القائمة الرئيسية

كيف تتعامل صناديق الثروة السيادية الخليجية مع اقتصاد عالمي متشظٍّ

كيف تتعامل صناديق الثروة السيادية الخليجية مع اقتصاد عالمي متشظٍّ
ملخص المقال

تمثل أحد الردود على ذلك في زيادة التركيز على صناديق الثروة السيادية، وهي مؤسسات استثمارية مملوكة للدولة، بهدف تعزيز الاستثمار في القطاعات عالية النمو، وفتح المجال أمام شراكات عالمية، وتثبيت الاقتصادات خلال فترة من عدم اليقين الجيوسياسي. وبعدما كانت هذه الصناديق تُعدّ في السابق أدوات متخصصة لإدارة إيرادات السلع الأساسية، أصبحت اليوم تحظى بقبول عالمي باعتبارها منصات استراتيجية للمرونة الاقتصادية.

ملخص: تناقش هذه المقالة كيف أصبحت صناديق الثروة السيادية في دول مجلس التعاون الخليجي أداة استراتيجية لمواجهة عالم اقتصادي أكثر تشظياً واضطراباً، من خلال توجيه رؤوس الأموال نحو الأسواق المحلية، وتعزيز الشراكات الإقليمية والعابرة للحدود، والاستثمار في قطاعات حيوية مثل الغذاء والطاقة والبنية التحتية الرقمية، بما يحوّل رأس المال السيادي من مجرد أداة استثمارية إلى رافعة لبناء المرونة الاقتصادية وحماية النمو في مواجهة الصدمات المستقبلية.

  • يمكن أن تكون صناديق الثروة السيادية أدوات لتعزيز المرونة الاقتصادية في زمن الاضطرابات الجيوسياسية.
  • تعمل صناديق الثروة السيادية التابعة لدول مجلس التعاون الخليجي على تعزيز الاستقرار من خلال التركيز المتزايد على الاستثمار في الأسواق المحلية وعلى التعاون الإقليمي.
  • سيكون تحويل الأفكار الواعدة إلى أثر قابل للتوسع محوراً رئيسياً في الاجتماع السنوي للأبطال الجدد التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي، المعروف أيضاً باسم «دافوس الصيفي»، في الصين من 23 إلى 25 يونيو.

يشهد المشهد العالمي حالة من التشظي. فالحمائية والتوترات الجيوسياسية آخذة في التصاعد، والقوى الكبرى تعيد ترتيب اصطفافاتها، بينما يؤدي الأثر التراكمي لارتفاع الرسوم الجمركية، والقيود المفروضة على تدفقات رأس المال، وتقلبات أسواق الطاقة، وتغير ديناميكيات التجارة، إلى الضغط على النمو. وقد زاد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران وما نتج عنه من اضطراب في حركة التجارة وتدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، وهو شريان حيوي للتجارة العالمية، من حدة هذا الضغط.

يتعين على الحكومات وصنّاع السياسات الآن بناء سلاسل إمداد أكثر قدرة على التكيف لحماية اقتصاداتهم. أما الجهات التي ستتقدم في هذا السياق، فهي تلك التي توظف رأس المال بهدف واضح، وتنسّق السياسات بما يسمح له بالتحرك عبر الحدود، وتتعامل مع الترابط بوصفه عاملاً مضاعفاً للنمو.

تمثل أحد الردود على ذلك في زيادة التركيز على صناديق الثروة السيادية، وهي مؤسسات استثمارية مملوكة للدولة، بهدف تعزيز الاستثمار في القطاعات عالية النمو، وفتح المجال أمام شراكات عالمية، وتثبيت الاقتصادات خلال فترة من عدم اليقين الجيوسياسي. وبعدما كانت هذه الصناديق تُعدّ في السابق أدوات متخصصة لإدارة إيرادات السلع الأساسية، أصبحت اليوم تحظى بقبول عالمي باعتبارها منصات استراتيجية للمرونة الاقتصادية.

