القائمة الرئيسية

لماذا تتزايد تشخيصات التوحد؟ وماذا يعني ذلك للأطفال والأسر؟

لماذا تتزايد تشخيصات التوحد؟ وماذا يعني ذلك للأطفال والأسر؟
ملخص المقال

يتناول المقال الارتفاع الكبير في معدلات تشخيص اضطراب طيف التوحد بين الأطفال في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، موضحاً أن هذا الارتفاع لا يعني بالضرورة زيادة انتشار التوحد، بل يعكس تحسناً في الوعي والمعايير التشخيصية وقدرة الأنظمة الصحية على اكتشاف الحالات مبكراً. ويستعرض التحديات التي تواجهها الأسر والأنظمة العامة نتيجة تزايد الطلب على التشخيص والخدمات، بما في ذلك طول فترات الانتظار والتفاوت في الوصول إلى الرعاية بين الفئات المختلفة. كما يناقش اختلاف سياسات الدول في تقديم الدعم، حيث تعتمد معظمها على تقييم احتياجات الطفل الفعلية بدلاً من التشخيص الطبي وحده، إلى جانب التوسع في التعليم الدامج الذي يهدف إلى دمج الأطفال المصابين بالتوحد في الفصول العادية. ويؤكد المقال أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز قدرات أنظمة الدعم، وتحقيق مزيد من العدالة في الوصول إلى الخدمات، والاستثمار في الأبحاث طويلة المدى لفهم أكثر التدخلات فعالية، بما يضمن تمكين الأطفال المصابين بالتوحد من تحقيق كامل إمكاناتهم والمشاركة الفاعلة في المجتمع.

يواجه العالم اليوم ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة تشخيص اضطراب طيف التوحد بين الأطفال أكثر من أي وقت مضى عبر العديد من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. يمثل هذا التشخيص بالنسبة للعائلات نقطة تحول تمنحهم وضوحاً وفهماً لطبيعة الحالة، وفي الوقت ذاته يعلن بداية رحلة معقدة للتعامل مع أنظمة الرعاية والتعليم والدعم المتوفرة. ومع ذلك، يكمن خلف هذه القصص الشخصية تحول أوسع نطاقاً يعيد تشكيل كيفية فهم المجتمعات للتوحد واستجابتها له. يسلّط تقرير جديد صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الضوء على الأسباب الكامنة وراء هذا الارتفاع في التشخيص وكيفية استجابة الدول له، وتُشير النتائج إلى حقيقة بسيطة ولكنها جوهرية، وهي أن التوحد في حد ذاته لا يزداد انتشاراً بالضرورة، بل إن قدرتنا على رصده وتشخيصه هي التي تغيرت بشكل جذري.

أسباب زيادة معدلات التشخيص

شهد العقد الماضي ارتفاعاً حاداً في تشخيص مرض التوحد لدى الأطفال في جميع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حيث تراوحت الزيادات السنوية عادة بين 6% و10%.

وتتداخل عدة عوامل في هذا الصدد، يأتي في مقدمتها تطور المعايير التشخيصية التي دمجت حالات كانت تُعتبر في السابق منفصلة تحت مظلة ""طيف"" واحد. كما ارتفع مستوى الوعي بالتوحد بين أولياء الأمور والمعلمين والمتخصصين في الرعاية الصحية، في حين ساهم تراجع الوصمة الاجتماعية المحيطة بالمرض في تشجيع الأسر على طلب المساعدة بشكل أكبر. ونتيجة لذلك، يخضع الأطفال الآن للتقييم في سن مبكرة، وغالباً ما يبدأ ذلك من عمر السنتين تقريباً.

وتعني هذه التغييرات مجتمعة أن العديد من الأطفال الذين كان من الممكن أن يمروا دون أن يلاحظهم أحد يتم تشخيصهم الآن. وتُعد هذه خطوة كبرى إلى الأمام، لأن التشخيص المبكر يفتح الباب أمام تدخلات علاجية تساعد الأطفال على تطوير مهارات تواصل واجتماعية وتعليمية أفضل في مرحلة حرجة من حياتهم.

