القائمة الرئيسية

كيف حوّلت أوامر الذكالي مهارة الوصف الأدبي إلى ممارسة يومية للجميع

كيف حوّلت أوامر الذكالي مهارة الوصف الأدبي إلى ممارسة يومية للجميع
ملخص المقال

يتناول المقال كيف أعادت نماذج الذكالي إحياء فن الوصف الأدبي وتحويله من مهارة نخبوية إلى ممارسة يومية شائعة، إذ يجد المستخدمون أنفسهم مضطرين إلى صوغ الصور الذهنية والأجواء الشعورية بلغة دقيقة من أجل الحصول على النتائج التي يتخيلونها. ويربط المقال هذه الظاهرة بتاريخ الأدب الحداثي، موضحًا أن روائيي أوائل القرن العشرين، بعدما تفوقت الكاميرا في تمثيل العالم المادي، اتجهوا إلى وصف المزاج والأحاسيس والروابط الخفية التي تعجز الآلات عن التقاطها. وعلى نحو مفارق، أعادت أنظمة الذكالي للمشهد بقدر اعتماده على وصف عناصره المادية. ويخلص المقال إلى أن الذكالي، خلافًا للتنبؤات التي بشرت بأفول الكتابة، قد وسّع نطاق الممارسة الوصفية وجعل الملايين ينخرطون، بصورة أو بأخرى، في فنون السرد والكتابة وصياغة المعنى.

تأمل نفسك وأنت جالس خلف شاشتك، تخوض حوارًا بصريًا مع أحد نماذج الذكالي مثل ""ميدجورني"" أو خاصية إنتاج الصور في ""تشات جي بي تي"". ثمة لوحة جلية الملامح تسكن مخيلتك، وتبدأ في استدعائها بعبارة عفوية عامة: كرسي في غرفة دافئة.

تنبثق الصورة على الشاشة، لكنك تقطب حاجبيك تعبيرًا عن خيبة أمل طفيفة. تدرك في تلك اللحظة أنك لن تنال بغيتك إلا إذا أفضت في الحديث وبسطت القول، فتبدأ في تجربة عبارات أكثر دقة وعمقًا: خشب ماهوجني داكن، ضوء مصباح أصفر خافت، غسق مشحون ببرودة أواخر الخريف. تمضي في تنقيب الكلمات وتعديل الجمل، مدفوعًا برغبة عارمة في اكتشاف المفردات التي تأسر لب هذا الذكالي والمفردات التي يمر عليها مرور الكرام دون التفات.

إنك تقف هنا وجهًا لوجه أمام معضلة إنسانية عتيقة: كيف يتسنى للمرء أن يصف شعورًا؟ كيف تصوغ مشاعر الدفء, أو الشجن، أو الحميمية، أو السكينة، وتثبتها في قالب لغوي، لا لتنقلها إلى إنسان يشاطرك الوجدان، بل لتغرسها في روع ذكالي؟

يمثل هذا الإحباط ملمحًا طريفًا وفريدًا من ملامح عصرنا الراهن، غير أن ملايين البشر الذين ينقبون اليوم عن ""التلقين الأمثل"" يمارسون، من حيث لا يدعون، طقسًا أدبيًا ضاربًا في القدم، وهو تطويع الصور الذهنية، والرغبات الهلامية، والخواطر النفسية، وصهرها في لغة دقيقة محكمة التكوين.

الأدب الحداثي وفلسفة الوصف

لقد نقل الذكالي الوصف من كونه تقنية أدبية حكرًا على النخبة، ليصبح مهارة اجتماعية مشاعة بين العامة.

والحقيقة أن هذا الإحباط الذي نعيشه اليوم يتكئ على تاريخ أدبي غير متوقع. فقبل ما يربو على قرن من الزمان، واجه الأدباء المعضلة ذاتها عندما اقتحمت التقنيات البصرية الحديثة المشهد، وغيرت قواعد تمثيل الواقع. فقد أصبحت الفوتوغرافيا، ومن بعدها السينما، قادرة على توثيق الملامح، والأجساد، والتضاريس بسرعة خاطفة ودقة متناهية يعجز النثر عن مجاراتها. وإذا كانت الآلة قد غدت أكثر كفاءة من الكلمة في تصوير العالم المرئي، فما عساها أن تكون جدوى الكتابة إذن؟

في مؤلَفها ""تشابه غريب: الوصف والرواية الحداثية""، ترى الباحثة الأدبية دورا تشانغ أن ثلة من روائيي أوائل القرن العشرين آثروا المواجهة عبر إعادة صياغة مفهوم الوصف من أساسه.

وبدلاً من الدخول في سباق خاسر مع عدسات الكاميرا لمحاكاة الأشياء ماديًا، يمم رواد المدرسة الحداثية من أمثال هنري جيمس، ومارسيل بروست، وفيرجينيا وولف وجوههم شطر ظواهر تعصى على الالتقاط الميكانيكي، مثل الأجواء المحيطة، والنبض الحسي، والروابط الخفية، والمزاج العام، والتموجات المتداخلة في نسيج الوعي الإنساني.

هذا التحول الجذري يفسر لنا سر التباين الشديد الذي نستشعره عندما نطالع رواية حداثية مقارنة بالروايات الواقعية التي هيمنت على القرن التاسع عشر.