وإلى جانب الاقتصادات المتقدمة مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة، أطلقت أسواق ناشئة، من بينها مصر وتركيا وإندونيسيا، صناديق ثروة سيادية أو وسّعتها أو أعلنت عنها، بما أسهم في نمو قطاع عالمي يدير حالياً أصولاً تتجاوز 14 تريليون دولار.

وفي مختلف دول مجلس التعاون الخليجي، تستخدم هذه الصناديق الشراكات العابرة للحدود لفتح المجال أمام الاستثمارات المشتركة وتقليل مخاطر النمو، بما يكمّل الرؤى الاقتصادية طويلة الأجل في منطقة الخليج.

الشراكة من أجل التوسع

تعمل صناديق الثروة السيادية في دول مجلس التعاون الخليجي على تطوير نهجها الاستثماري. فبعد أن كانت تركز تاريخياً على الأسواق الدولية والمحافظ العالمية المتنوعة، باتت توجه رأس المال بصورة متزايدة نحو أسواقها المحلية ونحو المنطقة. وفي وقت يتسم بتصاعد حالة عدم اليقين، يمثل هذا التحول قوة داعمة للاستقرار، إذ يساعد على استمرار الاستثمار في القطاعات الاستراتيجية.

ويتدفق جزء كبير من هذا الاستثمار عبر مشاريع مشتركة. فالشركة السعودية البحرينية للاستثمار، وهي شركة تابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، تهدف إلى استثمار ما يصل إلى 5 مليارات دولار في قطاعات بحرينية، وقد افتتحت مكتباً لها في المنامة. وفي مارس 2024، وقّع صندوق الاستثمارات العامة وصندوق الثروة السيادي البحريني «ممتلكات» مذكرة تفاهم لتعميق التعاون بينهما. وفي الوقت نفسه، استكشف المستثمر السيادي في أبوظبي «مبادلة» فرص استثمار عالمية مشتركة مع «ممتلكات» منذ عام 2021، حيث تبادل الكيانان أفضل الممارسات وأنشآ منصة للاستثمار المشترك الذي يحقق منافع متبادلة.

ومن خلال الجمع بين رؤوس أموال صناديق الثروة السيادية وخبرات القطاع الخاص، تستطيع الحكومات فتح فرص استثمارية جديدة في الداخل. ففي البحرين، تعكس استثمارات «ممتلكات» الدور الذي تؤديه صناديق الثروة السيادية في تنويع الاقتصاد.

فعلى سبيل المثال، يجمع بنك سنغافورة الخليج بين رأس المال السيادي ورأس مال المكاتب العائلية، بدعم من «ممتلكات» ومجموعة «وامبوا». ومنذ تأسيسه في عام 2024، دخل البنك في شراكة مع وزارة السياحة البحرينية لتعزيز اقتصاد السياحة، كما تعاون مع صندوق العمل البحريني «تمكين» لدعم تدريب البحرينيين وتوظيفهم في أدوار عالية القيمة.

وفوق ذلك، يمتد تنويع «ممتلكات» إلى قطاعات متعددة. فقد استحوذت شركة ألمنيوم البحرين «ألبا»، وهي إحدى الشركات الرئيسية في محفظة «ممتلكات»، على شركة ألمنيوم دونكيرك، أكبر مصهر للألمنيوم الأولي في الاتحاد الأوروبي، مقابل نحو 2.2 مليار دولار، في إشارة إلى الثقة في النمو العابر للحدود.

ويمتد هذا الطموح أيضاً إلى رياضة السيارات، حيث تتمتع البحرين بشغف عميق بهذا المجال. فقد استضافت أول سباق جائزة كبرى للفورمولا 1 في المنطقة، وتمتلك حصة طويلة الأمد في فريق مكلارين ريسينغ. لكن القيمة الاقتصادية تتجاوز حلبة السباق. فشركة «بيل ريسينغ هيلمِتس»، التابعة لمجموعة «Racing Force» المدعومة من «ممتلكات»، تنتج الخوذ التي يرتديها معظم سائقي الفورمولا 1 في منشأتها في الصخير، حيث ضاعف مصنع موسّع قدرته الإنتاجية، بينما يلبي مركز إنتاج مجاور الطلب المتزايد على منتجات السلامة في رياضة السيارات.

