القائمة الرئيسية

التمويل السيادي المصغّر: كيف يمكن للسندات المرمّزة كسر فخ الديون السيادية

التمويل السيادي المصغّر: كيف يمكن للسندات المرمّزة كسر فخ الديون السيادية
ملخص المقال

وتقدم استراتيجية من ثلاث طبقات، تشمل ترميز ديون الأفراد، وتحويل الديون التي تحتفظ بها البنوك، وإصدار سندات خضراء مرمّزة متوافقة مع التمويل الإسلامي، مخططاً عملياً قابلاً للتكرار.

ملخص: تناقش هذه المقالة كيف يمكن للسندات السيادية المرمّزة أن تفتح باباً جديداً أمام الدول النامية للخروج من فخ الديون، عبر خفض كلفة الاقتراض وتوسيع قاعدة المستثمرين لتشمل صغار المدخرين والمغتربين، بدلاً من الاعتماد المفرط على البنوك والأسواق التقليدية. وتعرض المقالة نموذجاً عملياً من ثلاث طبقات، مع التركيز على تجربة مصر كحالة واعدة، لتوضيح كيف يمكن للتكنولوجيا المالية والبلوكتشين والعقود الذكية أن تحوّل الدين السيادي من عبء خانق إلى أداة أكثر شفافية وشمولاً وقدرة على تمويل التنمية.

  • تواجه الدول النامية تكاليف اقتراض أعلى من الاقتصادات المتقدمة، ما يخلق حلقة مفرغة تزاحم فيها خدمة الديون الإنفاق على النمو والبنية التحتية والرعاية الصحية والتعليم.
  • ومن خلال خفض الحدود الدنيا للاستثمار، وتمكين التسوية الفورية، وأتمتة الإدارة عبر العقود الذكية، تفتح السندات المرمّزة أسواق الدين السيادي أمام قاعدة أوسع من المستثمرين.
  • وتقدم استراتيجية من ثلاث طبقات، تشمل ترميز ديون الأفراد، وتحويل الديون التي تحتفظ بها البنوك، وإصدار سندات خضراء مرمّزة متوافقة مع التمويل الإسلامي، مخططاً عملياً قابلاً للتكرار.

بلغ الدين العام العالمي مستوى قياسياً عند 102 تريليون دولار، وفقاً لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد».

ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يصل الدين العالمي إلى 100% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029، وهو مستوى لم يُسجَّل منذ الحرب العالمية الثانية.

غير أن هذه الأرقام العامة تخفي الأزمة الحقيقية: وهي أن الدول النامية تقترض بمعدلات فائدة أعلى بمرتين إلى أربع مرات من الاقتصادات المتقدمة. ولذلك، فإن التمويل السيادي يأتي بتكلفة باهظة، ما يفاقم أوجه عدم المساواة على نطاق واسع ويؤثر في كل قرار يتعلق بالاستثمار العام في الاقتصادات الناشئة.

وعندما تضطر حكومة ما إلى تخصيص الجزء الأكبر من إيراداتها لخدمة الديون، فإن الحيز المالي المتاح للتعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية والتحول الأخضر ينهار.

وفي تحليله الصادر في مارس، أكد مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية عمق المشكلة: فهناك 49% من البلدان منخفضة الدخل المؤهلة للحصول على دعم صندوق النقد الدولي إما في حالة ضائقة ديون بالفعل أو معرضة بشدة لخطر الوقوع فيها، وكان ثلاثة أرباعها في هذه الحالة منذ عام 2018 على الأقل. ولن تكون الإصلاحات التدريجية كافية لحل أزمة الديون هذه.

لماذا لا تستطيع الأدوات التقليدية حل أزمة الديون

إن أدوات الدين السيادي التقليدية، مثل أذون وسندات الخزانة، والسندات الدولية، والقروض المشتركة وغيرها من الأدوات التقليدية، صُممت لعالم يهيمن عليه المستثمرون المؤسسيون، وغرف المقاصة المركزية، وقياس الجدارة الائتمانية السيادية من خلال وكالات التصنيف.