الانعطاف عن الكلاسيكية الروائية

كانت الروايات الواقعية القديمة، بأقلام رواد من طينة أونوريه دي بالزاك وتشارلز دكنز، تعمد إلى رسم الغرف، والملابس، والأزقة بتفاصيل مستفيضة، مجهدة في دقتها، رغبة منها في تشييد عوالم اجتماعية متكاملة في مخيلة قارئ لا يملك سبيلًا لمعاينتها رأي العين.

أما الكتاب الحداثيون، ورغم أنهم لم يهجروا الوصف كليًا، إلا أنهم وجهوا دفتهم صوب ما لا يمكن تمثيله ماديًا على الإطلاق، كأن يصفوا التوتر غير المرئي المعلق في أثير غرفة ما، أو الملامح المشتركة والمبهمة بين شيئين لا رابط بينهما، أو المناخ العاطفي المتشكل في سكون ظهيرة ما، أو تلك المشاعر المبتورة التي تطفو على السطح مع انبعاث ذكرى غابرة.

لقد جرى الأمر على النحو التالي: حين برعت الكاميرات في تخليد أسطح الأشياء المادية، هجر الأدب القشور وغاص في الأعماق التي تعجز تلك الأسطح عن احتوائها.

استحضار الهوية الشعورية للمشهد

الغريب في الأمر أن الذكالي قد قلب مجريات هذا التاريخ رأسًا على عقب. فبينما ساهمت الصورة الفوتوغرافية قديمًا في تقليص الاعتماد على السرد اللفظي بفضل قدرتها على التوثيق الآلي، جاءت الأنظمة الذكالية لتعيد إلى الكلمة سلطتها ووظيفتها، فارضة على المستخدمين صياغة سمات المشهد جودته لغويًا قبل كل شيء.

ولكي تبعث مشهدًا إلى الوجود، يتوجب عليك الآن أن تصنع لهذا الذكالي ما كان روائيو العصور الخوالي يصنعونه لقرائهم، أي أن تترجم الجمادات، والمساحات، والأمزجة النفسية إلى مفردات حية. والمشقة هنا لا تكمن في مجرد تسمية المكونات، إذ يدرك كل من خبر مولدات الصور أن سرد أسماء الأشياء بشكل مجرد لا يثمر لوحة آسرة أبدًا.

إنك بحاجة ماسة إلى ما تصطلح عليه ثقافة الفضاء الرقمي اليوم بـ ""الروح العامة"" أو ""الجو المحيط"" (The Vibe). هذا المفهوم يشير إلى الظلال العاطفية والحسية الشفافة التي تحف بالأشياء دون أن تذوب فيها، وهي ذاتها الظواهر التي أوقف الكتاب الحداثيون جهودهم الأدبية على سبرها ووصفها.

ومن هذا المنطلق، فإن صياغة التلقينات الرقمية تجمع اليوم بين مأربين أدبيين عتيقين في آن واحد، وهما المحاكاة الواقعية للأشياء الملموسة، والاستحضار الحداثي للأجواء النفسية الخفية.

الحوار المتبادل مع النماذج التوليدية

إن هذا التفاعل الخلاق مع نماذج الذكالي يسلط الضوء مجددًا على أطروحة لطالما تعمقت فيها الباحثة الأدبية إيلين سكاري. إذ يمكننا النظر إلى فعل التلقين، بوصفه ممارسة كتابية ووصفية، على أنه تجسيد حي لما أسمته ""المحاكاة الإدراكية"".

لقد ارتبط مفهوم المحاكاة في الفلسفة الجمالية الكلاسيكية بمسألة ""التمثيل"" الصوري للواقع، غير أن سكاري ذهبت في نقدها الأدبي إلى أبعد من ذلك، مستكشفة كيف تتحول أوصاف الأدباء إلى ""كتالوج"" إرشادي يقود القارئ لبناء صور ذهنية شديدة الحيوية والوضوح في مخيلته.

وعليه، فإن تأملنا لكيفية تطويع اللغة لتمثيل رؤانا الفكرية في حوارنا المستمر مع هذا الذكالي، يفتح أمامنا آفاقًا من الأسئلة الوجودية التي يتردد صداها حول طبيعة نظرتنا لأنفسنا، وفهمنا للعالم المحيط بنا.

طفرة الذكالي لم تكتم أنفاس الكتابة

كثيرًا ما تتردد في الأوساط الثقافية نبوءات متشائمة تزعم أن الذكالي سيقصي الكتاب ويقعدهم عن العمل، غير أن الحقيقة تكشف عن مسار مغاير تمامًا. فقد صنع الذكالي النقيض، وعمد إلى دمج واحدة من أعرق مهارات الكتابة في تفاصيل الحياة اليومية للبشر.

فها هم موظفو المكاتب، والطلاب، والمراهقون، والعاملون في قطاع التسويق، والهواة، يزجون أوقاتهم في صقل التلقينات، والمفاضلة بين التراكيب اللغوية، واختبار كيف يمكن لتقديم كلمة أو تأخير أخرى أن يقلب النتيجة رأساً على عقب. إنهم يمارسون أرقى فنون الوصف الأدبي، وإن لم يدرجوا ممارستهم تلك تحت هذا المسمى الفخم.

إن ثورة الذكالي لم تضع نقطة النهاية في كتاب السرد البشري، بل حوّلتنا جميعًا، بطريقة أو بأخرى، إلى كتاب.

المصدر

مقالات ذات صلة