وفي قطاع الرعاية الصحية، أسهمت شراكة مع «M42»، مجموعة الرعاية الصحية المدعومة من «مبادلة» في أبوظبي، في توسيع حضور «أمانة للرعاية الصحية» إلى البحرين، مما جلب إلى البلاد قدرات متخصصة في الرعاية طويلة الأمد وإعادة التأهيل. كما تهدف شراكة أحدث مع «SandboxAQ» إلى تسريع تطوير قطاع التكنولوجيا الحيوية في البحرين.

التعاون من أجل المرونة

أدت الاضطرابات الأخيرة في طرق التجارة الإقليمية وسلاسل الإمداد العالمية إلى تعزيز الحاجة إلى المرونة في الأمن الغذائي والطاقة والبنية التحتية الرقمية، وهي قطاعات قد لا تكفي الحوافز التجارية وحدها لدعم الاستثمارات التي تتطلبها الأولويات الوطنية فيها. وبفضل تفويضاتها ذات الطابع التنموي، تتمتع صناديق الثروة السيادية الخليجية بموقع جيد لسد هذه الفجوة، من خلال دعم قطاعات تحتاج إلى وقت لتحقيق العوائد، وفي الوقت نفسه تعزز قدرة المنطقة على الصمود أمام الصدمات المستقبلية.

يمثل الأمن الغذائي مثالاً واضحاً على هذا النهج. ففي البحرين، أطلقت «ممتلكات» شركة «غذاء» لتعزيز الإنتاج الغذائي المحلي، بينما يستثمر صندوق الاستثمارات العامة في السعودية في التقنيات الزراعية، بما في ذلك الزراعة العمودية والزراعة في البيئات الخاضعة للتحكم.

وتتعاون صناديق الثروة السيادية أيضاً مع شركات عالمية لتعزيز البنية التحتية التي يعتمد عليها الاقتصاد المرن. إذ تقود شركة الذكاء الاصطناعي السعودية «هيوماين»، المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة، شراكة بقيمة 5 مليارات دولار مع «أمازون ويب سيرفيسز» لإنشاء «منطقة للذكاء الاصطناعي» من شأنها تغذية الابتكار وخلق فرص عمل في المنطقة وخارجها. وبالتوازي، تعزز صفقة بقيمة 300 مليون دولار بين «مبادلة» و«ستونبيك» للاستحواذ على شركتين لتأجير الحاويات كفاءة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، مع الحد من الاضطرابات في مضيق هرمز.

مواءمة أسواق مجلس التعاون الخليجي

تعمل السياسات الوطنية المتزايدة التوافق على تضخيم هذه الفوائد. فبرامج شهادات القيمة المحلية، التي تمنح أفضلية في المشتريات للموردين الذين يستوفون حدوداً معينة للمحتوى المحلي، تسهّل المشاركة العابرة للحدود في أسواق مجلس التعاون الخليجي. ويُعد برنامج «تكامل» في البحرين أحد هذه الأمثلة؛ إذ تحصل الشركات الصناعية التي تتخذ من البحرين مقراً لها على أفضلية بنسبة 10% في المشتريات الحكومية السعودية، بشرط استيفاء قواعد المنشأ التي تتطلب محتوى محلياً لا يقل عن 40%، في حين تحصل الشركات السعودية على معاملة تفضيلية مماثلة في البحرين.

وقد وسّعت الإمارات والبحرين مؤخراً الترتيب المتبادل نفسه من خلال بيان وزاري مشترك بشأن برامجهما للقيمة المحلية.