وتنطوي هذه الأدوات على ثلاث نقاط ضعف هيكلية متجذرة، وهي مضرة على نحو خاص بالأسواق الناشئة والاقتصادات النامية.

قواعد مستثمرين مركزة: في معظم الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، تحتفظ البنوك التجارية بالغالبية الساحقة من الدين المحلي، ما يخلق حلقة تغذية راجعة محفوفة بالمخاطر؛ إذ تزاحم الحكومات الائتمان الموجه للقطاع الخاص، وتعتمد البنوك على الأوراق السيادية لتحقيق العوائد، ويصبح النظام بأكمله رهينة لدورات إعادة التمويل.

ارتفاع تكاليف الاقتراض مع غياب الضغط التنافسي: بما أن معظم مشتري الدين السيادي هم مجموعة صغيرة من البنوك المحلية وبعض مستثمري السندات الدولية الذين يظهرون بصورة دورية، فإن الحكومات لا تملك سوى قدرة تفاوضية محدودة.

احتكاك التسوية وضعف الشفافية: يمكن أن تستغرق تسوية السندات التقليدية عدة أيام عبر غرف المقاصة. وهذا الاحتكاك يرفع تكاليف المعاملات، ويحد من سيولة السوق الثانوية، ويجعل مشاركة المستثمرين الأفراد أو مستثمري الشتات في هذه الأسواق أمراً بالغ الصعوبة عملياً، ما يؤدي إلى استبعاد أوسع وربما أرخص مصدر لرأس المال بصورة ممنهجة: المدخرون العاديون.

«هناك 49% من البلدان منخفضة الدخل المؤهلة للحصول على دعم صندوق النقد الدولي إما في حالة ضائقة ديون بالفعل أو معرضة بشدة لخطر الوقوع فيها، وكان ثلاثة أرباعها في هذه الحالة منذ عام 2018 على الأقل.»

كيف تكسر السندات المرمّزة حواجز الاستثمار

تحوّل السندات السيادية المرمّزة الدين العام إلى رموز رقمية قابلة للبرمجة على منصة بلوكتشين، ما يجعل الأوراق المالية الحكومية متاحة وشفافة وميسورة التكلفة على نطاق واسع.

والفارق بينها وبين النماذج التقليدية كبير. فإلى جانب بطء التسوية وضعف الشفافية، تتطلب السندات السيادية التقليدية حداً أدنى للاستثمار يبلغ 100 ألف دولار، ما يحصر المشاركة فعلياً في المستثمرين المؤسسيين.

أما في حالة السندات السيادية المرمّزة، فيمكن أن تنخفض الحدود الدنيا للاستثمار إلى 30 دولاراً فقط. وتنفذ العقود الذكية كل شرط تلقائياً، من دفع الفوائد في موعدها، إلى فرض الحدود، وإدارة تاريخ الاستحقاق.

والنتيجة هي «التمويل السيادي المصغّر»، حيث تحصل الدولة على إمكانية الوصول إلى مجموعة كانت مستبعدة سابقاً من صغار المدخرين، ومستثمري الشتات، والمشاركين الأفراد. أما العائد المالي فهو قابل للقياس: إذ إن رقمنة دورة الإصدار تقلل تكاليف الاقتراض ورسوم الاكتتاب.

كيف أثبتت الدول نجاح ترميز السندات

تظهر أدلة نجاح ترميز السندات والتمويل السيادي المصغّر في تجارب عالمية متعددة:

أصدرت تايلاند سنداً غير ورقي قائماً على تقنية السجلات الموزعة في عام 2020 بحد أدنى قدره 1000 بات، ثم وسعت التجربة لاحقاً في مشروع G-Token التجريبي لعام 2025 بحد أدنى قدره 100 بات.

