القائمة الرئيسية

عندما يصبح ""الانشغال"" هو الثقافة

عندما يصبح ""الانشغال"" هو الثقافة
ملخص المقال

يناقش المقال الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم الأداء العالي في عصر الذكاء الاصطناعي، محذراً من الخلط بين الانشغال الدائم والإنتاجية الحقيقية. فبعد أن برزت ثقافة التعاطف والمرونة في أعقاب الجائحة، عادت كثير من المؤسسات تدريجياً إلى تمجيد النشاط المستمر وكثافة الاجتماعات وسرعة الاستجابة باعتبارها مؤشرات للالتزام والنجاح، وهو ما أسهم في تفاقم الضغوط النفسية والاحتراق الوظيفي. ويرى المقال أن أدوات الذكاء الاصطناعي، رغم قدرتها على رفع الكفاءة، قد تدفع إلى ملء كل وقت متاح بمزيد من المهام بدلاً من استثماره في التفكير العميق والإبداع واتخاذ القرارات الرشيدة. لذلك تقع على عاتق القادة مسؤولية بناء ثقافة مؤسسية تركّز على النتائج والأثر الحقيقي لا على مظاهر الانشغال، من خلال توفير مساحات للعمل المركّز ووضع أولويات واضحة، لأن المنظمات الأكثر نجاحاً ليست تلك التي تعمل بأقصى سرعة طوال الوقت، بل تلك التي تعرف متى تسرّع ومتى تتيح للعاملين فرصة التفكير والتجدد لضمان أداء مستدام وعالي القيمة.

لا تعني كثرة الحركة بركة الإنتاج دائماً؛ فمع التغلغل المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي في تفاصيل يومنا الوظيفي، بات لزاماً على قادة الأعمال إعادة النظر في المفهوم الحقيقي لـ ""الأداء العالي"".

لم تكن أحاديث أروقة العمل قبل سنوات قليلة تشبه ما نسمعه اليوم؛ فقد تردد مصطلح ""التعاطف"" في الأدبيات الإدارية والأبحاث بكثافة جعلته يتربع على عرش المفاهيم الأكثر تداولاً في بيئات العمل عام 2020. وحينها نشرت مؤسسة غرفة التجارة الأمريكية مقالاً لافتاً بعنوان: ""في أوقات الأزمات، يصبح التعاطف والتراحم من الضروريات الحتمية لاستمرار الأعمال"".

في تلك المرحلة، فتح القادة باب النقاش على مصراعيه حول مرونة العمل والصحة النفسية للموظفين. وأدركت كبرى الشركات والمؤسسات، وعن حق، حجم الضغوط والتحديات الهائلة التي يواجهها الأفراد في حياتهم الشخصية والمهنية على حد سواء.

وسارعت المنظمات الذكية إلى مواكبة هذا التحول؛ فأصبح المدراء أكثر قرباً من فرق عملهم للاطمئنان عليهم وتلمس احتياجاتهم، وأظهرت الشركات مرونة غير مسبوقة في تحديد أماكن وأوقات العمل. ورغم أن هذه المرونة فرضتها الظروف الملحة في كثير من الأحيان، إلا أن أثرها كان حقيقياً وملموساً، وبدأت قطاعات بأكملها تعيد صياغة المفهوم الفعلي للإنتاجية.

ولكن، ما إن بدأت عجلة الأعمال تعود إلى سرعتها المعهودة، حتى انزوى ""التعاطف"" وتراجع في حواراتنا المهنية، ليدخل الذكاء الاصطناعي على خط المواجهة ويقلب الموازين من جديد.

وهم الحركة الفائقة والفارق بين السعي والوصول

إن السعي وراء رفع الإنتاجية في بيئة العمل ليس أمراً سلبياً بحد ذاته؛ فمن واقع موقعي كرئيس لشركة برمجيات كخدمة تشهد نمواً متسارعاً، أدرك تماماً أن الشركات بحاجة دائمًا إلى قوة دفع وزخم مستمر. ومن خلال خبرتي الطويلة في قيادة الموارد البشرية، أستطيع التأكيد على أن الغالبية العظمى من الموظفين يملكون رغبة صادقة في العطاء والإنتاج والنهوض بمؤسساتهم.

