ملخص: تناقش هذه المقالة كيف تتحول الشراكة بين الإمارات وآسيا، وخاصة الصين، إلى رهان استراتيجي على مستقبل النمو العالمي، من خلال استثمارات طويلة الأجل لا تكتفي بضخ رأس المال، بل تبني قدرات صناعية، وتفتح أسواقاً جديدة، وتحوّل الابتكار إلى فرص عابرة للحدود. وتسلط الضوء على دور الإمارات كجسر اقتصادي مستقر يربط الصين والاقتصادات الآسيوية بالشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب آسيا، في وقت تعيد فيه التوترات التجارية وهشاشة سلاسل الإمداد تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي.
- تتيح الاستثمارات طويلة الأجل في أنحاء آسيا للإمارات بناء قدرات صناعية وتنويع مخاطر الأسواق.
- يمكن للشراكة المتبادلة بين الإمارات والصين أن تشكّل جسراً قوياً لتوسيع نطاق الابتكار العابر للحدود.
- يشكّل تحويل الأفكار الواعدة إلى أثر قابل للتوسع محوراً رئيسياً في الاجتماع السنوي للأبطال الجدد التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي، المعروف أيضاً باسم «دافوس الصيفي»، والذي ينعقد في الصين من 23 إلى 25 يونيو.
إذا أردت أن تفهم إلى أين يتجه الاقتصاد العالمي، فانظر إلى آسيا. يتوقع صندوق النقد الدولي أن تظل المنطقة أكبر محرك للنمو العالمي، إذ ستسهم بنحو 60% من هذا النمو هذا العام والعام المقبل، حتى في ظل إعادة تشكيل التوترات التجارية والرسوم الجمركية للاقتصاد العالمي. واليوم، يتركز معظم النشاط الاقتصادي الجديد في العالم في آسيا، التي تقود طلباً جديداً، وتؤسس صناعات ناشئة، وتوسّع نطاق الابتكار العالمي.
بالنسبة إلى الإمارات، لا يُعد هذا اكتشافاً حديثاً. فقد اتُّخذ قرار ترسيخ جزء من مستقبلنا الاقتصادي في صعود آسيا قبل سنوات، انسجاماً مع مبدأ طالما وجّه مسيرة الدولة: الاستثمار مبكراً، والبناء محلياً، والاستعداد قبل أن تصبح الحاجة ملحّة. وقد ازدادت وجاهة هذا التوجه. فسلاسل الإمداد التي كانت تبدو ثابتة أثبتت هشاشتها؛ ولم يعد بالإمكان التعامل مع طرق التجارة على أنها مضمونة، كما أن التنويع يمكّن الدول والشركات على حد سواء من توسيع أسواقها مع بناء قدرات حقيقية في الداخل. وهذا ما عملت الإمارات على تحقيقه طوال سنوات. ففي لحظات الضغط، ينبغي للمستثمرين طويلي الأجل أن يمضوا قدماً بثقة لا أن يتراجعوا.
الإمارات تبني بالفعل في أنحاء آسيا
هذه ليست قصة عن رأس مال ينتظر فرصة توظيفه. فالشركات الإماراتية تعمل اليوم في أنحاء المنطقة. وتتوسع شركة «مصدر» الإماراتية للطاقة المتجددة من خلال مشروع مشترك بقيمة 2.2 مليار دولار مع «توتال إنرجيز» يمتد عبر تسعة أسواق آسيوية، من اليابان وكوريا الجنوبية إلى إندونيسيا والفلبين. وبالمثل، تركّز محفظة «مبادلة للطاقة» القائمة على الغاز في جنوب شرق آسيا، بما في ذلك التطورات الأخيرة في حوض أندامان في إندونيسيا، على البنية التحتية الإقليمية للطاقة على المدى الطويل.
ما يجمع بين هذه الأمثلة هو طريقة العمل. فنحن مستثمر مسؤول يتعاون مع الحكومات والقطاع الصناعي لبناء القدرات على الأرض، ونقل الخبرات، وخلق فرص عمل طويلة الأمد. وهدفنا هو رفع حصة آسيا إلى ما بين 20% و25% من محفظة «مبادلة» بحلول عام 2030، على أن تكون الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند هي الأسواق الأساسية.
الصين: محرك أساسي لاستراتيجيتنا
تدير «مبادلة» أصولاً تبلغ قيمتها نحو 1.4 تريليون درهم إماراتي، أي ما يعادل 385 مليار دولار، وتسهم بنحو 45 مليار درهم في اقتصاد أبوظبي كل عام، أي حوالي 5.7% من ناتجها المحلي الإجمالي غير النفطي، مع دعم ما يقرب من 98 ألف وظيفة. ويتيح لنا هذا الحجم تبنّي رؤية طويلة الأجل في أسواق مثل الصين.