وأصبحت السندات في الفلبين متاحة بدءاً من 8.50 دولار فقط، مع تسوية فورية أو شبه فورية.

وحققت السندات الخضراء الرقمية متعددة العملات في هونغ كونغ مكسباً في السيولة بلغ 10.8%، كما خفّضت مدة الإصدار إلى النصف.

وأصبحت سلوفينيا أول دولة في منطقة اليورو تصدر سنداً سيادياً رقمياً يُسوّى باستخدام عملة رقمية للبنك المركزي مخصصة للمعاملات بالجملة، ما أرسي سابقة تنظيمية.

وكان سند «bond-i» التابع للبنك الدولي أول سند عالمي قائم على البلوكتشين في عام 2018، إذ جمع 110 ملايين دولار أسترالي، وأثبت أن دورة حياة الدين السيادي بأكملها، من الإصدار والتسوية إلى دفع القسائم والاستحقاق، يمكن أتمتتها عبر البرمجيات.

كما أصدر بنك الاستثمار الأوروبي سلسلة من السندات الرقمية على منصات بلوكتشين، منها إيثريوم وكوردا وكوروم، بفئات مقومة بالجنيه الإسترليني واليورو، وسوّى 100 مليون يورو عبر عملة رقمية للبنك المركزي مخصصة للمعاملات بالجملة، ما أثبت إمكانية التشغيل البيني عبر الحدود وبين عدة سجلات رقمية.

بنية مصر ذات الطبقات الثلاث لترميز الديون

توضح مصر في الوقت نفسه شدة فخ الديون السيادية والفرصة المتاحة لترميز واسع النطاق.

فعلى الرغم من أن الإصلاحات المالية خفّضت الدين العام من نحو 96% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2022/2023 إلى مستوى متوقع يبلغ 78% بحلول عام 2027، لا يزال من المتوقع أن تنفق مصر ما يقرب من 47% من مصروفات موازنتها الحكومية و60% من إجمالي إيرادات الموازنة على مدفوعات الفائدة في 2026/2027. وعملياً، يذهب ما يقرب من جنيه واحد من كل جنيهين تنفقهما الحكومة إلى خدمة الدين بدلاً من تمويل أولويات التنمية.

وفي الوقت نفسه، تتمتع مصر بموقع جيد يمكّنها من ريادة التمويل السيادي المرمّز. فهي تجمع بين تعداد سكاني يقارب 120 مليون نسمة، وبنية تحتية للمدفوعات الرقمية تتوسع بسرعة، وجالية في الخارج تضم أكثر من 11 مليون شخص حوّلت رقماً قياسياً بلغ 41.5 مليار دولار في عام 2025.

وتدعم هذه التدفقات حالياً استهلاك الأسر، ما يترك فرصة تمويلية كبيرة غير مستغلة إلى حد بعيد.

وقد أثبتت مصر بالفعل قدرتها على توزيع أدوات سيادية على نطاق واسع من خلال برنامج سندات الأفراد Citizen Bonds.EG، أو «سند المواطن»، الذي أُطلق بالتعاون مع البريد المصري.

وأظهر البرنامج أن المواطنين مستعدون للاستثمار مباشرة في الدين الحكومي عندما تكون المنتجات متاحة وموثوقة وبسيطة، من دون إرباك القطاع المصرفي. ويمكن تكييف نموذج التوزيع ذاته، إلى جانب الثقة العامة والإطار التنظيمي، مع الأدوات المرمّزة.

ودعماً لهذا التحول، يجري دمج نظام إدارة المعلومات المالية الحكومية في مصر مع النظام الوطني لتخطيط الاستثمار، ما يخلق بنية تحتية للبيانات المالية اللازمة لأتمتة العقود الذكية.

وبالاقتران مع الانتشار الواسع للمحافظ المحمولة، وشبكة مدفوعات ميزة، والامتداد الرقمي للبريد المصري، تكون تحديات التوزيع التي حدّت من برامج سندات الأفراد في أماكن أخرى قد حُلّت إلى حد كبير.