ولا شك أن التقنيات الحديثة قادرة على الارتقاء بآليات تنفيذ الأعمال وتطويرها، غير أننا في مرحلة ما من هذه الرحلة، بدأنا نعود ببطء وصمت إلى المربع الأول، متبنين تلك المعادلة القاصرة التي تختزل قيمة الموظف في ""حركته ونشاطه المستمر"".

ويحدث هذا التحول أحياناً بوتيرة متدرجة للغاية، تجعلنا ننزلق إلى عادات العمل القديمة دون أن نشعر؛ فتكتظ الأيام باجتماعات متتالية لا تترك فاصلاً لالتقاط الأنفاس، ويسارع المفراد إلى الرد الفوري على كل رسالة واردة أياً كان توقيتها أو درجة أهميتها، حتى غدا الإنهاك والاستنزاف الجسدي بمثابة صك للولاء الوظيفي ووسام شرف يتباهى به المرء.

إن ثقافة ""الإنشغال الدائم"" قد تمنحك شعوراً مؤقتاً بالإنجاز، لكنها سرعان ما تتهاوى؛ إذ يؤدي هذا الضغط المتواصل على المدى الطويل إلى عواقب وخيمة. وتؤكد أحدث الدراسات الصادرة عن منصة مونستر أن شريحة واسعة من الموظفين يرزحون تحت وطأة هذا الإجهاد؛ حيث أشار تقرير حالة الصحة النفسية في بيئة العمل لعام 2026 إلى أن 70% من العاملين يشعرون بضغط نفسي هائل لإظهار أنهم ""بخير وعال العال"" أمام زملائهم ورؤسائهم حتى وهم يمرون بظروف قاسية، في حين أبلغ نصفهم تقريباً عن إصابتهم بالاحتراق الوظيفي نتيجة للضغوط المرتبطة بالعمل.

ولا تبتعد مؤسسة غالوب في تقريرها لعام 2026 حول حالة بيئة العمل العالمية عن هذه الصورة القاتمة؛ إذ أكد 40% من المشاركين في استطلاعها أنهم عاشوا يوماً حافلاً بالتوتر والقلق، في حين لا تزال مؤشرات الغضب والحزن والوحدة تسجل مستويات مرتفعة مقارنة بما كانت عليه قبل الجائحة، وهذا الخلل المستتر لا يقتصر على سوق العمل الأمريكي بل يمتد ليشمل مختلف دول العالم.

وأنا هنا لا أستثني نفسي من هذه الدائرة؛ إذ ألمح هذه الديناميكية حاضرة في تفاصيل عملي اليومي أيضاً. فهناك أيام يمتلئ فيها جدول مواعيدي عن آخره بالاجتماعات، فيتسلل إليّ شعور زائف بالإنتاجية لمجرد أنه لا توجد دقيقة واحدة فارغة في يومي، لكن الحقيقة المجرّدة تخبرنا بأن كثرة الحركة لا تعني دائماً جودة الأثر وفاعليته.

إن أرقى الأعمال وأكثرها تميزاً تولد عندما نمنح أنفسنا المساحة الكافية للتفكير العميق والتدبر، بدلاً من الغرق في مستنقع ردود الأفعال اللحظية المتلاحقة.

روح المبادرة دون استنزاف الطاقات

يعود الضغط ليفرض نفسه مجدداً على الثقافة المؤسسية في الكثير من الجهات، لا لرغبة من القادة في خلق بيئات عمل طاردة أو غير صحية، بل لكونهم يجدون أنفسهم مدفوعين بمجاراة الإيقاع المتسارع من حولهم. فالأسواق تتقلب وتتغير بسرعة البرق، وهياكل الفرق أصبحت أكثر رشاقة واختصاراً، والموظفون مطالبون باستمرار باستيعاب أدوات جديدة، وعلى رأسها تقنيات الذكاء الاصطناعي، تزامناً مع سقف التوقعات الذي يرتفع يوماً بعد يوم.

