هل نغفل عن الصورة الأهم حول تأثير الذكاء الاصطناعي على رأس المال البشري؟ لقد طرحت هذا السؤال في العام الماضي في كلمتي الختامية في مؤتمرنا حول الذكالي ورأس المال البشري. وتشير أدلة جديدة ومثيرة للقلق إلى أننا قد نكون غافلين عن ذلك بالفعل. حيث كشفت دراسة حديثة من الصين أنه عندما بدأ الطلاب في استخدام الذكالي التوليدي بمفردهم، تحسن أداؤهم في الواجبات المدرسية بينما تدهور أداؤهم في الامتحانات بشكل حاد.
يعمل العديد من الأشخاص في البنك الدولي وأماكن أخرى بعناية على تصميم وتقييم أدوات الذكالي لتعزيز خدمات التعليم والصحة. ويمول فريقي سلسلة من المشاريع البحثية التجريبية التي تنفذها فرق البنك الدولي في جميع أنحاء العالم، كما أنني عضو في مجموعة عمل قامت بإعداد دليل تقييم الذكالي التوليدي.
ولكن بينما كنا نعمل بعناية على صياغة تدخلاتنا المدروسة، كان الذكالي التوليدي ينتشر بسرعة فائقة في المجتمع، مخلفاً آثاراً لا تزال غير مقاسة إلى حد كبير. وأي شخص يمتلك هاتفاً ذكياً يستخدم الذكالي بالفعل عبر محركات البحث، كما أن ملكية الهواتف الذكية أصبحت شبه عالمية في معظم البلدان، حتى بالنسبة للمراهقين. وتشير الدراسة الجديدة إلى أن آثار هذا الاستخدام غير المنضبط للذكالي قد تكتسح وتفوق المكاسب المحققة من تطبيقاتنا الخاضعة للرقابة. وقد لفت دارون عجم أوغلو انتباهي إلى هذه الدراسة خلال زيارة قام بها مؤخراً للبنك الدولي واستشهد بها في مائدة مستديرة لصحيفة نيويورك تايمز.
تتبع الدراسة الطلاب في الصفوف من السابع إلى الثاني عشر في مقاطعة صينية واحدة على مدار فترة امتدت لعامين ونصف العام بدأت في عام ألفين واثنين وعشرين. وتقارن الدراسة التغيرات في النتائج بين الطلاب الذين بدؤوا في استخدام أدوات الذكالي بمفردهم وأولئك الذين لم يفعلوا ذلك، مستغلة التباين في توقيت تبني هذه الأدوات لتحديد الأثر السببي.
وقد وجد الباحثون ثلاثة تأثيرات مذهلة لاستخدام الطلاب للذكالي:
انخفض الوقت المستغرق في حل الواجبات المدرسية بنسبة ثلاثين بالمئة.
ارتفعت درجات الواجبات المدرسية بنسبة ثمانية عشر بالمئة.
تدهورت نتائج الامتحانات الشهرية بنسبة عشرين بالمئة بعد خمسة أشهر، كما انخفضت درجات امتحانين منفصلين من امتحانات القبول عالية المخاطر بنسبتي ثمانية عشر وأربعة وعشرين بالمئة.
توضح الأشكال البيانية الموجودة في نهاية هذه المدونة هذه النتائج. وهذه النتائج تمثل متوسط الدرجات في جميع المواد الدراسية، حيث ظهرت التأثيرات الأكبر في العلوم الاجتماعية، تليها العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، ثم اللغات.
وتشير هذه النتائج إلى أن الطلاب استخدموا الذكالي كعكاز للواجبات المدرسية، مما رفع درجات واجباتهم ولكنه تركهم يتعلمون أقل بكثير.
ويبدو أن الدراسة تؤكد المخاوف من أن الطلاب الذين يستخدمون الذكالي يتجاوزون الجهد الأساسي والضروري للتعلم. ونحن نعلم أن التعلم، مثل التدريب البدني، يتطلب بذل الجهد. فإذا كنت تريد بناء العضلات، فلا تجلب رافعة شوكية إلى الصالة الرياضية. وتضع أدوات الذكالي المتاحة مجاناً رافعات شوكية مجازية للواجبات المدرسية في أيدي أي شخص لديه اتصال بالإنترنت.