منظومة تواجه ضغوطاً متزايدة

على الرغم من ذلك، ومع تزايد أعداد الأسر التي تسعى للحصول على تشخيص، تواجه الأنظمة العامة صعوبة بالغة في مواكبة هذا الطلب، حيث تطول فترات الانتظار في العديد من البلدان، فضلاً عن وجود نقص حاد في المتخصصين المدربين.

ويدفع هذا الوضع بعض العائلات إلى اللجوء إلى القطاع الخاص إذا كانت ظروفهم المادية تسمح بذلك، بينما يواجه آخرون تأخيرات قد تؤثر سلباً على فرص حصول أطفالهم على الدعم، مع استمرار التفاوت في هذا الصدد بناءً على الجنس والدخل والخلفية الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، لا تزال الفتيات أقل عرضة للتشخيص مقارنة بالفتيان، ويرجع ذلك غالباً إلى أن أعراضهن تظهر بشكل مختلف وقد يكون من الصعب التعرف عليها. كما قد يواجه الأطفال من المجتمعات المحرومة أو الأقليات عوائق إضافية، بدءاً من نقص الوعي وصولاً إلى الصعوبات في التعامل مع أنظمة الرعاية الصحية. وتسلط هذه الضغوط الضوء على قضية رئيسية تتمثل في أنه على الرغم من أن التشخيص أصبح أكثر شيوعاً، فإن الوصول إلى الرعاية لا يزال غير متكافئ.

أنظمة الدعم: أهداف متشابهة ومقاربات مختلفة تماماً

تبرز مسألة أخرى جوهرية تتعلق بكيفية تقديم أفضل دعم للأطفال المصابين بالتوحد، وهنا تتبنى الدول استراتيجيات ومقاربات متباينة للغاية.

تقدم غالبية الدول مزيجاً من المساعدات المالية وخدمات الدعم، حيث قد تتلقى الأسر مبالغ مالية للمساعدة في تغطية الدخل المفقود أو التكاليف الإضافية، بالإضافة إلى تمكينهم من الوصول إلى العلاج والدعم التعليمي والخدمات الاجتماعية. ويمكن لهذه المساعدات أن تُحدث فارقاً هائلاً في حياة هؤلاء الأطفال، مما يساعدهم على المشاركة بشكل أكمل في المدرسة والحياة المجتمعية.

ولكن معايير الاستحقاق للحصول على الخدمات والمزايا المالية تختلف اختلافاً شاسعاً بين البلدان. ففي معظم الحالات، يعتمد الاستحقاق على تقييم احتياجات الدعم الخاصة بالطفل، بدلاً من الاعتماد على التشخيص الطبي وحده. ويعني هذا من الناحية العملية تحديد المساعدة الملموسة التي يحتاجها الطفل في المواقف اليومية، مثل ما إذا كان بحاجة إلى شخص لإطعامه أو إلباسه، أو إشراف مستمر لضمان سلامته، أو دعم فردي مؤقت داخل الفصل الدراسي. كما يمكن أن يشمل ذلك الحاجة إلى تدريب متكرر ومنهجي لتعلم مهارات محددة، مثل استخدام أدوات التواصل للتفاعل مع الأقران. وتبحث هذه التقييمات في نوع الدعم المطلوب وحجمه بدقة.

ولا يمكن للتشخيص الطبي وحده استيعاب هذا المستوى من التفاصيل، إذ تغطي بعض الحالات، لا سيما التوحد، طيفاً واسعاً من الاحتياجات، مما يعني أن طفلين يحملان التشخيص نفسه قد تكون لديهما احتياجات دعم يومية مختلفة تماماً. ونتيجة لذلك، يوفر التشخيص بمفرده معلومات محدودة فقط حول نوع وكثافة الدعم الذي يحتاجه الطفل، سواء كان هذا الدعم بشرياً أو تكنولوجياً أو عملياً.

ويتيح تأسيس الاستحقاق بناءً على الاحتياجات المُقيمة توجيه الخدمات والمخصصات العامة بشكل أفضل، حيث يتلقى الأطفال الذين لديهم احتياجات دعم أكبر مساعدة أكثر، في حين يتلقى الأطفال الذين لديهم احتياجات دعم أخف مساعدة أقل. ويصعب إجراء هذا التمييز، بل قد يكون مستحيلاً في معظم الأحيان، باستخدام التشخيص الطبي وحده.