وبالنسبة للمستثمرين السياديين، تتيح هذه المواءمة التعامل مع مجلس التعاون الخليجي ككتلة موحدة بدلاً من ولايات قضائية منفصلة، مما يسمح بتوظيف رأس المال بكفاءة أكبر. أما بالنسبة للمستثمرين الأجانب المباشرين، فالرسالة واضحة: هذه المبادرات تجعل الوصول إلى المنطقة أسهل.

بناء الروابط

يمتد التكامل إلى البنية التحتية المادية والرقمية. فتعزيز الترابط بين الدول الأعضاء يضاعف فوائد تعاون صناديق الثروة السيادية، ويحسن الحركة والتنقل، ويقوي مرونة سلاسل الإمداد. ومن شأن مشروع سكة حديد مجلس التعاون الخليجي المخطط له بتكلفة 250 مليار دولار، والذي سيمتد على مسافة 2,177 كيلومتراً عبر الدول الأعضاء الست، أن يعزز الترابط ويساعد المنطقة على امتصاص الصدمات والتكيف مع الظروف العالمية المتغيرة.

كما يوفر خط بحري جديد بين ميناء خليفة بن سلمان في البحرين وميناء الملك عبد العزيز في الدمام بالسعودية مساراً تجارياً بديلاً عبر الخليج، مما يعزز قدرة المنطقة على الصمود أمام الاضطرابات من النوع الذي شوهد مؤخراً في مضيق هرمز.

وينطبق المبدأ نفسه على البنية التحتية الرقمية. فمن المقرر أن يصبح مشروع «الألياف في الخليج»، الذي يمتد عبر البحرين والعراق والكويت وعُمان والسعودية، أكبر نظام كابلات بحرية في المنطقة، في حين استثمرت مجموعة «بيون» المدعومة من «ممتلكات» في كابل «الخليج» البحري، وهو فرع خليجي من شبكة «SEA-ME-WE 6» الدولية. ويساعد تنويع مسارات البيانات على الحماية من الانقطاع، كما يدعم طموح مجلس التعاون الخليجي في أن يصبح مركزاً عالمياً مترابطاً للتكنولوجيا والبيانات.

شراكات إقليمية ودروس عالمية

يقدم نهج مجلس التعاون الخليجي ثلاثة دروس لصنّاع السياسات والمستثمرين على مستوى العالم.

أولاً، يجب توظيف رأس المال بصورة استراتيجية لا سلبية. فصناديق الثروة السيادية تتحرك إلى ما هو أبعد من التوزيع التقليدي للمحافظ الاستثمارية لتشكيل النتائج الاقتصادية، من خلال الاستثمار في صناعات جديدة، وبناء قدرات وطنية، وتوجيه مزيد من رأس المال نحو الفرص الإقليمية.

ثانياً، يتطلب الاستثمار بيئة تمكينية. فالأطر السياسية الداعمة واللوائح المتوائمة يمكن أن تفتح المجال أمام تجمعات أكبر من الاستثمارات، وتسرّع تنفيذ المشاريع، وتخلق فرصاً لا يستطيع أي سوق منفرد تحقيقها بمفرده.

ثالثاً، يمثل الترابط عاملاً مضاعفاً. فشبكات النقل، وممرات الخدمات اللوجستية، والبنية التحتية الرقمية تبقي الاقتصادات عاملة أثناء الاضطرابات، وتفتح مسارات جديدة للتجارة والنمو.

ومع اجتماع القادة في الاجتماع السنوي للأبطال الجدد التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي في داليان، تُظهر تجربة مجلس التعاون الخليجي أن المرونة تُبنى من خلال الاستثمار والتكامل والتعاون. ففي عالم يكتنفه عدم اليقين، ستكون المناطق التي تحشد رؤوس أموالها، وتعمّق الشراكات العابرة للحدود، وتستثمر في الترابط، في موقع أفضل للحفاظ على النمو والصمود أمام الصدمات المستقبلية.

المصدر

مقالات ذات صلة