وإحدى الطرق لقياس حجم هذا التأثير هي مقارنته بالتباين الإجمالي في أداء الطلاب. ووفقاً لهذا المقياس، فإن الانخفاض في درجات الامتحانات الشهرية بعد خمسة أشهر يعادل انحرافاً معيارياً قدره واحد فاصلة أربعة. وهذا تأثير كبير للغاية وغير معتاد بالمعايير المستخدمة في أبحاث التعليم. وعلى سبيل المقارنة، وجدت دراسة رائدة حول التدريس القائم على الذكالي في نيجيريا دفعة تعلُمية بلغت صفر فاصلة واحد وثلاثين من الانحراف المعياري، وهو ما يقل عن ربع الأثر السلبي المقدر للاستخدام الواسع للذكالي في دراسة الصين.
ويتمثل أحد التحديات المحتملة للتفسير السببي في أن صدمات أخرى قد تكون هي التي دفعت الطلاب لاستخدام الذكالي وخفضت أدائهم الأكاديمي في الوقت نفسه. على سبيل المثال، في بعض أجزاء الصين، لا يعيش العديد من الأطفال مع والديهم الذين هاجروا من أجل العمل. وكما يسلط تقرير رأس المال البشري الأخير الصادر عن البنك الدولي الضوء عليه، فإن هؤلاء الأطفال يشهدون انخفاضاً كبيراً في التحصيل الأكاديمي. فهل يمكن أن يكون بعض الطلاب في هذه الدراسة قد بدؤوا في استخدام الذكالي كاستجابة لهجرة والديهم؟ إذا كان الأمر كذلك، فقد يبدو الذكالي مسؤولاً عن خسائر التعلم التي سببتها في الأصل غياب الوالدين.
ويشير المؤلفون إلى أن مثل هذه الصدمات لا يمكن أن تكون بأي حال من الأحوال هي القصة الكاملة وراء نتائجهم، نظراً لأن الطلاب الذين لا يستخدمون الذكالي لا يشهدون تقريباً أبداً انخفاضاً بنسبة عشرين بالمئة في درجات الاختبارات. ومع ذلك، لا يمكنهم استبعاد احتمال أن تكون الصدمات قد لعبت دوراً ما، والذي يرجح أن يكون ضئيلاً للغاية. ونتيجة لذلك، قد يكون التأثير الحقيقي للذكالي أصغر قليلاً مما ورد في الورقة البحثية. وأتوقع أنه مع خضوع الورقة لمراجعة الأقران، سينظر المؤلفون في هذه المسألة بشكل أعمق.
من المرجح أن تكون هذه الدراسة الدقيقة والصارمة بمثابة جرس إنذار للآباء والمعلمين بشأن المخاطر المحتملة للذكالي على التعلم. وهناك حاجة إلى إجراء العديد من الدراسات المماثلة في سياقات أخرى لفهم إلى أي مدى تعد هذه الظاهرة عامة وشاملة.
تمتد تداعيات هذه الدراسة إلى ما هو أبعد من مجال التعليم. فمع دمج الذكالي في الحياة اليومية، يستخدمه الناس بشكل متزايد للحصول على المعلومات الصحية، وتطوير المهارات، والنصائح المهنية، والدعم العاطفي، وغالباً ما يكون ذلك خارج التطبيقات المنظمة التي يمكن للباحثين تقييمها بسهولة أكبر، وذلك لأن الثورات التكنولوجية لا يمكن إخضاعها للاختيار العشوائي. وقد لا تأتي أكبر تأثيرات الذكالي على رأس المال البشري من الأدوات التي ننشرها عمداً، بل من الطرق التي يختار بها الناس استخدام هذه التكنولوجيا بمفردهم. ويجب أن يكون فهم هذه القصة الأوسع للذكالي في الواقع العملي أولوية مركزية لأبحاث رأس المال البشري إذا أردنا تحقيق وعود الذكالي مع حماية الناس من مخاطره.
