القائمة الرئيسية

أزمة المرونة المؤسسية: لماذا تفشل ضغوط الإدارة في صناعة فرق عمل مرنة؟

أزمة المرونة المؤسسية: لماذا تفشل ضغوط الإدارة في صناعة فرق عمل مرنة؟
ملخص المقال

ينتقد المقال النهج الإداري الذي يطالب الموظفين بمزيد من المرونة والتكيف دون معالجة الظروف التنظيمية التي تعيق ذلك، مؤكداً أن المرونة ليست صفة فردية فحسب، بل نتاج بيئة عمل صحية وتصميم مؤسسي داعم. ويشير إلى أن الموظفين يعملون اليوم تحت ضغوط متزايدة تشمل المخاوف من الذكالي، وانعدام الأمان الوظيفي، والتقلبات الاقتصادية، ما يجعل مطالبتهم المستمرة بالتكيف دون دعم كافٍ أمراً غير عادل. كما يوضح أن بعض المؤسسات تستخدم شعار ""المرونة"" للتغطية على مشكلات قيادية وتشغيلية مثل غياب الأولويات الواضحة، وتقليص الموارد دون تعديل التوقعات، وتفسير التردد على أنه مقاومة للتغيير، وتجاهل مخاوف الموظفين بشأن المستقبل. ويخلص المقال إلى أن القيادة الفاعلة لا تكتفي بالمطالبة بالمرونة، بل تعمل على تهيئة بيئة عمل واضحة وشفافة، وإزالة العوائق التشغيلية، وإعادة تصميم العمل بما يتوافق مع القدرات البشرية، لأن استدامة الأداء والرفاهية الوظيفية شرط أساسي لتحقيق التكيف والنجاح في بيئات العمل المتغيرة.

لا يمكنك أن تطالب موظفيك بالمرونة والتكيف وأنت تغض الطرف عن البيئة الطاردة والظروف القاسية التي تضعهم تحت هذا الضغط المستمر. إليك ما يجب على القيادة الحقيقية تقديمه لفرق العمل قبل أن تطالبها بـ ""مواكبة التغيير"" تحت وطأة الأزمات.

تتردد اليوم على ألسنة القادة والمديرين عبارة مكررة بصيغ مختلفة: ""نحتاج من فرق عملنا أن تكون أكثر مرونة ورشاقة، وأسرع تكيفاً مع التحولات"".

والحق أنهم لا يجانبون الصواب في هذا الطرح.

فالواقع يفرض وتيرة متسارعة من المتغيرات، وسقف التوقعات والضغوط في تصاعد مستمر. ومن الطبيعي أن يطمح كل قائد إلى بناء فرق عمل مرنة وسريعة الاستجابة، لكن مجرد تمني هذا الأمر لا يعني استحقاقه أو إمكانية تحقيقه دون مقابل.

الموظفون اليوم مطالبون باستيعاب أعباء تنظيمية هائلة وضغوط مؤسسية متزايدة، يتزامن ذلك مع مخاوف حقيقية من هيمنة الذكاء الاصطناعي، وشبح انعدام الأمان الوظيفي، والتقلبات الاقتصادية، فضلاً عن عدم الاستقرار السياسي حول العالم. هذه التحديات ليست مجرد مشتتات جانبية تشغل الموظف عن أداء مهامه، بل هي الواقع الفعلي والظروف الراهنة التي يُنجز العمل من خلالها.

تُشير الإحصاءات إلى أن 40% من القوى العاملة عالمياً يسيطر عليهم الخوف من فقدان وظائفهم لصالح تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو معدل شهد قفزة نوعية بمقدار 12 نقطة خلال عامين فقط. الغالبية العظمى من هؤلاء الموظفين يفضلون الكتمان، فيحضرون الاجتماعات، ويومئون برؤوسهم علامة على الموافقة والدعم للاستراتيجيات الجديدة، ويقدمون تقارير الأداء بانتظام، في حين أنهم في قرارة أنفسهم يحسبون بدقة ما سيؤول إليه مصير أدوارهم الوظيفية، ومدى جدوى وجودهم، ومستقبلهم المهني في ظل هذا الغزو التقني.

تتحول هذه الهواجس والمخاوف إلى ما يشبه البرامج التي تعمل في خلفية الأجهزة الذكية، تستهلك طاقة الدماغ وقدرة الاستيعاب الصامتة للموظف قبل وقت طويل من ظهور مؤشرات تراجع الأداء الفعلي على أرض الواقع.