ومع ذلك، تتيح بعض الدول، مثل إسرائيل وأستراليا، للعائلات إمكانية الوصول إلى مزايا معينة بناءً على التشخيص الطبي وحده، دون إجراء تقييم مفصل لاحتياجات الطفل. وفي حين أن هذا النهج يمكن أن يسهل إجراءات الوصول إلى الدعم، فإنه غالباً ما يؤدي إلى تقديم دعم لا يتوافق بدقة مع الحالة الفردية للطفل. ويعكس هذا تحدياً أوسع تواجهه العديد من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ويتمثل في تجاوز المقاربة الطبية البحتة للإعاقة نحو فهم أكثر شمولاً لجميع احتياجات الأفراد.

التعليم والدمج: بعض التقدم ولكن لا يزال هناك الكثير لإنجازه

تُشكل المدرسة ركيزة أساسية أخرى في هذا المشهد العام. فهناك التزام متزايد في جميع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بالتعليم الدامج الذي يهدف إلى دعم الأطفال المصابين بالتوحد للتعلم جنباً إلى جنب مع أقرانهم في الفصول الدراسية العادية. ويعود دمج الأطفال المصابين بالتوحد في الفصول الدراسية العادية بالنفع على الجميع، فهو ينمي التعاطف، ويحد من الوصمة الاجتماعية، ويساعد جميع الطلاب على النمو والتعلم معاً في بيئات تعكس التنوع الحقيقي للحياة الواقعية. ومع ذلك، لا يزال العديد من الأطفال ذوي الإعاقة أو ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة يتلقون تعليمهم في بيئات معزولة، مثل الفصول أو المدارس المتخصصة.

ويمكن للدمج أن يتخذ أشكالاً عديدة في الواقع العملي، حيث يستفيد بعض الأطفال من الدعم الذي يقدمه المساعدون التعليميون أو من خطط التعلم المخصصة التي تطوع المناهج الدراسية لتناسب احتياجاتهم، بينما يعتمد آخرون على التكنولوجيات المساعدة. ويعتمد تحديد الأسلوب الأكثر فعالية في نهاية المطاف على الطفل نفسه كحالة فردية، مما يؤكد أهمية وجود أنظمة دعم مرنة ومخصصة لتلبية الاحتياجات الفردية.

تطلعات مستقبلية: ما الذي يجب أن يتغير؟

إلى جانب خلق بيئات تعليمية أكثر دمجاً، هناك الكثير من العمل الآخر الذي يمكن القيام به في مجالات مختلفة. إذ تحتاج الأنظمة إلى توسيع قدراتها الاستيعابية حتى لا تترك الأسر في قوائم الانتظار الطويلة للحصول على التشخيص أو الدعم. ويجب أن يكون الدعم نفسه عادلاً ومرناً، مع ضرورة إيلاء المزيد من الاهتمام لضمان وصول جميع الأطفال إلى التشخيص والرعاية، بغض النظر عن خلفياتهم الاجتماعية أو الاقتصادية.

ولعل الأمر الأكثر أهمية هو أننا لا نزال نجهل الكثير عما يحقق أفضل النتائج على المدى الطويل. فما هي التوليفة المثالية من العلاجات والتعليم والدعم الاجتماعي التي تؤدي إلى نتائج أفضل في مرحلة البلوغ؟ وكيف يمكن تحسين التدخلات المبكرة؟ تتطلب الإجابة على هذه الأسئلة توفير أدلة وبراهين أكثر وأقوى. وتعد الأبحاث طويلة المدى والتقييمات المنهجية للبرامج الحالية أمراً ضرورياً لفهم ما يُحدث فارقاً حقيقياً، ولمن، وتحت أي ظروف، ومتى يكون تقديم الدعم في توقيته الأمثل لتحقيق أفضل النتائج على المدى البعيد.

إن الهدف النهائي بسيط وواضح، وهو بناء أنظمة تمكن كل طفل مصاب بالتوحد من استغلال كامل طاقاته والوصول إلى أقصى إمكاناته.

مقالات ذات صلة