلم، أم أن كل نقاش إداري لا يزال متمحوراً حول سرعة التسليم الفوري وعدد الذين سجلوا في الدورة التدريبية فقط؟

وتنادي المؤسسة بضرورة الابتكار وتحدي الركود، ولكن هل يشعر الموظفون بالأمان النفسي عند التشكيك في آليات العمل التقليدية، أم أن الرسالة الخفية والعميقة للثقافة السائدة هي تفضيل السلامة وتجنب المخاطر بأي ثمن؟

وتفتخر الإدارة بالاستثمار في منصة تعليمية ذات معايير عالمية، ولكن هل هناك وقت محمي ومخصص للتعلم وسط جدول العمل، وهل يترجم القادة ما يتعلمونه في ممارساتهم، أم أن التطوير المهني يظل مجرد نشاط ثانوي يتوقع من الموظف أن يمارسه في أوقات فراغه كرفاهية عابرة؟

عندما تعجز مبادرات التطوير عن تحقيق أهدافها كاملة، فإن السبب لا يعود إلى تقاعس الموظفين أو عدم اكتراثهم، بل لأن البيئة المحيطة بهم لا توفر الدعم الكافي لتبني هذه السلوكيات الجديدة، وبالطبع فإن للموظفين دوراً ومسؤولية في اختيار التعلم والتجريب، إلا أن القادة يملكون التأثير الأكبر والكلمة الفصل في إنجاح هذه السلوكيات أو إحباطها، فهم من يملكون القدرة على إبراز قيمة التعلم وجعل التجريب آمناً وتخصيص الوقت والمساحة اللازمين لوضع التطوير في مقدمة الأولويات بالتوازي مع متطلبات العمل اليومية المعقدة.

وهنا تحديداً تبرز أهمية الشروط الثلاثة الحاسمة لنجاح أي عملية تطويرية.

الشروط الثلاثة لترسيخ مبادرات التطوير وتحويلها إلى كفاءات

يتمثل الشرط الأول في الإذن الصريح، والمقصود به هنا ليس الإذن النظري المكتوب في السياسات أو المفهوم ضمناً، بل الإذن الفعلي والمبرهن عليه عملياً، حيث يفترض الكثير من المديرين أن وجود المنصة التعليمية يمنح الموظف تلقائياً الراحة في استخدامها، وهذا الافتراض يجافي الحقيقة في كثير من الأحيان، فالموظفون يراقبون باستمرار ما هو مقبول ومقدّر فعلياً في ثقافة العمل، ويتأملون كيفية قضاء القادة لأوقاتهم، وطبيعة المواضيع التي تُثار في الاجتماعات، والأفعال التي تنال الثناء، والأمور التي توضع موضع المساءلة، والرسائل المبطنة التي تُقال وتلك التي تُترك طي الكتمان.

إن منح الإذن يعني بوضوح التواصل المستمر والتطبيق الفعلي الذي يثبت أن التعلم والتجريب والتأمل والنمو هي أجزاء أصيلة من الواجبات الوظيفية، وأن التقاط الأنفاس والتعافي ليس رفاهية بل هو ركيزة أساسية للأداء المتميز، وتأتي أقوى صور هذا الإذن عندما يمارس القادة دور القدوة، فيظهرون علانية ما يتعلمونه، والمجالات التي يختبرونها، والصعوبات التي تواجههم، وكيف ينمون من خلالها، مما يعطي الضوء الأخضر للبقية للمضي في الطريق نفسه.

ويأتي الشرط الثاني متمثلاً في الأولوية، ذلك أن الإذن بمفرده لا يكفي ما لم يؤمن الموظفون بأن هذا المسار يمثل أولوية حقيقية للمؤسسة، فكل منظومة تمتلك قائمتين للأولويات، قائمة معلنة في الشعارات والإستراتيجيات وقائمة فعلية تطبق على أرض الواقع، وتتكشف القائمة الفعلية بدقة من خلال معرفة أين يُستثمر الوقت والجهد والانتباه، وكيف تُصنع القرارات، ولغة الجسد والنقاش التي يعتمدها القادة.