من حق القيادة أن تطلب المرونة والرشاقة المؤسسية، لكن هذا الطلب يترتب عليه التزام أخلاقي مهني. فإذا كان المتوقع من الموظفين مواصلة العطاء والتكيف تحت الضغط، فإن الواجب يحتم على القادة تهيئة البيئة وتوفير الظروف التي تجعل هذا التكيف ممكناً. وخلاف ذلك، تصبح الرسالة الضمنية الموجهة للموظف واضحة وفجة: ""تحمل المزيد، وتعافَ سريعاً، وتذكر أن احتواء هذه الضغوط هي مسؤوليتك الشخصية وحدك"".

إن القادة في هذه الحالة يرسخون في أذهان فرقهم أن المرونة والتكيف هما الوقود الوحيد للنجاح، وبالتالي فإن أي إخفاق في تحقيق المستهدفات هو فشل شخصي للموظف. وتغفل هذه المعادلة القاصرة حقيقة أن القدرة على التكيف تولدها البيئة والمناخ الذي يعمل فيه الموظف، وليست مجرد طاقة ذاتية أو رغبة شخصية في استيعاب التغيير القسري.

عيوب تشغيلية تتستر خلف شعار ""المرونة""

غالباً ما تُستخدم لافتة ""المرونة"" لإخفاء وتبرير ممارسات إدارية خاطئة تزيد من صعوبة التكيف، وتلقي بعبء مواجهة الأزمات على كاهل الموظف وحده.

تسييد لغة الاستعجال بدلاً من ترتيب الأولويات

عندما يصبح كل مطلوب طارئاً ومستعجلاً، فهذا مؤشر صارخ على عجز القيادة عن ترتيب الأولويات، وتفويض هذه المهمة المعقدة إلى الفريق بشكل تلقائي هرباً من المسؤولية.

هنا يجد الفريق نفسه مجبراً على تخمين ما يهم فعلياً، وتحمل التبعات القاسية في حال الخطأ في التقدير، ليعيد الكرة من جديد مع ظهور أول أمر مستعجل آخر.

هذا الأسلوب ليس رشاقة إدارية، بل هو تخبط وفشل تشغيلي صريح.

إن إضفاء صفة الاستعجال على كل المهام هو قرار بحد ذاته، لكنه يرحل الجزء الأصعب، وهو فرز المهام وتحديد الأهم، إلى موظفين لا يملكون الصلاحية القانونية ولا المعطيات المعلوماتية اللازمة لاتخاذ مثل هذه القرارات الحساسة. في أوقات الأزمات والضغوط، يدين القادة لفرقهم بتقديم إجابات حاسمة وواضحة حول المهام المصيرية التي تحظى بالأولوية القصوى، والمهام التي يمكن تأجيلها أو إنجازها بجهد أقل. وما عدا ذلك، فهو ليس إلا تهرباً من المسؤولية يتلفع بعباءة الاستعجال.

تقليص الموارد والتعامل معها كمتغيرات غير مؤثرة

يتراجع عدد الموظفين، تتقلص الميزانيات، بينما يبقى حجم العمل ونطاق المطلوب ثابتين لا يتزحزحان.

وعندما يبدأ الفريق في التعثر والترنح تحت وطأة هذه الحسبة غير العادلة، يتحول مسار النقاش واللوم نحو قدرة الفريق على ""إنجاز المزيد بموارد أقل"".

إن هذه العبارة الشائعة ليست سوى حيلة ذكية للتهرب من فتح نقاش حقيقي وجاد حول الجوانب التي يجب تغييرها وهيكلتها فعلياً في منظومة العمل.

إذا شحت الموارد وبقيت التوقعات كما هي، فلا بد من إحداث تغيير في مسارات أخرى. فقد يتطلب الأمر تسريع آلية اتخاذ القرار، أو تبسيط دورة الموافقات والاعتمادات، أو إلغاء الاجتماعات غير الضرورية وتعديل سياقها. وربما يقتضي الأمر منح الفريق صلاحيات أوسع للمفاضلة بين البدائل والمقايضة دون الحاجة للرجوع إلى الإدارة العليا في كل صغيرة وكبيرة، أو ربما يتوقف القادة عن اشتراط معايير الجودة الفائقة واللمسات النهائية الجمالية في أعمال لم تعد طبيعتها تحتمل مثل هذا البذخ في الوقت والجهد.