«ما نراه الآن هو تقارب ثلاثة اتجاهات: انتقال المستثمرين إلى التمويل الرقمي، وتبنّي صانعي السياسات الابتكار الرقمي في أسواق الدين السيادي، ووصول عبء الدين العالمي إلى مستويات غير مستدامة، ما يخلق نافذة ضيقة للإصلاح.»

مخطط عملي من ثلاث طبقات لترميز الديون

1. ترميز الدين المحلي للأفراد

استناداً إلى نموذج «سند المواطن»، يمكن إصدار أدوات الخزانة القائمة بالفعل في صورة أوراق مالية مرمّزة بحد أدنى للاستثمار يبلغ 100 جنيه مصري، بما يحرر مدخرات موجودة حالياً خارج النظام المالي الرسمي.

2. ترميز الأدوات التي تحتفظ بها البنوك

يمكن لبرنامج مرحلي أن يحوّل أذون وسندات الخزانة التي تحتفظ بها البنوك إلى مكافئات مرمّزة، ما يتيح التداول في السوق الثانوية على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، ويفتح المجال أمام الملكية الجزئية. ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى توسيع قاعدة المستثمرين وخفض تكلفة الاقتراض الحكومي.

3. صكوك خضراء مرمّزة للمستثمرين الدوليين

يمكن لمصر إصدار صكوك خضراء مرمّزة على منصات بلوكتشين منظمة وبعملات صعبة، بما يجذب المجموعة المتنامية من رأس المال المؤسسي المهتم بالمشروعات البيئية والاجتماعية ومشروعات الحوكمة، والساعي إلى شفافية فورية على السلسلة.

وباعتبارها أداة متوافقة مع الشريعة الإسلامية، فإنها ستوفر أيضاً وصولاً مباشراً إلى المستثمرين المؤسسيين في الخليج، وهو مصدر لرأس المال لا يزال غير مستغل بالقدر الكافي.

لماذا تمثل هذه فرصة مثالية لإصلاح أسواق الديون

ما نراه الآن هو تقارب ثلاثة اتجاهات: انتقال المستثمرين إلى التمويل الرقمي، وتبنّي صانعي السياسات الابتكار الرقمي في أسواق الدين السيادي، ووصول عبء الدين العالمي إلى مستويات غير مستدامة، ما يخلق نافذة ضيقة للإصلاح.

ويملك وزراء المالية وقادة التكنولوجيا المجتمعون في داليان فرصة لتحويل مفهوم مُثبت إلى التزام إقليمي. ويمكن لثلاث خطوات أن تسرّع التقدم:

إنشاء مجموعة عمل لترميز الديون السيادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: بهدف تطوير معايير تنظيمية مشتركة، وقواعد للتشغيل البيني، وآليات لحماية المستثمرين. فالتجارب الوطنية المجزأة لن تحقق النطاق المطلوب.

إطلاق تجربة إقليمية ببنية تحتية مشتركة: يمكن لبنية بلوكتشين مشتركة، شبيهة بيوروكلير، أن تخفض التكاليف، وتعمّق السيولة، وتجذب المستثمرين الدوليين عبر سوق موحدة.

ترسيخ الشمول المالي منذ التصميم: ينبغي لكل برنامج للسندات السيادية المرمّزة في المنطقة أن يضع أهدافاً واضحة للشمول المالي، من خلال تحديد حدود دنيا للاستثمار، ودمج المحافظ المحمولة، وتنفيذ حملات توعية مالية متعددة اللغات.

إن الحقبة المقبلة من التمويل السيادي لا تتطلب أسواق رأس مال عميقة؛ فالدول التي تمتلك رؤية رقمية جريئة وإرادة مؤسسية لتنفيذها تستطيع أن تقود. فالمخطط موجود، والتكنولوجيا جاهزة.

المصدر

مقالات ذات صلة