لم يشهد العالم قط وفرة في البيانات، أو دقة في النماذج الاستشرافية، أو حشداً لعلماء الاقتصاد مثلما يشهد اليوم، ومع ذلك، نادراً ما ساور البشرية شعور بأن زمام الأمور يفلت من أيديها إلى هذا الحد. لقد غدا ""الغموض التام"" ــ لا المخاطر المحسوبة ــ هو السمة البنيوية الغالبة على عصرنا؛ إذ يتذرع به مسؤولو البنوك المركزية، ويتخذه القادة السياسيون ذريعة لإرجاء القرارات الحاسمة وتشريع التدابير الاستثنائية، في حين يلهث الأكاديميون وراء تكييف نظرياتهم مع واقع جديد وعاصف يتسم بالتقلبات الحادة والسياسات المزاجية. ووفقاً لمؤشر عدم اليقين العالمي التابع لصندوق النقد الدولي، والذي يرصد معدل تكرار هذه المفردة في التقارير الاقتصادية والسياسية عبر مئة وثلاث وأربعين دولة، فإن المؤشر يسجل مستويات مرتفعة غير مسبوقة تاريخياً منذ ما يقرب من عقد من الزمان، مع تسجيل قفزات حادة عقب كل هزة كبرى تصيب النظام العالمي.
ويبدو جلياً أننا نعيش في حقبة من ""الطوارئ المستدامة""، حيث أصبحت الضبابية هي المفردة الأكثر رواجاً، ولكن السؤال الأهم هو: ما العمل؟ إن الإجابة أيسر بكثير من تعقيد السؤال ذاته، وتتلخص في أن المجتمعات التي تستثمر في بناء مؤسسات قوية، عادلة، وشاملة، هي الأكثر قدرة على عبور عواصف الغموض بأقل الخسائر مقارنة بغيرها.
وعندما يتغلغل الغموض في أوصال المجتمعات، تبرز نزعة خطيرة نحو الاستسلام والقدرية؛ فما دام التنبؤ بالمستقبل مستحيلاً، يرى البعض أنه لا جدوى من التخطيط، وينكفئون على الحلول المؤقتة والتربح السريع. وتجسد سوق الأسهم الأمريكية هذا الواقع تماماً، إذ باتت تنفصل بشكل صارخ عن واقع الاقتصاد الحقيقي، مدفوعة بموجة عارمة من المضاربات والرهانات الضخمة على قطاع الذكاء الاصطناعي. وأصبحت شركات مثل ""أوبن إيه آي""، و""أنثروبيك""، ومؤخراً ""سبيس إكس""، من أكثر الطروحات الأولية ارتقاباً خلال العقد الحالي، وتقيم بأسعار فلكية تفترض مسبقاً أن المستقبل سيكون وردياً ومحفوفاً بعوائد تكنولوجية لا تنضب. إن الفاعلين في الأسواق يضاعفون مراهناتهم المتفائلة بدلاً من الاستعداد للاضطرابات القادمة، مما يؤدي إلى تجاهل متعمد للمخاطر الجيوسياسية، والهشاشة المالية، وحالة الغموض الذاتي التي تصيغ ملامح هذا العصر.
الحد الفاصل بين المخاطر والغموض التام
من الأهمية بمكان التأكيد على أن ليس كل تحدٍ يواجهنا يندرج تحت بند الغموض المطلق، فهناك بون شاسع بين ""المخاطر"" و""الغموض""، وخلط المفاهيم بينهما يقود حتماً إلى تبني سياسات كاريثية. فالأولى، أي المخاطر، تشير إلى مواقف نجهل نتائجها الدقيقة لكننا نملك القدرة على قياس احتمالات حدوثها إحصائياً. ولهذا السبب تحديداً وجدت شركات التأمين؛ فعلى الرغم من عجزها عن معرفة أي المنازل سيندلع فيه حريق، إلا أنها تستطيع حساب عدد المنازل المتوقع احتراقها إحصائياً في عام ما، ومن ثم تسعير وثيقة التأمين بناءً على ذلك وتوزيع الأعباء.
أما الغموض التام، وفق المفهوم البنيوي الذي صاغه الاقتصادي فرانك نايت عام ألف وتسعمئة وواحد وعشرين، فهو أمر أكثر عمقاً وجذرية، ويتمثل في تلك الحالات التي تعجز فيها الأدوات الإحصائية عن حساب الاحتمالات نفسها. فالأوبئة، والحروب، وشلل سلاسل الإمداد، والصدمات المناخية، ليست ""مخاطر"" يمكن تسعيرها أو التحوط منها ماليّاً، بل هي هزات عنيفة تكشف بوضوح عن حدود المعرفة البشرية وقصورها.
وقد عاينت هذا الاشتباك المفهومي عن قرب أثناء عملي الميداني في الإدارة العامة للشؤون الاقتصادية والمالية التابعة للمفوضية الأوروبية.