الخلاصة هنا أن القادة ليسوا بحاجة إلى خفض جودة المخرجات من أجل إضفاء السلاسة على منظومة العمل، بل يتعين عليهم تغيير البيئة والآليات التشغيلية المحيطة بتلك المعايير. وإن لم تفعل ذلك، فالمشكلة التي تواجهها ليست نقص مرونة الموظفين، بل هي أزمة قيادة حقيقية.

إساءة فهم التردد وتفسيره على أنه مقاومة للتغيير

عندما يتباطأ فريق العمل في التفاعل مع مبادرة جديدة أو مشروع مستحدث، يميل القادة تلقائياً إلى تفسير هذا التباطؤ على أنه عناد أو عدم قناعة وجدية من الفريق.

بيد أن هذا التردد قد يحمل في طياته دلالات مغايرة تماماً؛ فقد يعني أن الموظفين يعكفون على دراسة المخاطر وحساب التبعات التي لم يلتفت إليها القائد بعد. ربما يلمسون مشكلات مستقبلية وتعقيدات تشغيلية لا تظهر من برج القيادة العاجي، مثل أثر سلبي محتمل على تجربة العملاء، أو تداخل في الصلاحيات، أو صعوبة الربط التقني بين أنظمة غير متوافقة في الأصل.

وبالطبع، قد يكون التردد أحياناً ناتجاً عن غياب القناعة الفعلية بالمشروع.

لكن الشاهد هنا هو ضرورة الاستكشاف والتقصي من جانب القيادة. اطرحوا الأسئلة على فرقكم: قبل أن أصم هذا التباطؤ بنقص المرونة، ما هي الجوانب الخفية التي لا أراها؟ ما هي المعطيات التي تملكونها وغابت عني؟

قد يبدو هذا التوقف القصير للاستماع والاطمئنان خطوة متباطئة في البداية، لكن حجم الأخطاء وهدر الوقت وجهد إعادة العمل الذي تحمي منه هذه الخطوة هو ما يصنع السرعة والانطلاق الحقيقي في نهاية المطاف.

الصمت المطبق تجاه هواجس الموظفين المخيفة

يميل الكثير من القادة إلى التزام الصمت وتجنب الخوض في الأسئلة المصيرية الصعبة لمجرد أنهم لا يملكون إجابات جاهزة وحلولاً نموذجية لها.

أسئلة من قبيل: ما هو مصير هذا القسم في ظل ثورة الذكاء الاصطناعي؟ هل وظائفنا في خطر؟ ما هو الرهان الحقيقي للشركة في المرحلة القادمة؟ ما هي المهارات التي ستصبح أكثر قيمة بعد عامين؟ ما الذي لا يزال مجهولاً حتى الآن؟

قد يرى القائد في صمته نوعاً من الحكمة والتحوط، لكن هذا الصمت لا يبعث الطمأنينة في نفوس الموظفين أبداً، بل يتركهم فريسة لظنونهم وتكهناتهم الشخصية.

وعندما تصمت القيادة، تبدأ الفرق في نسج قصص وروايات من مخيلتها، وغالباً ما تصنف هذه القصص ضمن أدب الرعب المؤسسي.

إن فريق العمل الذي تنهشه الحيرة والتساؤلات في الخفاء حول مستقبل دوره ووظيفته وقيمته داخل المنظمة لن يمنح كامل تركيزه وإبداعه للعمل الموكل إليه حالياً. لا يحتاج القادة إلى امتلاك اليقين التام حتى يتحدثوا إلى موظفيهم، بل يحتاجون إلى شجاعة الصدق والمكاشفة؛ ليوضحوا ما يعرفونه يقيناً، وما يجهلونه حالياً، وما يعكفون على مراقبته، ومتى يمكن للجميع سماع مستجدات وتحديثات أخرى.

