القائمة الرئيسية

العمل عن بعد.. شغف ينمو ومكاسب تترسخ مع مرور الأيام

العمل عن بعد.. شغف ينمو ومكاسب تترسخ مع مرور الأيام
ملخص المقال

تكشف دراسة تتبعية أجريت على موظفين بلجيكيين بعد ثلاث سنوات من تجربة العمل عن بعد أن هذا النمط عزز الكفاءة والرضا الوظيفي وخفف مستويات الإجهاد، كما رسخ لدى كثير من الموظفين قناعة بأن المرونة أصبحت جزءًا أصيلًا من حياتهم المهنية. وفي حين لم تتدهور فرص التطور المهني أو العلاقات مع الزملاء كما كان يُخشى، برز تراجع في الشعور بالانتماء للمؤسسات، خاصة لدى بعض الفئات، مما يشير إلى وجود كلفة خفية للعمل عن بعد. كما أظهرت النتائج أن نجاح هذا النموذج يعتمد بدرجة كبيرة على تصميم الوظائف وتوفير التغذية الراجعة المستمرة، وهو ما يرجح استمرار التباعد في المواقف بين أصحاب العمل الساعين إلى تعزيز الحضور المكتبي والموظفين المتمسكين بمزايا العمل المرن.

لم تقتصر تداعيات الجائحة على قلب موازين البيئات المكتبية فحسب، بل إنها اختصرت سنوات من التعلم وصقلت مهارات العمل من المنزل، حيث وجد الموظفون وأصحاب الأعمال أنفسهم مجبرين على خوض تجربة استثنائية غير مخطط لها في عالم العمل عن بعد. واليوم، عاد فريق بحثي من مؤسسة (UGent@Work) – صاحب واحدة من أوائل الدراسات وأكثرها استشهادًا في هذا المجال عام ألفين وعشرين – ليتتبع العينة ذاتها من الموظفين في إقليم فلاندرز البلجيكي، بهدف الوقوف على مدى تطور نظرتهم لهذه التجربة بعد ثلاث سنوات من الممارسة الفعلية.

وكانت دراستهم الأولى، التي أُجريت وسط أجواء الفوضى المصاحبة للإغلاق العام الأول، قد أظهرت حماسًا واسعًا من قِبل الموظفين؛ فبالرغم من صدمة التحول المفاجئ، رصد المشاركون تحسنًا ملحوظًا في مستويات الكفاءة، والتركيز، والتوازن بين الحياة المهنية والشخصية. وبمرور الوقت، تقاطعت هذه النتائج مع بحوث عالمية أكدت أن هذا التفاؤل ليس سحابة صيف عابرة، بل إن الموظفين يكتسبون مع الخبرة قدرة أكبر على تنظيم يومهم والتوفيق بين مسؤوليات المنزل ومتطلبات المكتب. ومع ذلك، ظل التساؤل قائمًا: هل يكشف المدى الطويل عن عيوب مستترة، أم أن المخاوف الأولية ستتلاشى بمجرد تحول الممارسات إلى روتين مستقر؟

رضا متصاعد

جاءت الدراسة التتبعية لتبين أن مكانة العمل عن بعد قد تعززت بشكل ملحوظ؛ فوفقًا لمقياس خماسي النقاط، قفز العائد المتوقع على مستوى الكفاءة بواقع تسع وثلاثين بالمئة من النقطة، ليرتفع من ثلاث نقاط وست وأربعين بالمئة إلى ثلاث نقاط وخمس وثمانين بالمئة، مقتربًا بقوة من تقييم ""إيجابي"". كما شهد الرضا الوظيفي ومستويات الإجهاد العملي تحسنًا ملموسًا، مما يبرهن على أن عنصر الوقت قد ساعد الموظفين على جني ثمار العمل المرن بشكل أكثر نضجًا.

أما الهواجس التي كانت تشير إلى أن العمل عن بعد قد يعطل مسيرة التطور المهني أو يضعف الروابط الأخوية بين الزملاء، فلم تتفاقم على النحو المتوقع؛ إذ إن تقييمات فرص الترقي، والتطوير المهني، والعلاقات مع الزملاء – والتي كانت متواضعة في عام ألفين وعشرين – استقرت عند مستوياتها دون تحسن ملحوظ أو تراجع حاد. ومع ذلك، برز استثناء وحيد لافت للانتباه؛ وهو أن الموظفين باتوا يشعرون اليوم بارتباط أقل تجاه جهات عملهم مقارنة ببداية التجربة، مما يوضح أن العمل عن بعد يفرض ضريبة خفية ومستمرة على قيم الولاء والتلاحم المؤسسي.

وعند النظر خلف هذه الأرقام العامة، تبرز فروق فردية واضحة؛ ففي مستهل الجائحة، أبدى الموظفون من ذوي الأصول المهاجرة تفاؤلاً أكبر بآثار العمل عن بعد – بما في ذلك تعزيز شعورهم بالانتماء – مقارنة بزملائهم المواطنين. ولكن بعد مرور ثلاث سنوات، انقلبت هذه الآية تمامًا، وتبدد الحماس المبكر ليحل محله شعور بالاحباط وخيبة الأمل.

هندسة الوظيفة هي الأساس

تلعب طبيعة تصميم الوظيفة دورًا حاسمًا في هذه المعادلة؛ إذ تبين أن منح الموظف استقلالية واسعة في تنظيم جدول عمله يؤدي مع الوقت إلى تراجع نظرته الإيجابية تجاه فرص التطوير المهني وعلاقات الزمالة، ولعل التفسير في ذلك يرجع إلى أن الحرية الزائدة تقلل من فرص التواصل العفوي وغير الرسمي بين فريق العمل. وفي المقابل، فإن الوظائف التي ترتكز على تقديم التقييمات والملاحظات المستمرة تساهم في تعزيز النظرة الإيجابية لأثر العمل عن بعد على فرص الترقي، وخفض التوتر، وزيادة التركيز. ويخلص الباحثون هنا إلى أن التغذية الراجعة تمثل شريان الحياة لجعل العمل عن بعد تجربة ناجحة ومستدامة.

وكما هو متوقع، يظل الموظفون الذين تشغل وظائفهم طبيعة تتناسب كليًا مع العمل عن بعد هم المدافعين الأشرس عنه؛ إذ غدت نظرتهم لأثر هذا النمط على الرضا الوظيفي، وتحديدًا على التوازن بين الحياة والعمل، أكثر إشراقًا وبهجة بمرور السنين.

وبناءً على هذه المعطيات، فإن الفجوة بين أصحاب العمل الذين يسعون لتشديد إجراءات الحضور الوجاهي، وبين الموظفين الذين تعمق ارتباطهم بمرونة العمل، لن تتقلص في القريب العاجل. بل إن التجربة والخبرة قد رسختا العمل عن بعد كامتياز أصيل لا ينظر إليه الموظفون كمنحة فرضتها أيام الأزمات، وإنما كأسلوب حياة مهني أرقى وأفضل.

مقالات ذات صلة