إذ تقوم النماذج الاقتصادية الكلية القياسية على فرضيات السلوك العقلاني للمستهلك وعلى استقراء البيانات التاريخية، لكن الواقع المعاش بات يفاجئنا بتأثيرات غير خطية وتداعيات متسلسلة غير متكافئة تعصف بالقدرة على التنبؤ وتقييم المخاطر. فبناءً على هذا التشابك، قد تؤدي التوترات الأمنية في مضيق هرمز إلى شلل في الإنتاج الزراعي عبر ثلاث قارات بسبب نقص الأسمدة، كما تسببت قفزة أسعار الغاز في أوروبا في تأجيج التضخم في بلدان لا تستورد غراماً واحداً من الطاقة الروسية. إن الأسباب الصغيرة باتت تفجر عواقب كارثية متلاحقة تعجز أعتى النماذج الاقتصادية المنفردة عن التنبؤ بها أو احتوائها.
إذا كنا عاجزين عن التنبؤ بالأزمة القادمة، فما هو السبيل؟
إن سياسة إغراق الأزمات بالأموال قد تنجح حيناً، لكنها تفشل أحياناً كثيرة. لقد كان ارتهان ألمانيا الكلي للغاز الروسي بمثابة سقطة مدوية في التخطيط الاستراتيجي، ومع ذلك، تمكنت من امتصاص الصدمة مؤقتاً عبر رصد درع مالي واقٍ بقيمة مئتي مليار يورو لشراء الغاز الطبيعي المسال من الأسواق العالمية بأسعار مرتفعة. لقد اشترت برلين بالمال وقتاً مستقطعاً، بيد أن هذا الترف المالي لا تملكه كافة الدول، فضلاً عن أن الإنفاق الطارئ بعد وقوع الفأس في الرأس يكلف أضعاف ما تتطلبه البنية المؤسسية المستقرة قبل الأزمة. وبالتالي، فإن السؤال الجوهري ليس: ""من يملك المال للاستجابة للأزمة؟"" بل ""من يملك الهيكل المؤسسي الذي يحميه من الوقوع في شرك الأزمة أصلاً؟""
وهنا تبرز تجربة الدنمارك في قطاع الطاقة والتي صيغت لبناتها الأولى عام ألف وتسعمئة وثلاثة وسبعين؛ حيث أجبرت صدمة النفط آنذاك دولة تعتمد بالكامل على الوقود الأحفوري المستورد على مواجهة عيبها الهيكلي. وبدلاً من التعامل مع الحدث العارض كأزمة عابرة، اتخذت الحكومات الدنماركية رهاناً مؤسسياً استراتيجياً يمتد لنصف قرن، حيث دمجت خطط الطاقة الوطنية المتعاقبة طاقة الرياح في صلب السياسة الصناعية وقوانين التخطيط العمراني والبحث العلمي، مصحوبة بإجماع سياسي عابر للأحزاب صمد أمام تغير الحكومات والتوجهات. ونتيجة لذلك، فإن ما كانت تخشاه شركات الكهرباء التقليدية سابقاً ــ من أن تؤدي شبكات توربينات الرياح اللامركزية إلى زعزعة استقرار الشبكة الوطنية ــ تحول ليصبح هو صلب النظام وعصب الطاقة في البلاد.
واليوم، تغطي الدنمارك حوالي خمسين بالمئة من احتياجاتها الكهربائية من طاقة الرياح، في حين تشكل مصادر الطاقة المتجددة بمجملها سبعة وستين بالمئة من إمدادات الكهرباء؛ ولهذا، عندما عصفت أزمة الطاقة العالمية عام ألفين واثنين وعشرين، كانت الدنمارك في موقع القوة والأمان.
ولم تكن هذه الخطط وليدة الغرف المغلقة، بل نضجت عبر نقاشات مجتمعية موسعة اتخذت من أمن الطاقة، والاكتفاء الذاتي، وكفاءة الاستهلاك غايات عليا، وصيغت في أطر مؤسسية جمعت أطراف الحكومة، وقطاع الأعمال، والنقابات العمالية، ومنظمات المجتمع المدني في ميثاق وطني ملزم تجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة. وتثبت الحالة الدنماركية أن مرونة الدول لا تقاس بوفرة مواردها المادية، بل بوجود إرادة سياسية صلبة وقدرة مؤسسية على محاصرة المخاطر قبل تفاقمها.
وعلى نحو متكامل، تقدم إسبانيا نموذجاً ملهماً في تطويع سياسات سوق العمل إبان الأزمات؛ ففي أوج جائحة كوفيد تسعة عشر، اتخذت الحكومة من الصدمة فرصة تاريخية لإقرار مظلة حماية اجتماعية شاملة ضد البطالة بالتوافق مع الشركاء الاجتماعيين، مقتلعة بذلك إرثاً ممتداً لعقود ترك العمالة المؤقتة والهشة دون غطاء واقٍ. ولم يكن الثراء المادي المحرك وراء هذا الإنجاز، بل الكفاءة المؤسسية الجاهزة والإرادة السياسية النافذة.
