على مدى عقود من الزمن، أحرز العالم تقدمًا ملحوظًا في الحد من الفقر المدقع. ولقد أسهم هذا التحول، الذي كان النمو الاقتصادي محركه الأساسي، في انتشال أكثر من مليار شخص من براثن الفقر. بيد أنه وكما يظهر ""أطلس التنمية العالمية لعام 2026""، فإن وتيرة هذا التقدم آخذة في التباطؤ، بل إنها بدأت تتراجع في بعض الأماكن.
تراجع تاريخي في معدلات الفقر المدقع
حقق العالم على مدار العقود القليلة الماضية تقدمًا استثنائيًا في خفض معدلات الفقر المدقع. ففي عام 1950، كانت غالبية سكان العالم، والتي تقدر بنحو 60 في المئة، تعيش في فقر مدقع، وتكافح من أجل تلبية الاحتياجات الأساسية.
ومنذ ذلك الحين، أدى النمو الاقتصادي المستدام، ولا سيما في مناطق مثل شرق وجنوب آسيا، إلى تحقيق انخفاض مستمر، مما هبط بمعدل الفقر المدقع العالمي إلى ما يقارب 10 في المئة في الوقت الحاضر. ويعكس هذا الاتجاه طويل الأجل أحد أهم الإنجازات التنموية في التاريخ، حيث انتُشل مئات الملايين من البشر من الفقر، وشهدت مناطق عديدة تحسنًا ملحوظًا.
بلدان تخلفوا عن الركب
يتبدى الفقر المدقع مستعصيًا على الحل بشكل خاص في مجموعة تضم 43 دولة توقف فيها مسار التقدم أو تراجع. وتواجه العديد من هذه البلدان تحديات متداخلة، مثل النزاعات، وضعف المؤسسات، ومحدودية الفرص الاقتصادية، الأمر الذي يجعل الحد من الفقر بشكل مستدام أمرًا بالغ الصعوبة.
ويشير هذا النمط إلى أنه على الرغم من انخفاض الفقر العالمي على مدى العقود الماضية، فإن بعض البلدان تبدو محاصرة في حلقة مفرغة يكون فيها التقدم بطيئًا وهشًا ويصعب الحفاظ عليه، مما يجعل هدف القضاء على الفقر المدقع معتمدًا بشكل متزايد على معالجة هذه القيود عميقة الجذور.
احتمالية عودة الفقر للارتفاع
بالتطلع إلى المستقبل، ثمة خطر متزايد يتجلى في إمكانية ارتفاع معدلات الفقر العالمي بدلًا من مواصلة تراجعها على المدى الطويل. ففي العديد من البلدان التي تسجل أعلى مستويات الفقر، توقف التقدم أو اتخذ مسارًا عكسيًا، ويعيش الآن أكثر من نصف فقراء العالم في أماكن لا تشهد انخفاضًا في معدلات الفقر. وإذا ما استمرت هذه الاتجاهات، فإن عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع قد يرتفع في العقود القادمة، حيث تشير التوقعات إلى أن 600 مليون شخص إضافي قد يقعون في حبائل الفقر المدقع بحلول عام 2050 إذا استمروا في السير وفقًا للمسار الحالي.
ويمثل هذا تحولًا كبيرًا ومغايرًا لما شهدته العقود الماضية. وستبرز الحاجة إلى مواجهة التحديات الراسخة، بما في ذلك الصراعات وسوء الحوكمة، بغية منع حدوث مستقبل يشهد الفقر فيه صعودًا متناميًا.