مواجهة حالة عدم اليقين لا تتطلب معجزات، بل تتطلب قيادة تتسم بأعلى درجات الشفافية والوضوح الممكنة بناءً على المعطيات الحالية، مع التزام تام بعدم إطلاق وعود وهمية قد يعجزون عن الوفاء بها مستقبلاً. وفي كثير من الأحيان، يكمن الحل في مجرد إيجاد مساحة آمنة يتشارك فيها الجميع تلك المشاعر الإنسانية المتمثلة في التوجس وعدم الاستقرار، ومناقشتها بجدية حتى وإن لم تتوفر الحلول الحاسمة في الوقت الراهن.

المرونة مطلب مشروع ولكنها ليست صكاً للاستغلال

كل ما سلف ذكره لا يعني أبداً الدعوة إلى تخفيف وتيرة العمل، أو تقليل الطموحات، أو خفض معايير الأداء والنجاح.

فالمرحلة الراهنة معقدة للغاية، والتحديات حقيقية ومشاهدة، والمؤسسات اليوم بحاجة ماسة إلى طاقات بشرية قادرة على التعلم المستمر، والتكيف السريع، والتعافي من الصدمات لمواصلة السير بمرونة عند تغير الظروف المحيطة.

ولكن هذه المرونة المنشودة لا تولد من رحم الأوامر والتوقعات الفوقية الجافة.

إن القادة الذين ينظرون إلى المرونة باعتبارها صفة شخصية يجب أن تتوفر في الموظف، دون اعتبارها نتاجاً لبيئة تشغيلية يسهمون هم في تشكيلها، سيظلون يصطدمون بالجدار ذاته متمثلاً في: مبادرات تغيير تفشل في تحقيق الزخم المطلوب، وفرق عمل تزداد هشاشة و تآكلاً يوماً بعد يوم، وفجوة تتسع باطراد بين ما تطلبه الإدارة وما يمكن تحقيقه فعلياً على أرض الواقع.

في المقابل، فإن القادة الملهمين الذين يحظون بقدرة حقيقية على التكيف من جانب فرقهم لا يكتفون بالمطالبة بالمرونة، بل يضفون المرونة على طبيعة العمل نفسه وآلياته.

إنهم يحددون الأولويات المصيرية بدقة، ويزيلون العقبات التشغيلية من طريق موظفيهم، ويستكشفون بذكاء أسباب التردد والصمت، ويتواصلون مع الجميع بأعلى درجات الشفافية والمكاشفة والوضوح.

إنهم يتوقعون المرونة ويريدونها، لكنهم يعون تماماً أن دورهم القيادي يتجاوز مجرد إصدار الأوامر والمطالبة بها.

إذا أرادت القيادة لفرق عملها أن تواصل حمل الأعباء والمسؤوليات الثقيلة بنجاح، فعليهم أولاً أن يتحملوا مسؤولية تسيير وتأمين الظروف والبيئة التي يحمل فيها الموظفون تلك الأعباء.

كيف نعيد هندسة منظومة العمل بما يتوافق مع القدرة والطاقة البشرية؟

تصميم العمل هو الركيزة الأساسية لضمان استدامة الأداء والمشاركة والرفاهية الوظيفية

عندما تنجح القيادة في تنظيم وهيكلة المهام بناءً على الطريقة الفعلية والطبيعية التي يتعاون بها البشر، فإنهم بذلك يقودون قاطرة الأداء نحو التميز، ويضمنون مغادرة الموظفين لمكاتبهم في نهاية اليوم وهم يحتفظون بطاقتهم وحيويتهم، بدلاً من حالة الإنهاك التام.

عندما تشعر أن المهام لا تنتهي أبداً: المؤشر الغائب وراء الأداء المؤسسي المستدام

لا قيمة حقيقية لقفزات الإنتاجية ومكاسبها إذا كان الموظفون ينجزون مهامهم بطاقة مستنزفة وأرواح منهكة. المؤسسات الذكية التي تضمن البقاء والازدهار هي تلك التي تضع معايير دقيقة لقياس القدرات البشرية وصونها من الاحتراق الوظيفي.

عندما يتحول ""الانشغال الدائم"" إلى ثقافة وهوية مؤسسية

إن الغرق في العمل والحركة الدائمة لا يعني بالضرورة تحقيق الإنتاجية الفعالة. ومع تغلغل أدوات الذكاء الاصطناعي واعتمادها كجزء أساسي في تفاصيل يومنا المهني، بات لزاماً على القادة إعادة صياغة المفهوم الحقيقي لـ ""الأداء العالي"" والمتميز.

المصدر

مقالات ذات صلة