استثمرت «مبادلة» في الصين لأكثر من عقد، وتُعد البلاد محركاً أساسياً لاستراتيجيتنا العالمية ومركز منصتنا في آسيا. وندعم هذا الحضور بأكثر من 30 متخصصاً مقيمين في بكين، وبمحفظة في الصين تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار، بُنيت عبر أكثر من 100 استثمار في قطاعات المستهلكين، والرعاية الصحية، والتكنولوجيا، والصناعات، وخدمات الأعمال، والبنية التحتية.
وقد وصل الإطار الثنائي للعلاقة إلى مستوى لم يكن يتوقعه كثيرون. فقد بلغت التجارة غير النفطية بين الإمارات والصين 111.5 مليار دولار العام الماضي، بزيادة قدرها 24.5% في عام واحد، ما جعل الصين أكبر شريك تجاري للإمارات. وتتمحور هذه العلاقة في جوهرها حول ما يمكن للإمارات والصين أن تبنياه معاً، إذ باتت القيمة تتدفق الآن في الاتجاهين.
علاقة ذات اتجاهين
إن أكثر ما يُغفل في العلاقة بين الإمارات والصين هو طابعها المتبادل. فقد أصبحت الإمارات منصة مستقرة وقائمة على الابتكار تنطلق منها الشركات الصينية للتوسع في الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب آسيا، في حين يفتح الابتكار الصيني فرصاً أمام المستثمرين الخليجيين داخل الصين. ويعمل اليوم أكثر من 15 ألف شركة صينية في الإمارات، إلى جانب جالية تضم أكثر من 300 ألف مواطن صيني. وهم يختارون الإمارات للأسباب نفسها التي تدفع الشركات العالمية الأخرى إلى اختيارها: بيئة مستقرة وداعمة للأعمال، وسياسات مساندة للابتكار، وانفتاح على أسواق سريعة النمو. ونجعل هذا المسار ملموساً من خلال «Hub71»، منظومة أبوظبي للتكنولوجيا، التي تدير برامج مخصصة مع شركاء في هونغ كونغ لمساعدة رواد الأعمال من البر الرئيسي الصيني وهونغ كونغ على التوسع في المنطقة؛ أي جسر عملي نحو أسواق جديدة، لا مجرد حوافز على الورق.
أما الجزء الثاني من هذه الشراكة فيسير في الاتجاه المعاكس. فنحن نتعاون مع الحكومة والقطاع الصناعي وكبار المستثمرين المحليين لابتكار فرص مشتركة تدفع نمو الصين، ونستثمر عبر الدورات الاقتصادية، لأن هذا هو ما يدعم بناء محفظة قادرة على الاستمرار. وتكمن الفرصة الآن في توسيع نطاق الابتكار عبر الحدود، وهو التحدي الذي يضعه الاجتماع السنوي للأبطال الجدد هذا العام في صميم اهتماماته. ففي القطاعات التي ترسم مستقبل المنطقة، مثل الرعاية الصحية وعلوم الحياة، والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، والتحول في مجال الطاقة النظيفة، يتكامل الاقتصادان: إذ تمتلك الصين عمقاً في التصنيع والتكنولوجيا التطبيقية والقدرة على التوسع، بينما توفر الإمارات رأس المال، والاتصال بالأسواق الناشئة سريعة النمو، ومنصة مستقرة للوصول إليها. ومعاً، يمكن للابتكار الذي ينجح في سوق واحدة أن يتوسع عبر عدة أسواق.
الأفق التالي للنمو
حددت الإمارات والصين هدفاً يتمثل في الوصول بحجم التجارة بينهما إلى 300 مليار دولار بحلول عام 2030. ولا تتحقق مثل هذه الأهداف من خلال الحكومات وحدها، بل عبر آلاف الشركات ورواد الأعمال والمستثمرين الذين يختارون البناء معاً. وهذا هو المقياس الحقيقي للعلاقة، والسبب الذي يدفعنا إلى تسريع وتيرتها.
تخلق هذه الشبكة التجارية العميقة أثراً يرسخ الاستقرار ويتجاوز بكثير أرقام التجارة الثنائية. ففي عالم يكافئ من يستعد مبكراً، تكون الشراكات القادرة على الاستمرار هي تلك التي تنوّع المخاطر، وتبني القدرات لدى الطرفين، وتفتح مسارات جديدة للازدهار المشترك. ويُظهر النجاح النهائي في هذا الممر الاقتصادي المتطور كيف يمكن للتكامل طويل الأجل عبر الحدود أن يحوّل الاحتكاكات العالمية بنجاح إلى فرص متبادلة.