إذا كان بناء كفاءات الذكاء الاصطناعي يمثل ضرورة إستراتيجية، فأين هو الوقت المحمي والمقتطع من الجدول التشغيلي لتمكين الموظف من التعلم والتجريب، وإذا كانت المرونة غاية مؤسسية، فأين هي المساحات المخصصة للتعافي وتحقيق الأداء المستدام، وإذا كان التعلم المستمر قيمة عليا، فأين الدعم الملموس لمساعدة الموظف على تطبيق هذه المعارف، فالإنسان ينجذب بطبيعته نحو المهام الأكثر إلحاحاً والتي يشعر بضغطها المباشر، وإذا استمرت متطلبات العمل في التهام وقت التطوير، سينتهي الموظف إلى استنتاج منطقي مفاده أن التطوير ليس مهماً على الإطلاق مهما تحدث القادة عنه في الاجتماعات الموسعة.

أما الشرط الثالث والأخير فهو الممارسة المرنة القائمة على الاستكشاف والتجريب الحُر، ولعل هذا العنصر هو الأكثر تعرضاً للإهمال في بيئات العمل المعاصرة، حيث تتحول مبادرات التطوير في كثير من الأحيان إلى قوالب جامدة وإجراءات روتينية جافة، تبدأ بإنهاء الوحدة التدريبية وحضور الندوة الرقمية ثم وضع علامة الإنجاز والانتقال إلى مهمة أخرى، وتلك آلية لا تتوافق مع طبيعة التعلم الإنساني الحقيقي.

إن النمو المعرفي والمهاري يتولد عندما يمتلك الموظف الفضول الكافي للاستكشاف والتجريب والوقوع في الخطأ ومراجعته، وإذا نظرنا إلى واقع تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي على سبيل المثال، سنجد أن الموظفين الذين يقدمون أعلى قيمة مضافة للمؤسسة ليسوا بالضرورة أولئك الذين أتموا أكبر عدد من الدورات التدريبية الجاهزة، بل هم أولئك الذين أمضوا أوقاتاً طويلة في اختبار الأفكار وصياغة الأوامر البرمجية والتعلم عبر الخطأ واكتشاف آفاق جديدة، فالإنسان يبني كفاءته عندما يمتلك مساحة آمنة للممارسة، والتجريب الحُر يذكي الفضول ويخفض من وطأة الخوف من الفشل ويحول التطوير من مجرد عبء إضافي في قائمة المهام إلى تجربة ممتعة وذات مغزى عميق.

سؤال جوهري يتعين على كل قائد طرحه

قبل أن تتخذ المؤسسة قراراً بالاستثمار في استضافة متحدث جديد، أو شراء رخصة منصة تعليمية إضافية، أو إطلاق تطبيق رقمي أو برنامج تدريبي جديد، يتعين على القيادة طرح سؤال بسيط للغاية ومفاده هل قمنا حقاً بتهيئة الظروف البيئية والثقافية المناسبة التي تمكن الموظفين من استخدام هذه الموارد وتحقيق الغايات المنشودة منها.

إن هذا الطرح لا يقلل أبداً من قيمة توفير الموارد، فبصفتي متحدثاً ومستشاراً متخصصاً في قياس وتطوير الطاقة الاستيعابية البشرية أدرك تماماً الأهمية البالغة لإتاحة الأدوات والمنصات، ولكنني أدرك في الوقت ذاته ومن واقع التجربة العملية أن المشاريع الأكثر نجاحاً وأثراً هي تلك التي تنخرط فيها القيادة بشكل فاعل ومستمر، ويشعر فيها الموظفون بامتلاكهم الإذن الكامل لتخصيص جزء من وقتهم لتطبيق ما تعلموه.

إن تطوير الكوادر البشرية لا يتحقق بمجرد توقيع عقود شراء المنصات والموارد التعليمية، بل يتجسد حقيقة عندما يحصل الموظف على الإذن الصريح للمشاركة، والأولوية الواضحة لتوفير الوقت، والمساحة المرنة للاستكشاف والتجريب والتعلم، وبدون هذه الركائز الثلاث ستظل أفضل الاستثمارات عاجزة عن إحداث التغيير المنشود، بينما يؤدي توفرها إلى تحويل الموارد الحالية والمستقبلية للمؤسسة إلى قوة دافعة تصنع المرونة والتكيف والابتكار وتبني التقنيات الحديثة وصولاً إلى تحقيق أعلى مستويات الأداء المستدام.

المصدر

مقالات ذات صلة