ومع ضخ المنظمات لاستثمارات ضخمة في حلول الذكاء الاصطناعي وأدوات رفع الكفاءة، تولدت قناعة ضمنية، وقاعدة غير مكتوبة ولا منطوقة، تفيد بأن عجلة العمل يجب أن تدور الآن بسرعة مضاعفة. والسؤال الذي يطرحه الكثيرون لسان حالهم: إذا كانت التكنولوجيا قادرة على تلخيص الاجتماعات المطولة في ثوانٍ معدودات، وصياغة المحتوى بلمحة عين، وأتمتة المهام الرتيبة والمكررة، فلماذا لا نستغل كل ثانية تتيحها لنا هذه التقنيات لشحنها بمزيد من المهام والأعمال الجديدة؟

لكن لو كان لنا أن نخرج بدرس واحد وعميق من تجارب السنوات القليلة الماضية، فهو أن الإنسان ليس آلة صماء.

حتى في أكثر المؤسسات تميزاً وإنتاجية، يظل العنصر البشري بحاجة ماسة إلى وقت مستقطع يستوعب فيه المعلومات، ويتبادل الآراء بنضج، ويعيد ترتيب شتاته الذهني بين مهمة وأخرى. إن الهدف الأساسي من تذليل العقبات وتبسيط الإجراءات في العمل هو إتاحة مساحة أكبر من الصفاء الذهني والتركيز، مما يمهد الطريق لاتخاذ قرارات سديدة، وتوليد أفكار مبتكرة، وتحقيق أداء متميز ومستدام لا ينقطع حبل عطائه.

ولا يعني هذا بحال من الأحوال أن تتراخى المؤسسات أو تفقد روح المبادرة وسرعة الاستجابة؛ فالمنظمات الحية والناجحة تتحرك بخطى حثيثة وجريئة كلما تطلبت الظروف ذلك، إلا أن الفارق الجوهري يكمن في توجيه جهود الاستعجال والسرعة نحو الأولويات والنتائج الحقيقية، لا نحو الإنشغال بهامش الأعمال. فإضفاء طابع العجلة والأهمية القصوى على كل مهمة واجتماع ورسالة، يجرّد الموظفين من المساحة النفسية والذهنية اللازمة للتركيز على صلب عملهم وصناعة الفارق الحقيقي.

القادة أولاً: اصنعوا البيئة التي تطمحون إليها

هنا تحديداً يتعين على القادة إسقاط الشعار القديم ""افعلوا ما أقول، ولا تفعلوا ما أفعل"" وإحالته إلى التقاعد بلا رجعة.

إن الموظفين يراقبون بدقة شديدة السلوكيات التي يتبناها قادتهم ويجعلون منها نمطاً مقبولاً وسائداً؛ فإذا كان القائد يتحرك في يومه بناءً على ردود الأفعال العشوائية، سيشعر الموظفون بالدونية والتقصير إن لم يفعلوا مثله. وإذا بدا كل لقاء طارئاً وكل جدول مثقلاً بالأعباء، ستعتاد فرق العمل هذه الوتيرة اللاهثة وتعتبرها المعيار الطبيعي للعمل.

والمفارقة العجيبة هنا هي أن معظم القادة لا يسعون وراء الفوضى بأي حال، بل يطمحون إلى رؤية قرارات مدروسة بعناية، وتنسيق فعال، وابتكار حقيقي، وفكر استراتيجي ثاقب. ومع ذلك، نجد أن الكثير من عادات العمل المتبعة تكافئ وتثمن التواجد الظاهري والجهد المرئي على حساب الكفاءة والإنتاجية الحقيقية؛ فالرد السريع والمباشر على الرسائل يلفت الأنظار أكثر من العمل الهادئ والمركز، والجداول المزدحمة باللقاءات تبدو في ظاهرها أكثر قيمة وأهمية من تلك الساعات المحمية والمخصصة للتأمل والتخطيط.

ومع مرور الوقت وتراكم هذه الممارسات، تجد المؤسسات نفسها في حركة دائبة ومستمرة، لكنها حركة عشوائية تفتقر إلى البوصلة والتوجه الواعي والواضح.

إن بيئات العمل الأكثر تميزاً وصحة اليوم هي تلك التي تضع محددات وتوقعات واضحة وصريحة تنظم الأولويات، وآليات الاستجابة، ومستويات التركيز؛ حيث يحرص قادتها على إفساح المجال للعمل الإبداعي المدروس، بدلاً من التعامل مع كل دقيقة فراغ في اليوم على أنها وعاء فارغ يجب حشوه بالمهام حتى يفيض.