أما على صعيد الاتحاد الأوروبي، فقد أثبت ""مرفق التعافي والمرونة"" ــ البالغ قوام حزمته خمسمئة وسبعة وسبعين مليار يورو، والذي كان يُنظر إليه سياسياً كضرب من الخيال ــ أن المؤسسات العابرة للحدود قادرة على التطور والتحور الإيجابي تحت وطأة الضغوط.
فعبر توظيف حوافز اقتصادية مدروسة، شرعت دول الاتحاد في تفكيك معضلاتها الهيكلية بالتوازي مع امتصاص الصدمات الراهنة، مما ساهم في تعزيز مرونتها المؤسسية وقطع شوط واسع في مسار ""التحول المزدوج"" الأخضر والرقمي. ورغم أن التجربة لم تخلُ من الشوائب والتعقيدات، حيث رصدت تقارير التقييم تأخراً في التنفيذ وبيروقراطية في الرقابة، إلا أن أثرها على أرض الواقع كان ملموساً وحاسماً، وتكلل بتجنيب القارة العجوز السقوط في مستنقع ركود اقتصادي جديد.
بيد أن المعضلة القائمة اليوم تكمن في تساؤل جوهري: هل ستعمل أوروبا على مأسسة هذه التجربة الفريدة وتثبيتها الآن، أم سينتظر قادتها صدمة جديدة تلوي ذراعهم وتجبرهم على التحرك؟ إن استيعاب هذا الدرس يبدو شائكاً، لأن استهلاك الشرعية المؤسسية وتبديدها أيسر بكثير من عملية تشييدها أو ترميمها.
الأركان الثلاثة للمؤسسات في مواجهة الغموض
تتحرك المؤسسات في أوقات الأزمات والضبابية لتأدية ثلاثة أدوار بنيوية لا غنى عنها:
-
صناعة الاستقرار واستشراف التوقعات: بما يضمن صون ثقة المواطنين والمستثمرين وحمايتها من الانهيار عندما تشتد الضغوط العاصفة.
-
العدالة في توزيع أعباء الصدمات: للحيلولة دون تحول الهزات الاقتصادية العارضة إلى تصدعات اجتماعية واضطرابات أهلية.
-
ديناميكية التكيف وبناء القدرات: عبر تمكين أجهزة الدولة من مراجعة الذات وتغيير مساراتها بمرونة فائقة عندما تسقط الفرضيات القديمة وتثبت عدم جدواها.
إلا أن هذه الترسانة المؤسسية تظل مشلولة ما لم تكن مسيجة بإيمان حقيقي من قِبل المواطنين والنخبة السياسية على حد سواء.
وفي هذا السياق، تقع الإدارة الأمريكية الحالية في خطأ استراتيجي فادح من خلال السعي الدؤوب لتقويض شرعية مؤسساتها الوطنية وهيئاتها الرقابية المستقلة. ويحذر تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في أبريل من عام ألفين وستة وعشرين من هذه الممارسات صراحة؛ مؤكداً أن ممارسة الضغوط السياسية على البنوك المركزية والمجالس السيادية المستقلة من شأنها تجريف الثقة العامة التي بُنيت عبر أجيال، وتأجيج توقعات التضخم، ومحاصرة النمو الاقتصادي في نهاية المطاف.
وما الموجة الشعبوية العارمة التي اجتاحت أوروبا في أعقاب الركود الكبير إلا تجسيد حي لقصة مؤسسات كفت عن خدمة الشريحة الأوسع من مواطنيها، فكانت النتيجة الحتمية هي سقوط مصداقيتها وكفر الشعوب بها.
إن الغموض والضبابية ليسا سحابة صيف عابرة ننتظر انقشاعها، بل هما الضوضاء البنيوية المستمرة لعالم شديد الترابط، معقد التشابك، وسريع التحول.
لقد برهنت الدنمارك على أن استثماراً مؤسسياً يمتد لنصف قرن في الفكر الاستشرافي يسحق خطط الإنقاذ المالي المؤقتة والارتجالية، وأثبتت إسبانيا أن الإرادة السياسية الواعية ــ لا الوفرة المالية ــ هي القادرة على تحويل المحنة إلى منصة للإصلاح الهيكلي المستدام، مثلما أكدت الاستجابة الأوروبية الموحدة لجائحة كوفيد تسعة عشر قدرتنا الجماعية على تحجيم الركود ودفع عجلة الإصلاح في الدول الأعضاء.
ومن هنا، يتضح أن تشييد مؤسسات جامعة وشاملة ــ مؤسسات تعيد توزيع الفرص بعدالة، وتحمي الأفراد من غوائل الصدمات العشوائية، وتوفر للمواطن والمستثمر بيئة تشريعية مستقرة، وتتيح لمختلف الأطياف الاجتماعية صياغة القرار العام ــ ليس نوعاً من الرفاهية التكنوقراطية أو الترف الفكري، بل هو بمثابة شبكة أمان وصمام أمان جماعي ضد مستقبل يكتنفه الغموض، والدرع الأقوى الذي يمكن المجتمعات من الصمود أمام مفاجآت لا يملك أحد القدرة على التنبؤ بها.