وعندما يوجه القادة بوصلة اهتمامهم نحو المخرجات والنتائج النهائية عوضاً عن النشاط المستمر، يمنحون موظفيهم الطمأنينة والجرأة للعمل بتركيز وعمق. تكمن أهمية هذا التحول في كون الثقافة المؤسسية لا تبنى بالشعارات الرنانة والكلمات المكتوبة، بل تصيغها التجارب والخبرات اليومية الحقيقية التي يعيشها الموظفون ويلمسونها في واقعهم.

ما هو تعريف الأداء العالي في قاموسك؟

كثيراً ما تنجرف الحوارات المتعلقة بمستقبل العمل نحو قضايا التكنولوجيا، والأتمتة، ومؤشرات قياس الإنتاجية الجافة، وتغفل جانباً بالغ الأهمية؛ إذ يتعين على المنظمات الالتفات إلى الأنماط النفسية والعاطفية التي تتشكل في وعي الموظفين تجاه العمل ذاته.

إن بوسع معظم البشر تحمل مشاق العمل وضغوطه لفترات طويلة وبذل جهود مضاعفة، لكن ما يعجزون عن تحمله ومواصلته هو ذلك الشعور المقيت والمستمر بأنهم في رحلة بحث دائمة ومضنية لإثبات أنهم ""يعملون فعلاً"".

ومع استمرار تبدل وتغير ملامح بيئات العمل، تبرز أمام القادة فرصة ذهبية لإعادة صياغة مفهوم الأداء العالي ومحدداته؛ وليس المقصود هنا تقزيم الطموحات أو خفض سقف التوقعات، بل الوصول إلى فهم ناضج وصحي يؤمن بأن العمل ذو القيمة والأثر يتطلب ما هو أبعد بكثير من مجرد الحركة الدائمة والنشاط الذي لا يهدأ.

وفي نهاية المطاف، وسواء كنا نعيش حالة من الإنشغال التام أم لا، فإن المنظمات والشركات التي ستكتب لها النجاة والازدهار ليست بالضرورة تلك التي تسير بأقصى سرعة ممكنة في كل ساعة من ساعات اليوم، بل هي تلك المنظمات التي تملك من الوعي والانضباط ما يمكنها من معرفة المتى والكيْف، وتدرك بدقة تلك اللحظة الحرجة التي تتحول فيها الحركة المستمرة إلى حجر عثرة يعيق التقدم الحقيقي.

إضاءة من المحرر: هولي ليست وحدها في هذا المضمار؛ إذ يتفق معها الكثير من الخبراء في رصد كيف يمهد الذكاء الاصطناعي الطريق لثقافة ""الإنشغالية"" على حساب الإنتاجية الحقيقية:

  • الذكاء الاصطناعي قد يسرق من عقلك مهامه الروتينية الحيوية: لا تملك عقولنا القدرة على العطاء في مساحات العمل العميق لأكثر من أربع ساعات يومياً؛ والشركات الأكثر ذكاءً وحكمة هي التي تحيط هذا الوقت بالرعاية والحماية، بدلاً من تكديسه بمزيد من الأعباء.

  • موظفوك ينجزون الكثير حالياً، ولكن إلى متى؟: لا يدق الاحتراق الوظيفي الأجراس ليعلن عن قدومه، بل يتسلل في خفاء وهدوء، مستنزفاً طاقات الموظفين شحنة تلو الأخرى؛ وهنا يبرز دور القادة في فهم هذه الديناميكية وتدارك الأمر قبل أن حسم الموقف ودفع الثمن باهظاً.

  • السر الخفي وراء المنظمات المرنة: قد تقع بعض المنظمات في فخ خلط المفاهيم، فتحسب الحركة والركض المستمر تقدماً ملموساً في طريقها نحو تحقيق ""المرونة""، في حين أن المرونة الحقيقية تتطلب عملاً هيكلياً وتنظيمياً شاقاً، يتغافل عنه معظم القادة في زحمة رغبتهم العارمة وعجلتهم لاتخاذ القرارات وإصدار الأوامر.

المصدر

مقالات ذات صلة